بعد القصف الأكثر تدميراً في التاريخ الحديث.. الأميركيون يتخلون عن الرقة، ويتركون امرأة واحدة في مواجهة داعش

عربي بوست
تم النشر: 2018/11/12 الساعة 05:39 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/11/12 الساعة 05:45 بتوقيت غرينتش

عليها أن تزيل أنقاض واحدة من أكبر حملات القصف الجوي تدميراً في التاريخ الحديث، وليس هذا فقط، فهي باتت امرأة واحدة في مواجهة داعش التي تحاول العودة إلى حكم هذه المدينة السورية عبر اغتيال معاونيها.

كل يوم في الطريق إلى مكتبها تمر ليلى مصطفى على أنقاضٍ المدينة التي ترعرعت فيها، الرقة العاصمة السابقة لخلافة داعش المزعومة، التي تعاني من مساومات محرريها الأميركيين، بحسب ما ورد في تقرير لصحيفة The Independent البريطانية.

رحلة ليلى اليومية تمر عبر شوارعٍ لم تعد سوى مجرد مأوى للمعادن المتشابكة والخرسانة التي تساوت بالأرض. وكل يوم يذكرها كل هذا بضخامة المهمة التي تحملها على عاتقها.

امرأة واحدة في مواجهة داعش وعليها أيضاً مهمة الإعمار

أطلقت معركة الرقة، وهي العاصمة السابق للخلافة المزعومة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، واحدةً من أكثر الحملات العسكرية الجوية تدميراً في التاريخ الحديث، لتتحول أجزاءٌ كبيرةٌ من المدينة إلى ركام، حسب وصف الصحيفة البريطانية.

تقول ليلى: "لدينا الكثير لنفعله. دُمِّرَت كل البنية التحتية، ولا توجد كهرباء، ولا مواصلات، وتوجد ألغامٌ أرضيةٌ في كل مكانٍ، وجميع الكباري دُمِّرَت، والمستشفى الرئيسي لا يزال خارج الخدمة". وتضيف أنَّ ذلك مجرد بداية.

ونظراً إلى أنَّها الرئيسة المشتركة لمجلس الرقة المدني، تعتبر ليلى أقرب ما يكون إلى عمدة المدينة.

إذ إنَّ تولِّي امرأةٍ في الوقت الحالي مسؤولية مدينةٍ كانت من قبل القلبَ النابضَ لعهد الترهيب الداعشي، حيث كانت النساء تتعرضن للقهر والقمع،  يشكل مفارقةً لا تغيب عن خلدها.

لم يكن يسمح لهن بمغادرة المنازل

ليلى
ليلى

"كانت النساء سجينات هنا"، هكذا تقول ليلى خلال حديثها إلى صحيفة The Independent البريطانية من داخل مكتبها الكائن بمجمع مبان يخضع لحراسةٍ مشددةٍ.

لم يُسمح لهن حتى بمغادرة منازلهن، لم تكن لهن حقوق، ما نبنيه الآن هو النقيض تماماً لما فعله تنظيم داعش".

وتضيف: "هذه الطريقة للقيام بالأمور لا يقبلها الجميع بعدُ كلياً، ولكن رويداً رويداً تتغير الأمور".

غير أنَّه بعد عامٍ من تحرير الرقة يتلاشى هذا البريق، وبدأ الوجه الآخر السيئ للحقائق المؤلمة المتعلقة بإعادة الإعمار وتسوية الخلافات في الظهور. مع بروز التهديدات من الداخل والخارج، تملك القائدة الشابة طريقاً ضيقاً لتحقيق النجاح.

المدينة التي لم يزرها أي رئيس سوري إلا عام 2011

كانت الرقة موطناً لأكثر من 200 ألف نسمة قبل الحرب، كان أغلبهم من العرب، لكنها آوت أيضاً أكراداً ومسيحيين وسرياناً وعلويين.

وكان يُنظر إليها على أنَّها مدينةٌ ذات طابعٍ محافظٍ على الصعيد الاجتماعي، ومتأثرةٌ للغاية بالسياسات القبلية.

مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية يمرون بحطام مبان مدمرة بالقرب من المستشفى الوطني بعد تحرير الرقة من داعش/رويترز
مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية يمرون بحطام مبان مدمرة بالقرب من المستشفى الوطني بعد تحرير الرقة من داعش/رويترز

كما أن الحكومة السورية كانت تتجاهل المدينة تجاهلاً كبيراً.

