ميشيل باشليه.. من ضحية تعذيب إلى مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.. والبداية من مصر والسعودية
الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

ميشيل باشليه.. من ضحية تعذيب إلى مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.. والبداية من مصر والسعودية

لم يكد يمر 10 أيام على تعيينها حتى بدأت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشيل باشليه مواجهة الملفات الشائكة الواحدة تلو الأخرى. من اضطهاد مسلمي الروهينغا في بورما إلى الحرب في اليمن، وأخيراً انتقاد قرار الإعدام الصادر في مصر بحق 75 شخصاً ينتمون لجماعة الإخوان.

مواقف باشليه الجريئة ليست غريبة عن سجلها الحافل بمعاناة القمع والتعذيب والنضال وصولاً إلى سدة رئاسة الدولة الفنزويلية مرتين.

تعرضت للتعذيب وقتل والدها فقررت أن تصبح ناشطة

وُلدت باشليه في بيت سياسي، فهي ابنة طيار جنرال عارض انقلاب الجنرال أوغوستو بينوشيه على الرئيس سلفادور الليندي عام 1973.

واعتقلتهما السلطات سوياً عام 1975، وبينما توفي والدها نتيجة التعذيب، خرجت باشليه بعد أسابيع عديدة من مركز فيلا غريمالدي الشهير بعمليات التحقيق والتعذيب في سانتياغو، ولكن بروح مناضلة ورافضة لكل أشكال الظلم.

قالت في مقابلة عام 2014: «لقد تم تعذيبي نفسياً بشكل رئيسي، وتعرضت لبعض الضرب، لكنهم لم (يشْووني)»، وهو الوصف الشائع المستخدم للتعذيب بالصدمات الكهربائية الذي كان يتعرض له المعتقلون.

وأضافت في حديث نادر عن معاناتها: «كنتُ محظوظة مقارنة بآخرين كُثر، توفي العديد منهم».

بعد الإفراج عنها أصبحت باشليه ناشطةً في حقوق الإنسان، ولكن بدايةً من المنفى مع والدتها في أستراليا وفي ألمانيا الشرقية سابقاً، حيث أمضت فيهما عدة سنوات.

من بوابة تخصصها الطبي وصلت إلى السلطة وزيرةً للصحة ثم رئيسةً لتشيلي

وعادت باشليه إلى تشيلي عام 1979 لإنهاء دراسة الطب، لكن تم منعها من العمل طبيبة لأسباب سياسية.

وقد تخصصت في طب الأطفال والصحة العامة، وحققت إنجازات كانت فيها الأولى طوال حياتها العملية.

وبعد عودة الديمقراطية إلى تشيلي عام 1990 عملت في وزارة الصحة. وعينت وزيرة للصحة في 2000 ثم وزيرةً للدفاع بعد ذلك بعامين، لتكون أول امرأة تتولى هذين المنصبين في بلادها.

وبعد ذلك أصبحت أول رئيسة لتشيلي مرتين: الأولى من 2006 حتى 2010، والثانية من 2014 حتى آذار/مارس هذا العام.

وكرئيسة اشتراكية قامت بإصلاح نظام التقاعد في بلادها، وتحسين خدمات الصحة والخدمات الاجتماعية، وركزت على الطبقة العاملة الفقيرة.

واليوم هي من أقوى نساء العالم وصوت المضطهدين

أما اليوم فتعتبر باشليه (66 عاماً) بين أقوى النساء في العالم، وتخلف الأردني زيد رعد الحسين في منصبه المفوض الأعلى لحقوق الإنسان، الذي تتركز مهمته في حماية الآخرين من التعذيب وغيره من انتهاكات حقوق الإنسان.

البعض يعتبرها المفوّضة المثالية لحقوق الإنسان

بدوره قال كينيث روث، من منظمة «هيومن رايتس ووتش» غير الحكومية، إن تجربة باشليه تجعلها المفوّض المثالي لحقوق الإنسان.

