الأونروا على وشك تجاوز أزمة التمويل، بشرط توافر هذا المبلغ، لكن الأزمة الحقيقية ليست في الأموال وإنما في المجتمع الدولي

عربي بوست
تم النشر: 2018/09/04 الساعة 19:37 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/09/04 الساعة 19:42 بتوقيت غرينتش

قال مفوض الأمم المتحدة، يوم الإثنين 3 سبتمبر/أيلول، إنَّ الولايات المتحدة توقَّفت عن تمويل وكالة الأمم المتحدة، التي تدعم اللاجئين الفلسطينيين، لأسبابٍ سياسية تتعلق بعملية السلام، لكنَّه عبَّر عن ثقته في أنَّ العجز الذي يبلغ 200 مليون دولار سيُعوَّض بطريقةٍ أو بأخرى.

ورفض بيير كراهينبول، المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، اتهامات الولايات المتحدة بأنَّ المنظمة عزَّزت مشكلة اللاجئين، من خلال خلق عددٍ متزايد من الأشخاص المستفيدين، بحسب تقرير لصحيفة  The Washington Post الأميركية.

ومنذ تأسيس الوكالة في عام 1949، كانت الولايات المتحدة أكبر مانح للأونروا، التي قدَّمت في الأصل الدعم الإنساني لحوالي 750 ألف فلسطيني، وهو العدد المبدئي للأشخاص الذين نزحوا منذ إعلان قيام دولة إسرائيل في عام 1948.

وفي الوقت الحاضر، توفر الوكالة التي تبلغ ميزانيتها 1.2 مليار دولار خدمات التعليم والرعاية الصحية والدعم الغذائي، وغير ذلك من ضروريات الحياة لنحو 5.3 مليون فلسطيني، وهم من أبناء وأحفاد اللاجئين الأصليين، الذين يعيشون الآن في الضفة الغربية وغزة والأردن ولبنان وسوريا.

وفي بيانها الذي أعلنت فيه وزارة الخارجية الأميركية توقفها عن تمويل الأونروا، انتقدت "ازدياد أعداد المستفيدين من الدعم" الذي يقدمه برنامج الأونروا.

فشل المجتمع الدولي هو السبب

وقال كراهينبول عبر مكالمةٍ هاتفية أجراها من مكتبه في عمّان بالأردن: "علينا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، فمن الخطأ كل الخطأ وصف الأمور بهذه الطريقة، هناك شيء واحد فقط  يمكنه أن يعمل على استمرار مشكلة اللاجئين، بما في ذلك اللاجئون الفلسطينيون، وهو الفشل المذهل للمجتمع الدولي في التوصل إلى حلٍّ عادل ومنصف وشامل للصراع".

وأضاف أنَّ ولاية الأونروا لا تختلف عن وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، التي تعالج أيضاً قضايا "اللاجئين وأطفالهم وأحفادهم".

وقال كراهينبول إنَّ توقف التمويل الأميركي سبّب عجزاً في الأونروا، قدره 446 مليون دولار. وأضاف أنَّ هذا العجز قد عوَّضه جزئياً بالفعل الاتحاد الأوروبي واليابان والهند وقطر والسعودية والإمارات، مشيراً إلى أنَّ الوكالة ستتجاوز انسحاب الولايات المتحدة، على الأقل في الوقت الراهن.

وتابع: "لا يزال الوضع حرجاً، لكنَّني آمل أن نتغلب على مشكلة الدين المتبقي البالغ 200 مليون دولار".

وأضاف كراهينبول أنَّ الوكالة تتقبل الانتقادات بصدر رحب، لكن منذ إعلان واشنطن المبدئي عن خفض مساهمتها في الأونروا، في يناير/كانون الثاني، لم يُطلَع "على أسبابٍ واضحة تفسر هذا الانسحاب".

وقال: "لقد دفعني ذلك إلى الاعتقاد بأنَّ هذا القرار اتُّخِذَ لأسبابٍ سياسية كنتيجة للعلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية، ولا يوجد لدى الأونروا ما تفعله في هذا الشأن".

