يذكر أردوغان اتفاقية فيينا للمرة الثانية.. فماذا يقول القانون الدولي بخصوص اغتيال خاشقجي؟
الأحد, 18 نوفمبر 2018
الشرق الأوسط

أردوغان يذكر اتفاقية فيينا للمرة الثانية.. فماذا يقول القانون الدولي بخصوص اغتيال خاشقجي؟

أردوغان تحدث بشكل تفصيلي عن مقتل خاشقجي أمام الكتلة البرلمانية لحزبه/REUTERS
عربي بوست

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الخطاب الذي ألقاه الثلاثاء 23 أكتوبر/تشرين الأول 2018، إن الصحافي السعودي جمال خاشقجي قُتل ضمن عملية مُخطّط لها، مؤكداً على أن رواية السعودية غير مقنعة، ومطالباً الرياض بتسليم الـ18 شخصاً الذين تم اعتقالهم لمحاكمتهم في تركيا.

وأضاف أردوغان في توضيح لافت «صحيح أن هذه الجريمة وقعت بالسفارة السعودية، لكن لا ننسى أن هذه القنصلية تقع ضمن السيادة التركية، وأن اتفاقية فيينا لا تحمي مثل هذه الجرائم، ولا يمكن التخفي خلف الحصانة الدبلوماسية».

وكان وزير العدل السعودي وليد الصمعاني قال إن قضية خاشقجي «وقعت على أرض سيادتها تعود للملكة، وسيتعامل معها القضاء السعودي»

لكن الحقيقة أن القنصلية السعودية في إسطنبول لا تتمتع بنفس الحصانة الدبلوماسية الممنوحة للسفارة في العاصمة التركية أنقرة، ونشرح لك بالتفصيل الفروق بين اتفاقتي فيينا  VCDR 1961، وفيينا 1963 VCCR، اللتين تفرّقان بين درجة الحصانة الممنوحة لكل من السفارة والقنصلية.

فما الذي قصده أردوغان بالتحديد؟ وكيف يتعامل القانون الدولي مع هذه القضية المعقدة التي يختلط فيها الجنائي والدبلوماسي والسياسي،؟ وهل يتعارض تطبيق القانون المحلي الذي يسعى لمحاكمة الجناة مع الأعراف الدبلوماسية؟

القيود القانونية على محاكمة موظفي القنصلية

على عكس الاعتقاد الشائع، تخضع السفارات والقنصليات الأجنبية لسلطات وقوانين البلد المضيف. ما يجعل تركيا مسؤولة بشكل أساسي عن التحقيق في اختفاء خاشقجي، وإجراء أي محاكمات يتماشى مع قوانينها وإجراءاتها المحلية، حسب سكوت أندرسون وهو محامٍ عمل سابقاً كمستشار في المكتب القانوني بوزارة الخارجية الأميركية، وخدم في السفارة الأميركية في بغداد.

غير أن القانون الدولي يوفر لبعض المسؤولين الحكوميين والمباني الأجنبية امتيازات وحصانة يمكن أن تجعل التحقيق والملاحقة أكثر صعوبة.

أشهر هذه الامتيازات هو اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (VCDR)، والتي تحمي السفارات الأجنبية والممثلين الدبلوماسيين من مجموعة واسعة من الإجراءات.

ومع ذلك، فإن اتفاقية فيينا المتعلقة بالعلاقات القنصلية (VCCR) توفر للمرافق القنصلية وموظفيها قدراً محدوداً للغاية من الحماية القانونية -وهو فرق له آثار جوهرية على تحقيق خاشقجي-، يقول أندرسون المحامي في الخارجية الأميركية.

نعم يمكن محاكمة القنصل وموظفي القنصلية

فالحصانة القنصلية هي مستوى أقل من الحصانة الدبلوماسية. فالموظفون القنصليون لديهم «حصانة وظيفية» (أي حصانة من الولاية القضائية للدولة المستقبلة «فيما يتعلق بالأعمال التي تتم في إطار ممارسة الوظيفة القنصلية»)، لكنهم لا يتمتعون «بالحصانة الشخصية» الأوسع الممنوحة للدبلوماسيين.