ففي عام 2011، صار بشار الأسد أول رئيسٍ سوريٍّ يزور المدينة منذ أكثر من 60 عاماً.

لكن الناس كانوا معروفين بحسن ضيافتهم؛ إذ يُقال إنَّ البيوت بلا أبوابٍ في الرقة.

يَصِفُ مصطفى، وهو من الأكراد، المدينةَ في طفولته بأنَّها كانت "هادئةً، وبسيطةً، وجميلة".

ويقول: "هذا التوسع الحضري لم يحدث آنذاك. اعتاد الناس التحرك عن طريق التوك توك، ويمكنك الاستماع إلى خرير المياه الجارية في نهر الفرات".

وعندما وصل داعش للمدينة قرر الجميع الفرار بما فيهم ليلى

مضت ليلى في طريقها لدراسة الهندسة المدنية، وتمنت توظيف مهاراتها لاستغلالها في سوريا.

لكن الحرب الأهلية غيَّرت خطط الجميع. وعندما كانت البلاد تنحدر نحو موجةٍ من العنف في عامي 2011 و2012، ظلت الرقة هادئةً نسبياً.

إذ لم تصل الحرب حقاً إلى المدينة قبل العام التالي.

ففي مارس/آذار 2013، استولى الجيش السوري الحر المعارض للنظام، وجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة، على المدينة من القوات الحكومية.

وبعد أقل من عامٍ وصل تنظيم داعش إلى المدينة. وعندما وصل التنظيم قررت ليلى الفرار، فدفعت أموالاً إلى المهربين كي ينقلوها مع أسرتها إلى الحسكة، التي تبعد حوالي 120 ميلاً  (193 كيلومتراً) عن المدينة.

ولهذه الأسباب فإنها مؤهلة لإعمار المدينة

لم يجلب داعش إلى المدينة سوى البؤس والدمار، وهما سبب عودة ليلى إلى هناك، ودخولها مجال السياسة.

فمَن بإمكانه إعادة إعمار الرقة أفضل من مهندسة مدنية عاشت حياتها كلها هناك؟

وتقول: "لم أعتقد مطلقاً أنني سأجلس هنا، لكن المعاناة في سوريا، وما عانت منه الرقة كان وحشياً، ودفع الوضع الجميع إلى أن يقدّموا يد العون".

على الرغم من الخلفية العَمَليَّة التي لديها، فإنَّها سياسية بالفطرة. إذ إنَّ غرفة الانتظار خارج مكتبها تبدو خلية نشاط. فتهرع ليلى بالدخول والخروج من أجل عقد الاجتماعات، والتوقف للحديث إلى السكان المحليين الذين جاؤوا إليها لحل مشكلاتهم. تدخن ليلى، وتمازح ضيوفها، وتهيمن على الغرفة في العموم.

والآن رئاستها للمجلس تشكل وضعاً اسثتنائياً في تاريخ المدينة

وضع ليلى بالفعل يشكل تغييراً جذرياً عن نوع الرجال الذين حكموا المدينة قبلها.

وينطبق الأمر كذلك على المؤسسة التي ترأسها. فحتى المدينة حكمها على التوالي النظام السوري، ثم المعارضة المسلحة، ثم داعش، ويعتبر المجلس المدني شيئاً جديداً.

يتألف المجلس من مزيجٍ من المحامين، والمهندسين، والأطباء، وزعماء القبائل، ومجالس التكنوقراط، إضافة إلى الرئيسة غير المتوقعة ليلى مصطفى.

ويعتبر المجلس واحداً من هيئات إقليمية عديدة أسستها قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف عسكري أغلبه من الأكراد، طرد داعش من شمال شرقي سوريا.

مُنحت هذه المجالس والهيئات مساحة للعمل، ويعزى جانبٌ كبيرٌ من هذا إلى وجود القوات الأميركية في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.

إذ يوجد حوالي ألفي فرد من القوات الأميركية الموجودة في الميدان بشرقي سوريا، لدعم قوات سوريا الديمقراطية في قتالها ضد تنظيم داعش.

والقوات الأميركية هي التي وفّرت هذا النفوذ للأكراد

وعلى الرغم من أنَّ الولايات المتحدة أبدت قليلاً من الاهتمام في دعم مشروع الحكم الذاتي الكردي في سوريا.