أميركا فقدت حياديتها

كانت إدارة ترمب تستعد لتقديم خطة سلام خاصة بها لحل مشكلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني طويل الأمد، لكنَّ فريقه الخاص من المبعوثين يبذل جهوداً مضنية كي يتمكن من  لقاء أعضاء السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس، بحسب الصحيفة الأميركية.

ويقول الفلسطينيون إنَّ إعلان ترمب، في ديسمبر/كانون الأول، الذي اعترف فيه بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وقراره تغيير سياسة الولايات المتحدة التي استمرت عقوداً بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، قد كشف عن تحيز الإدارة المؤيدة لإسرائيل، وأفقدها مصداقيتها بالعمل وسيطاً في الصراع.

وقال صائب عريقات، الأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية، في مقابلةٍ أُجريَت معه، يوم الجمعة 31 أغسطس/آب: "أهذا هو فن التفاوض؟ لقد وضعتني مفاوضاته في موقف من لا يملك شيئاً ليخسره. ولماذا أتحدث إليهم؟ لقد استبعدوا أنفسهم من أي دور في عملية السلام، ودمَّروا كل فرص السلام الممكنة".

خطة ترمب وكوشنر للسلام

وأفاد تقرير نُشر الإثنين في صحيفة Haaretz الإسرائيلية، أنَّ فريق السلام الخاص بترمب، الذي يضم صهره جاريد كوشنر، قد وضع خطة سلام من شأنها أن تُنشئ كونفدرالية فلسطينية أردنية.

وقال عباس للمشرعين الإسرائيليين في اجتماعٍ عُقد مؤخراً حول حديثه مع كوشنر ومبعوث ترمب للشرق الأوسط جيسون غرينبلات: "سُئلتُ عما إذا كنتُ أؤمن بإمكانية إقامة فيدرالية مع الأردن، فأجبتُ: نعم، أريد اتحاداً كونفدرالياً مع الأردن وإسرائيل. وسألتُ الإسرائيليين عما إذا كانوا سيوافقون على هذا العرض"، بحسب صحيفة Independent البريطانية.

وقال عباس كذلك، إنَّه يعتقد أنَّ "الولايات المتحدة ترغب في إفشال عمل الأونروا بالكامل".

وفي إسرائيل، رحَّب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالموقف الأميركي من الأونروا، معارضاً بذلك موقف المؤسسة الأمنية الراسخ في البلاد، الذي يخشى أنَّ إضعاف وكالة الغوث قد تكون له عواقب سلبية على استقرار المنطقة.

وأثناء حديثه بمناسبة افتتاح العام الدراسي الجديد، يوم الأحد 2 سبتمبر/أيلول، سلَّط نتنياهو الضوء على نجاح إسرائيل في استيعاب المهاجرين اليهود من جميع أنحاء العالم. وقارن هذا الأمر بقضية اللاجئين الفلسطينيين، قائلاً إنَّهم "أنشأوا جمعية خيرية فريدة من نوعها، منذ 70 عاماً، ليس لاستيعاب اللاجئين، بل لضمان استمرارية وجودهم".

وقال نتنياهو: "لقد أدت الولايات المتحدة خدمةً جليلة بوقفها التمويل الخاص بوكالة اللاجئين، التي تُعرَف باسم الأونروا. لقد بدأت أخيراً في حل المشكلة، فهذه الأموال يجب أن تؤخذ وتُستغل في تقديم مساعدة حقيقية لإعادة تأهيل اللاجئين، الذين يبلغ عددهم رقماً أقل بكثير من ذلك الذي تذكره الأونروا".

في غزة، يعتمد الفلسطينيون بشكلٍ أساسي على مساعدات الأمم المتحدة للبقاء على قيد الحياة، ويرجع ذلك بقدرٍ كبير إلى الحصار الإسرائيلي المصري الذي دام عقداً من الزمان. ويعاني سكان القطاع البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة، ويعيشون على مسافة 25 ميلاً فقط (حوالي 40 كيلومتراً) أعلى معدلات البطالة في العالم.