وفي المحصلة فإن القنصلية السعودية في إسطنبول التركية، ليست بمستوى سفارة المملكة في أنقرة، ولا يحظى القنصل محمد العتيبي وطاقم القنصلية بالحصانة الدبلوماسية الممنوحة للسفارة، كما أن حصانتهم «الوظيفية» لا تحميهم من المثول أمام سلطات التحقيق التركية ولا التعرض لأحكام القضاء التركي.

تحتاج تركيا لإذن سعودي لتفتيش القنصلية، لكن ليس الموظفين ومساكنهم

بموجب اتفاقية VCCR ، تمنح «المباني القنصلية» -وهي التي تعرف بكونها مبان أو أجزاء من المباني المستخدمة حصرياً لأغراض العمل القنصلي، وكذلك الأراضي التابعة- الحصانة، بمعنى أنه لا يمكن الدخول إليها أو تفتيشها دون إذن من السعودية. وهذا يشمل السيارات والمركبات التي تملكها القنصلية، لكنه لا يشمل المساكن الخاصة للمسؤولين القنصليين.

ومن ثم، يحتاج المحققون الأتراك إلى تصريح من السعودية لتفتيش مبنى القنصلية في إسطنبول والمركبات الرسمية التابعة لها، ولكن ليس الإقامة المنفصلة للقنصل العام السعودي – حيث يعتقد البعض أن جثة خاشقجي أو أجزاء منها قد جرى نقلها.

ولكن معاهدة VCCR لا توفر سوى حماية قانونية محدودة للموظفين القنصليين السعوديين الذين ربما شاركوا أو كانوا على علم باختفاء الصحافي السعودي (لأنها أعمال لا علاقة لها بالوظيفة القنصلية)، ما قد يضطّر السعودية لتقديمهم للعدالة التركية في أي وقت.

وهناك أيضاً «استثناء الجرائم الخطيرة»

في حين أن الموظفين القنصليين -أي أولئك المسؤولين السعوديين الذين يؤدون أعمالاً قنصلية، وليس المساعدة أو الموظفين التقنيين- محميون بشكل عام من الاعتقال والاحتجاز، فهناك استثناء مهم «للجرائم الخطرة» التي تشمل بالطبع جرائم القتل والاختطاف.

وإذا أرادت السعودية حمايتهم فعليها أن تقول إن «قتل خاشقجي كان عملاً رسمياً»

وبذلك لا يتمتع الموظفون القنصليون بحصانة في حال ارتكاب جريمة، لكنهم يتمتعون بحصانة من المقاضاة الجنائية بسبب الأعمال التي يؤدونها أثناء قيامهم بمهامهم القنصلية، ويعني ذلك أن السعودية يجب أن تدعي أن قتل خاشقجي كان عملاً رسمياً من أجل حمايتهم (إن أرادت ذلك).

وحتى ذلك يبدو غير محتمل أن يحدث. كما لا تحظر VCCR على الحكومة التركية إجبار موظفي القنصلية السعودية على الإدلاء بشهادتهم، طالما أن شهادتهم لا تتعلق بوظائفهم القنصلية. لكن في الوقت نفسه، إذا رفض المسؤولون القنصليون الإدلاء بشهاداتهم، فإن السلطات التركية لا تستطيع إخضاعهم لتدابير أو عقوبات قسرية.

وحتى الآن، لا يبدو أن السلطات التركية قد اتبعت أي من هذه التدابير فيما يتعلق بالموظفين القنصليين السعوديين، بما في ذلك أولئك الذين كانوا حاضرين في يوم اختفاء خاشقجي (على الأقل حتى الآن).

ولهذا السبب المهم أيضاً لا يحمل فريق اغتيال خاشقجي أي حصانة من أي نوع

لا بد من الإشارة إلى أن الحماية القانونية -مثل الامتيازات والحصانات التي تمنحها VCDR- تنطبق فقط على الأفراد الذين أخطرت السعودية السلطات التركية بوظيفتهم الرسمية قبل وصولهم إلى البلاد.

