العاصمة العراقية بغداد واحتدام المنافسة بين إيران وأميركا
الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

المنافسة بين أميركا وإيران تُهدِّد بتمزيق العراق مُجدَّداً.. انقسام ولاء الشيعة قد يكون منطلق الشرارة

لم تبد العاصمة العراقية بغداد بهذا المظهر الجيد للغاية منذ عقود، إذ خضعت المطاعم في بغداد إلى عمليات تجميل، بينما تُفتَح مراكز تسوُّق كلَّ شهر. وعادت رافعات البناء المتوقِّفة منذ سقوط صدام حسين في 2003 إلى الحركة مرةً أخرى. وعاد أثرياء العراق  إلى استثمار أموالهم داخلياً بدلاً من تحويلها إلى خارج البلاد. كما حلَّت إعلانات جديدة لفتيات مبتسمات وغير محجبات محلَّ اللافتات الإعلانية الضخمة لرجال الدين العابسين. أما فنانو موسيقى الروك فأقاموا مهرجاناً للسلام في الهواء الطلق على ضفة نهر دجلة.

تحسَّن الوضع الأمني في العاصمة العراقية بغداد بشكلٍ ملحوظ منذ طرد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من أبواب المدينة في 2014. لكن نهضة المدينة تتعرَّض لتهديداتٍ هذه المرة بسبب المنافسة بين الولايات المتحدة وإيران ووكلائهم، وفق ما جاء في تقرير لمجلة The Economist البريطانية.

وبينما يترقب العراقيون الفراغ الرئاسي بتوجس، تواصل واشنطن وطهران تبادل الرسائل في العواصم السياسية وفي الميدان. إذ أعلن أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون لفرض عقوبات على مجموعتين مسلحتين عراقيتين تابعتين لإيران، كما اعتبر قائد «الحرس الثوري» الإيراني الجنرال محمد علي جعفري أن الضربات الصاروخية التي استهدفت مواقع لجماعة كردية في العراق «رسالة للأعداء».

 كلُّ طرفٍ يحاول تشكيل تحالف حاكم «على ذوقه»

يُنظِّم كل من بريت ماكغورك، مبعوث الولايات المتحدة الإقليمي، وقاسم سليماني، قائد فيلق القدس -وهي وحدة قوات خاصة إيرانية مسؤولة عن العمليات الخارجية- صفوف حلفائهم في المنطقة الخضراء ببغداد، حيث توجد المقرات الحكومة.

ويحاول كلُّ طرفٍ تشكيل تحالف حاكم «على ذوقه» في أعقاب الانتخابات العامة الفوضوية بالعراق التي جرت في مايو/أيار 2018.

إيران تريد «برلماناً شيعياً» -مُكوَّناً من 200 عضو من أحزابٍ شيعية مختلفة من إجمالي عدد نواب البرلمان البالغ عددهم 329- للتحكُّم في المشهد.

ويريد ماكغورك أن يتولَّى الحكم تحالف مُتعدِّد الطوائف مُكوَّن من أكرادٍ وعرب سُنّة بقيادة «قوميين» شيعة أقل ولاءً لإيران. يحمل تحالف ماكغورك اسم «الإصلاح»، ولديه 145 مقعداً في البرلمان.

بينما يستحوذ تحالف سليماني المنافس، المسمى بتحالف البناء، على 109 مقاعد. ولا يستحوذ أيٌّ من الأطراف على الأغلبية اللازمة لاختيار الرئيس ورئيس الوزراء.

والتأخر في اختيار رئيسين للدولة والحكومة بدأ يُترجم أمنياً

التوتُّر السياسي بدأ يأخذ شكلاً عنيفاً ممتداً إلى خارج المنطقة الخضراء. ورغم أن القادة العسكريين الإيرانيين والأميركيين حاربوا تنظيم داعش بجوار بعضهم البعض، أصبحوا حالياً في حالة عداء.

في 6 سبتمبر/أيلول، سقطت قذائف هاون بالقرب من السفارة الأميركية في بغداد، وتعرَّضت قنصليتها في مدينة البصرة إلى القصف أيضاً في وقتٍ لاحق. وتعد هذه أولى الهجمات التي تُنفِّذها ميليشياتٌ شيعية على أهدافٍ أميركية في العراق منذ عام 2011.

بعدها بيومين، أطلقت إيران صواريخ على قاعدةٍ عسكرية كردية في مدينة كوي العراقية القريبة من الحدود. وذكرت تقارير أن هذا القصف الإيراني كان الأول ضد العراق منذ حربهما الطولية التي اندلعت في ثمانينيات القرن الماضي.

إيران تستعرض قوتها في البصرة والعراقيون يردّون

الأخطر من هذا، أن إيران تستعرض قوتها في البصرة، المدينة المُهمَلة التي تُعد ثاني أكبر المدن بعد العاصمة العراقية بغداد والتي تقع بالقرب من الحدود الإيرانية.