ويعانون أيضاً انقطاعاً يومياً طويلاً للكهرباء، ومن نقص الغذاء والمياه النظيفة والإمدادات الطبية.

الفقراء هم أول المتضررين

وقال بعض سكان القطاع لصحيفة The Independent البريطانية، إنَّ خفض التمويل سيكون له تأثير "كارثي ومدمر" على الأسر الفقيرة أصلاً. وقالوا إنَّ الولايات المتحدة تُخبر الفلسطينيين بقرارها أنَّ عليهم التخلي عن حقوقهم المشروعة مقابل الحصول على الغذاء والماء.

وقال إسماعيل الطلاع، الذي كان يعمل في برنامج الأمم المتحدة للطوارئ في غزة، قبل أن يفقد وظيفته هذا الصيف بسبب خفض كمية المساعدات: "سيكون بمثابة انفجار داخل المجتمعات الفلسطينية… لأنَّ العديد منهم يعيش ويعتمد على هذه المساعدات، التي تكون في صورة طرود غذائية وأدوية للمرضى ومدارس ومرتبات" .

وأضاف: "الأميركيون يقولون لنا بوضوح إنَّه يجب علينا التخلي عن حقوقنا القانونية والجغرافية والدينية مقابل المال والغذاء. وعلينا أن ننسى المذابح وعمليات القتل والتهجير والاعتقالات وانتهاك حقوق الإنسان، لإنجاح صفقة ترمب المزعومة التي تسمى بصفقة القرن".

وقالت آلاء (28 عاماً)، وهي أم لطفلين تقيم في مخيم للاجئين في شمالي غزة، إنَّها تخشى من أن تتضور عائلتها جوعاً، وألا يستطيع أبناؤها الذهاب إلى المدرسة قط.

وقالت: "نحن نعتمد على الطرود الغذائية، ونشعر باليأس الشديد، فهذه المعونة هي مصدر الدخل الوحيد للأسر الفلسطينية والمصدر الرئيسي لإطعام أفراد عائلاتهم".

وفي الضفة الغربية، حذَّر محمود مبارك، مدير اللجان التي تدير شؤون 19 مخيماً، يقيم فيهم حوالي نصف مليون فلسطيني، من "تداعياتٍ شديدة الخطورة". وقال مبارك إنَّ ممثلي اللجان سيجتمعون يوم الثلاثاء لمناقشة خياراتهم.

وفي الأردن، الذي يستضيف أكثر من مليوني لاجئ من بين أكثر من 5 ملايين لاجئ مسجل، قال الفلسطينيون إنَّهم لن يتمكنوا من تلبية احتياجاتهم. وقالت زينب الأردبة، وهي من سكان مخيم البقعة في الأردن: "لقد ضاعت بلادنا، وهم الآن يريدون حرماننا من مصادر رزقنا".

ومن جهة أخرى، حذَّرت السلطات الأردنية من أنَّ القرار الأميركي لن يؤدي إلا إلى تغذية التطرف وإلحاق الضرر بفرص تحقيق السلام في الشرق الأوسط.

وتعهد الاتحاد الأوروبي، وهو ثاني أكبر مانح للأونروا، بمساعدة الوكالة على الاستمرار في عملها. وأعلنت ألمانيا هذا الأسبوع، أنَّها ستزيد من حجم المساعدات المالية التي تقدمها.

وكان ترمب قد أثار بالفعل غضب الفلسطينيين، بعد نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل.

القدس مدينة متنازع عليها، يطالب بها الفلسطينيون والإسرائيليون. وتعتقد العديد من البلدان بما فيها المملكة المتحدة، أنَّ وضعها يجب أن يحدده كلا الطرفين في اتفاقية سلام نهائية.

علامات:
تحميل المزيد