فإن وجود الأميركيين منح الأكراد نفوذاً في المنطقة (الرقة ذات غالبية عربية كما سبقت الإشارة) في مواجهة تركيا، التي ترى أنَّ أي محاولة كردية لتأسيس حكم ذاتي تشكل تهديداً لسيطرة أنقرة على مناطقها ذات الغالبية الكردية.

كما شكّل الوجود الأميركي حماية للأكراد من الحكومة السورية، التي تعهدت باستعادة البلاد كلها تحت قبضتها.   

ولكن هذه التهديدات التي تواجه الأكراد ليست صغيرة، وبقاء هذه المجالس ليس مضموناً بأي حال من الأحوال.

وليلى تؤكد أنهم يسعون إلى تأسيس كيان ديمقراطي

ومع ذلك، يعتبر تقرير الصحيفة البريطانية أن هذه المجالس صُممت من أجل تأسيس إدارةٍ ذاتيةٍ تأمل قوات سوريا الديمقراطية أن تصمد بعد انتهاء الحرب الأهلية.

وهي تجربة ديمقراطية، حسب وصف الصحيفة البريطانية، اعتُبرت من قبل رعاة الأكراد بديلاً لحكم الأسد.

تقول ليلى: "نحاول إحياء مجتمع ديمقراطي يستوعب جميع الآراء، والطوائف، والجنسيات، دون تهميش أو إقصاء. وبكل تأكيد للنساء دورٌ جوهريٌّ في بناء ذلك المجتمع الديمقراطي".

لكن هل المجلس المحلي يمثل السكان فعلاً وكيف يكون ديمقراطياً بلا انتخابات؟

غير أنَّ هذا التفاؤل لا ينتاب الجميع؛ إذ ينظر كثيرون في الرقة والمناطق الأخرى ذات الأغلبية العربية إلى هذه المجالس باعتبارها مشروعاً كردياً، ويعتبرون هؤلاء الأشخاص الذين يقفون وراءها دخلاء.

أخبر زبير شويخ، أحد نشطاء المجتمع المدني ومن سكان الرقة، صحيفة The Independent، أنَّ الناس كانوا ممتنين للتخلص من داعش، لكنهم قالوا إنَّ المجلس المدني "أسسته أطرافٌ سياسيةٌ خارجية"، وإنَّ الانتخابات التي جرى  التعهد بتنظيمها لم تصبح حقيقة. يقول المجلس إنَّ الانتخابات سوف تُعقد بمجرد تحسن الحالة الأمنية.

ويقول زبير: "حتى ذلك الحين، لا يزال المجلس لا يمثل المجتمع المحلي".

كما أن هناك حالة غضب من القصف الذي تعرضت له المدينة

فقد قُتل أكثر من 1500 مدنيٍّ في الرقة خلال الهجمات الجوية والمدفعية التي نفذها الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة، حسبما أفادت مؤسسة Airwars، وهي مجموعة تحقيق مستقلة مقرها في المملكة المتحدة وتراقب القتلى المدنيين نتيجة الغارات الجوية الدولية.

وقُتل المئات خلال العمليات القتالية وبعدها بوقتٍ طويلٍ؛ بسبب الألغام التي زرعها تنظيم داعش.

يقول المجلس المحلي إنَّه أعاد افتتاح أكثر من 200 مدرسةٍ وعشرات المخابز، وأزال أطناناً من الركام، واستعاد إمدادات المياه إلى أكثر من 90% من المدينة.

ولكن توجد إشارات على تنامي حالة من الإحباط من جراء الوتيرة التي تسير بها عملية إعادة إعمار المدينة.

وبعد هذه الفترة من طرد داعش تبدو المدينة كأنها ما زالت في حالة حرب

عاد ما يقرب من 150 ألف شخصٍ إلى الرقة، ولكن عند قيادة السيارة والمرور من شوارع المدينة المعرضة للقصف، سيظن المرء أن المعركة قد انتهت لتوها أمس.

ويبحث الأطفال بين الركام عن الصلب المستخدم في بناء ما كانت من قَبْل مجمعات سكنية؛ أملاً في بيعه.

والمشكلة أن القنابل غير المتفجرة والألغام ترقد مختبأةً أسفل الركام المُتَكَوِّم في كل شارع.

الرقة مازالت تعاني من آثار التدمير
الرقة مازالت تعاني من آثار التدمير

وتعتبر المولدات المصدر الوحيد للكهرباء، لكنها مكلفةٌ وتُستهلك بترشيد، وفي المساء تدخل المدينة في حالة ظلام.