وأضاف عقب تسميتها لهذا المنصب: «ستتولى أصعب مهمة بالعالم في الوقت الحالي الذي تتعرض فيه حقوق الإنسان إلى هجوم واسع».

وأوضح أنه نظراً إلى أنها ضحية سابقة «فإنها تأتي بفهم نادر لمنصبها خصوصاً بشأن أهمية الدفاع القوي عن حقوق الإنسان. وسيعتمد عليها الناس في كل العالم لتكون بطلة صريحة وقوية خاصة في المناطق التي يكون فيها منتهكو حقوق الإنسان أقوياء».

ورسالة سلفها زيد الحسين لها: «عملُنا لا يتطلب الصمت»

في 2010 عملت أول رئيسة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة التي تسعى إلى نشر المساواة بين الجنسين في العالم.

وقرر سلفها زيد بن رعد الحسين عدم الترشح لفترة ثانية بعد أن خسر دعم عدد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تتمتع بنفوذ قوي، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا والصين.

والعام الماضي أدلى زيد بتصريحات قال فيها إن ترمب يشبه سائق الحافلة «الذي ينزل بسرعة على طريق جبلي»، وإنه «سائق متهور» في هجماته على الإعلام.

وبعد تعرّض زيد للانتقادات، خشيت جماعات حقوقية من أن يلجأ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إلى اختيار شخص أقل صراحة لخلافة زيد. لكن زيد أشاد بتعيين باشليه ودعاها إلى عدم التهاون في إدانة الانتهاكات الخطيرة. وقال: «عملنا لا يتطلب منا الصمت».

أما سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي فدعت باشليه إلى «تجنب إخفاقات الماضي»، على حد تعبيرها.

ووصف غوتيريس باشليه بأنها «بطلة مدافعة عن حقوق المرأة» تتمتع «بتاريخ من القيادة العالمية الديناميكية والمهارات السياسية المصقولة والقدرة الأكيدة على إيجاد التوافق».

قبل خطابها الأول باشليه تنتقد القرار المصري بإعدام 75 شخصاً

وبعد أن دعت باشليه مصر قبل يومين إلى إلغاء حكم إعدام 75 شخصاً في ملف أحداث فضّ اعتصام رابعة المسلح، معتبرةً أن القرار لم يستند إلى محاكمة عادلة، أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً يدين موقف المفوضة.

وقالت وزارة الخارجية إنها «تدين وتستنكر بأشد العبارات البيان الصادر عن ميشيل باشليه، مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بشأن الأحكام الصادرة يوم 8 سبتمبر الجاري عن محكمة جنايات القاهرة فيما يتعلق بقضية غرفة عمليات رابعة، وتعتبرها بداية غير موفقة للمفوضة الجديدة في ممارسة مهام عملها، حادت من خلالها عن معايير الموضوعية والمهنية وصلاحيات منصبها الأممي».

واعتبرت الخارجية أن موقف المفوضية السامية لحقوق الإنسان يتبع «نفس المنهج المعتاد من حيث تجاوز صلاحيات المنصب، والتشدق بعبارات وشعارات غير منضبطة، وإصدار أحكام تتعلق بالنظم القانونية والقضائية خارج صلاحيات المنصب الوظيفي دون امتلاك الولاية أو التخصص».

البيان المصري جاء رداً على إعراب باشليه عن «قلقها البالغ» حيال إصدار محكمة جنايات مصرية حكماً بإعدام 75 متهماً، السبت، في إحدى أكبر المحاكمات الجماعية منذ انتفاضة عام 2011 .

في خطابها الأول باشليه تفتح النيران على كل الجبهات بما فيها اليمن وأميركا والصين وبورما

ولم تقف موجهات باشليه عند الحدود المصرية، إذ تخطتها إلى ملف اليمن الشائك، لتحثّ التحالف بقيادة السعودية على إبداء شفافية أكبر بخصوص قواعد الاشتباك التي يتبعها ومحاسبة المسؤولين عن الضربات الجوية التي أودت بحياة مدنيين في اليمن، بما في ذلك ضربة على حافلة أطفال في صعدة الشهر الماضي.