إذ سدَّت الأنهار التي تمد المدينة بالمياه وقطعت عنها الكهرباء. احتج السكان المحليون عبر قطع الطرق المؤدية إلى حقول النفط العملاقة في العراق والميناء الوحيد الموجود بالمدينة، والتي تُزوِّد الحكومة بنحو 90% من إيراداتها.

حاولت قوات الأمن فرض حظر تجول عبر إطلاق الرصاص على المتظاهرين لكن لم يفض هذا إلى شيء سوى إشعال غضبهم. وخلال أربعة أيام من الاحتجاجات الغاضبة، أحرق المتظاهرون المكاتب الحكومية العراقية والقنصلية الإيرانية.

والأوْلى التعلم من دروس داعش بعد انتخابات 2014

ينبغي أن يُشكِّل هذا الوضع مصدرَ قلقٍ للسياسيين في العاصمة العراقية بغداد . فبعد آخر مرة اختلف فيها السياسيون بعد انتخاباتٍ غير حاسمة في 2014، انقضّ مقاتلو تنظيم داعش على الموصل وغيرها من المناطق في شماليَ وغربيّ العراق مُشعِلين حرباً امتدت لثلاث سنوات.

العبادي يبذل ما بوسعه للحصول على الدعم الأميركي

سعى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى الحصول على الدعم الأميركي ليستمر في منصبه ولاية ثانية عبر إيقاف أبو مهدي المهندس، رجل إيران الذي يقود لجنة الحشد الشعبي، التي تشرف على ميليشيات عراقية متعددة.

تعهَّد العبادي بالالتزام بالعقوبات الأميركية المفروضة على الاقتصاد الإيراني المُترنِّح. وطلب من البنوك العراقية وقف المعاملات بالدولار مع إيران ليسد مصدر رئيسي للنقد الأجنبي. وإذا لم ترجئ الولايات المتحدة تنفيذ هذه العقوبات، يقول مسؤولو العبادي إن العراق سيوقف استيراد عدد من السلع، بما فيها النفط، من إيران بحلول نوفمبر/تشرين الثاني.

وحلفاء إيران متمسكون بتنفيذ مصالحها

يستشيط العراقيون، مِمَّن يعتبرون إيران حليفهم الرئيسي، غضباً مما يحدث. رغم كلِّ شيء، كانت إيران أول من هرع لمساعدة العراق عندما اقترب تنظيم داعش من أبواب العاصمة العراقية بغداد . ويتحسَّر أصحاب الفنادق في المدن العراقية الموجود بها أضرحة شيعية على توقف توافد الزائرين الإيرانيين. ويقول مدير فندق في مدينة النجف: «ليس لدينا أي حجوزات منذ يونيو/حزيران الماضي».

لكن القوميين العراقيين ملتهبون بالحماسة أيضاً. «إيران بره بره»، هكذا هتف مؤيدو مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي الذي يحظى بشعبيةٍ وسط الفقراء. فازت كتلته بأغلبية المقاعد في الانتخابات. ومزَّقَ مؤيدو الصدر صور آية الله خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية الذي يحظى بولاء العديد من الميليشيات العراقية.

مؤيدو الصدر يوبخون قادة الميليشيات المؤيدة لإيران

أثناء احتشاد مؤيدي الصدر لأداء صلاة الجمعة في حيٍّ فقيرٍ كبير في بغداد معروف باسم مدينة الصدر، شرعوا في توبيخ قادة الميليشيات المؤيدة لإيران، الذين كانوا يهتفون لهم مسبقاً لطردهم مقاتلي تنظيم داعش، قائلين إنهم أسوأ من صدام حسين.

في الأزمات السابقة، كان كبار رجال الدين الشيعة العراقيين في مدينة النجف، مثل آية الله العظمى علي السيستاني المريض حالياً، يتدخَّلون للوساطة بين الأطراف المتنازعة. لكن سلطتهم باتت ضعيفة.

والتخوّف الأكبر من حرب أهلية بين الشيعة أنفسهم

شاهد الأكراد غير المنحازين ما يحدث دون تدخُّل. ودعت بعض الأصوات المؤثرة إلى التوصُّل إلى تسوية. ويتوقَّع مقاتلو الميليشيات والسياسيون على حدٍّ سواء عودة الاغتيالات واندلاع حرب أهلية بين الشيعة.

وبعد أشهر من الهدوء الرحيم، قد نسمع مجدداً انفجارات السيارات المُفخَّخة على الطرق السريعة خارج العاصمة العراقية بغداد .

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
المنافسة بين أميركا وإيران تُهدِّد بتمزيق العراق مُجدَّداً.. انقسام ولاء الشيعة قد يكون منطلق الشرارة