ولا يزال عمال البلدية ينفذون عمليات الحفر بحثاً عن المقابر الجماعية التي خلفها داعش؛ ففي أحد المواقع التي زارها فريق صحيفة The Independent، عُثر على 1500 جثة.

وأميركا ترفض تقديم المساعدة

هذه مشكلات يمكن لدولةٍ تعمل بكامل طاقاتها أن تكافح لحلها، فما بالك ببيروقراطية إقليمية وليدة منطقة حرب، حسب وصف الصحيفة البريطانية.

وسوف تكون إعادة إعمار المدينة شبه مستحيلة من دون مساعدة خارجية، غير أنَّ النداءات المتكررة من المجلس من أجل الحصول المساعدة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قوبلت برفض كبير.

وفي أغسطس/آب، أعلنت الولايات المتحدة أنَّها سوف تستقطع 230 مليون دولار من التمويلات الموجهة من أجل استقرار شمال شرقي سوريا، وربطت التمويلات المستقبلية بالتنازلات التي تقدمها الحكومة السورية من أجل العمل على التوصل إلى تسويةٍ سلمية.

وتقول ليلى: "ليس مجلس الرقة المدني وحده هو ما يحتاج إعادة بناء الثقة، بل المجتمع الدولي بأكمله".

وأضافت قائلة "يجب أن يهتم الجميع بدعم هؤلاء الأشخاص الذين يدفعون ثمناً باهظاً، والذين لم يفعلوا أي شيء خاطئ".

فإدارة ترمب تمارس لعبة خطيرة باستخدام الرقة كورقة مساومة بينما العصابات تختطف الأطفال

يمكن لاستخدام مدينةٍ ضعيفة مثل الرقة باعتبارها ورقة مساومة، أن يكون لعبة خطيرة.

ومن دون إعادة الإعمار، سوف تبقى المدينة غير مستقرة، والناس يفقدون إيمانهم بالفعل في قوات سوريا الديمقراطية، حسب الصحيفة البريطانية.

يقول زبير: "لم نعد نشعر بالأمان. توجد عصابات تسرق السيارات، يخطفون الأطفال ويطالبون بفدية من أجل إطلاق سراحهم، ولا يمكنني السير وحدي في المساء".

كما أن خلايا داعش النائمة تستعد للانقضاض، وها هم يستهدفون مساعديها

تسعى خلايا داعش النائمة إلى إثبات وجودها في المدينة، وهم على أهبة الاستعداد لاستغلال تزايد حالة الاستياء.

فضلاً عن أنَّهم ينفذون هجمات منتظمة ضد المجلس المحلي.

فبعد يومين من زيارة فريق صحيفة The Independent لمكتب ليلى، اغتيل في وضح النهار أحد مؤسسي المجلس المدني، وهو شيخ قبيلةٍ بارزٌ يدعى بشير فيصل الهويدي.

وأعلن تنظيم داعش لاحقاً مسؤوليته عن الهجوم.

ولم يكن بشير أول أعضاء المجلس الذين يتعرضون للاغتيال بمثل هذه الطريقة.

فقد اغتيل في شهر مارس/آذار الماضي عمر علوش، وهو صديقٌ لليلى كان يُنظر إليه باعتباره حلقة وصل بين المجلس والولايات المتحدة.

وصارت السيارات المفخخة شيئاً معتاداً في المدينة أيضاً. وأصبحت ليلى امرأة واحدة في مواجهة داعش.

وإذا تواصلت هذه اللعبة فستبقى الرقة مدينة أطلال

وعلى الرغم من تفاؤلها، ليست ليلى غافلة عن فشل المجلس، وتعترف بأن هناك المزيد الذي ينبغي إتمامه.

وتقول: "حتى مع كل العمل والإنجازات التي تحققت، لا نزال نرى أنَّ أداءنا يعتريه القصور".

وتعهدت بأن يظل المجلس باقياً في الرقة، وأن يواصل إعادة الإعمار "بمساعدة المجتمع الدولي أو من دون مساعدته".

بيد أنَّه ما دامت عملية إعادة إعمار الرقة ورقة مساومةٍ بين أطراف النزاع، فسوف تبقى المدينة على نفس الحال: مدينة أطلال.

إنها ليست فقط امرأة وحيدة في مواجهة داعش، بل إنها مدينة كاملة تترك وحيدة في مواجهة مصيرها الذي لم تختره.

تحميل المزيد