وقالت باشليه في أول كلمة لها أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، اليوم الاثنين 10 سبتمبر/أيلول 2018، إنها سترسل فرقاً للنمسا وإيطاليا لتفقد حماية المهاجرين، كما أبدت قلقها لعدم إعادة 500 طفل من المهاجرين إلى ذويهم في الولايات المتحدة بعد أن فرقتهم السلطات عنهم.

ودعت أيضاً الصين إلى السماح للمراقبين بدخول البلاد في أعقاب مزاعم «مزعجة للغاية» عن «معسكرات تلقين» كبيرة يتم احتجاز الويغور بها في إقليم شينجيانغ بأقصى غرب البلاد.

كما دعت إلى إنشاء هيئة دولية خاصة تكلف جمع «الأدلة» حول أخطر الجرائم التي ارتكبت في بورما ضد الروهينغا من أجل «تسريع إجراء محاكمات».

وأضافت أنها «تحضّ المجلس على تبني قرار وعرض القضية على الجمعية العامة لتوافق عليه ووضع آلية من هذا النوع».

وأوضحت باشليه أن هذه «الآلية ستستكمل وتدعم» عمل المحكمة الجنائية الدولية التي أعلنت الخميس الماضي أنها تتمتع بالأهلية للتحقيق في تهجير أقلية الروهينغا المسلمة، ما يمكن أن يشكل جريمة حرب.

خطاب منتظر بعد انسحاب الأميركيين من المنظمة كلياً

يأتي خطاب باشليه المنتظر جداً بعد 10 أيام على توليها مهامها على رأس هذه المنظمة التي انسحبت منها الولايات المتحدة قبل أشهر.

وكان غوتيريس عيّن باشليه خلفاً لزيد رعد الحسين الذي يرى البعض أنه كان مفرطاً في انتقاده لقادة العالم ولا يتبنى موقفاً تصالحياً بدرجة كافية.

ويتساءل كثيرون ما إذا كانت المسؤولة التشيلية ستتبع الخط نفسه لسلفها عبر مواصلة انتقاد القادة وإطلاق الدعوات إلى إجراء تحقيقات دولية، أو ما إذا كانت ستنتهج مقاربة مبنية على تعاون أوسع.

وهذه الجلسة للمجلس هي الأولى أيضاً التي تعقد بكامل أعضائها دون الولايات المتحدة التي انسحبت من الهيئة واتهمتها «بالنفاق» والانحياز ضد إسرائيل.

وقال جون فيشر، مدير منظمة «هيومن رايتس ووتش» في جنيف: «بالتأكيد أمر مثير للقلق غياب بلد فاعل مهم عن أكبر هيئة عالمية للدفاع عن حقوق الإنسان كما فعلت الولايات المتحدة» التي كانت نشيطة جداً في المجلس، خصوصاً بشأن المسألة السورية.

وصرح دبلوماسي غربي لوكالة فرانس برس بأن «الجميع سيرصدون إلى أي حد يمكن لهذا الانسحاب أن يحدث خللاً في المجلس».

وفنزويلا وسوريا تحت رادارات مراقبتها

سوريا لم تكن خارج حسابات باشليه، إذ إنها مقررة على جدول أعمال المجلس مع التجديد المتوقع لولاية لجنة التحقيق التي ستقدم تقريراً الأربعاء المقبل.

وحول اليمن، النزاع الثاني الكبير، يبدو أن تجديد ولاية مجموعة خبراء مكلفين التحقيق في معلومات عن جرائم حرب، تشكلت بعد مفاوضات شاقة وطويلة، يزداد صعوبة بسبب تحفظات عبرت عنها دول عربية.

وستكون فنزويلا التي تشهد اضطرابات سياسية يسقط فيها قتلى، مدرجةً على جدول الأعمال وسيلقي وزير خارجيتها خورخي أريازا كلمة غداً الثلاثاء.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
ميشيل باشليه.. من ضحية تعذيب إلى مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.. والبداية من مصر والسعودية