ولهذا السبب، يبدو من غير المحتمل أن أياً من أعضاء فريق الاغتيال السعودي الـ 15 لديه أي حصانة من المقاضاة في تركيا، سواء حضورياً أو غيابياً نظراً لأن جميعهم عادوا الآن إلى السعودية.

وهذا يعني أن تركيا قد تقوم باستجوابهم أو اعتقالهم أو مقاضاتهم أو طلب المساعدة من الرياض في ذلك، وهي خطوة لم تتخذها السلطات التركية بعد، أو حتى تطلب من الشرطة الدولية الـ»إنتربول» القبض عليهم.

والمجاملة الدبلوماسية تلعب دوراً

في كل خطوة، تختار تركيا -على ما يبدو- تنسيق تحقيقها مع السعودية عن كثب، ربما أكثر مما هو مطلوب بالنسبة للقانون الدولي. وربما تفعل ذلك كنوع من المجاملة الدبلوماسية. أو ربما تعتقد أن هذا النهج هو الأكثر ضماناً للحصول على إذن في نهاية المطاف للوصول إلى مبنى القنصلية والتعاون في التحقيقات.

وماذا عن احترام قوانين البلد المضيف؟

تتوقع اتفاقيتا فيينا VCCR وVCDR احتمال أن تستخدم دولة أجنبية الامتيازات والحصانات التي توفرها لأغراض غير قانونية.

ولهذا السبب، تلزم كل معاهدة الجهات المستفيدة من الحماية القانونية احترام قوانين البلد المضيف. وفي الحالات التي لا يتم فيها الالتزام بذلك، يجوز للبلد المضيف أن يتخذ التدابير الدبلوماسية لمعاقبة الأطراف المخطئة ووضع حد لسوء تصرفها.

وهناك ردود فعل دبلوماسية يمكن أن تقوم بها تركيا

قد تختار تركيا أيضاً إغلاق قنصلية السعودية في إسطنبول تماماً. فحسب اتفاقية فيينا لا يمكن للقنصليات والسفارات العمل إلا بموافقة البلد المضيف. وبمجرد سحب الموافقة، يتم منح الموظفين القنصليين فترة زمنية معقولة لمغادرة البلاد قبل فقدان الحماية القانونية.

لكن إغلاق القنصلية لا يمنح بالضرورة السلطات التركية إمكانية الوصول إلى مبنى القنصلية السعودية، حيث تسمح VCCR للمملكة نقل المسؤولية عن المباني إلى طرف ثالث من أجل الحفاظ على حرمتها (كأن تخطر تركيا بتبعيتهم لقنصلية البحرين مثلاً) ومع ذلك، هناك بعض السوابق للوصول إلى المرافق الدبلوماسية والقنصلية بعد إغلاقها، سيما إذا كانت في مركز التحقيق الجنائي في جريمة خطيرة.

وبخلاف القنصلية، يمكن أن تمتد هذه الإجراءات إلى طرد السفير السعودي من أنقرة أو استدعاء سفير تركيا من الرياض، وهما وسيلتان دبلوماسيتان لتوضيح استياء جدي. أو يمكن أن تتخذ أنقرة قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع السعودية تماماً، لكن لا يبدو هذا وارداً بالحسابات السياسية.

إذن، ماذا حدث؟ وماذا قال أردوغان أخيراً؟

إليك تسلسل ما قامت به السلطات التركية منذ البداية

بعد اختفاء خاشقجي تم تكليف المدعي العام التركي للبدء في التحقيق، وعندما تكشفت بعض التفاصيل التي أشارت إلى تحرك المجموعة المكونة من 15 شخصاً، وتبين أنهم من المخابرات والأطباء وآخرون، وقد أتوا في طائرات عادية وخاصة.

حاول فريق الجريمة التستر والتمويه، عندما كلفوا أحد عناصرهم للقيام بدور خاشقجي، للخروج من القنصلية والتجول في إسطنبول.

وأكد البحث في كاميرات المراقبة في ذلك المكان، أن جمال خاشقجي دخل القنصلية ولم يخرج.

وأكد أردوغان أن العاملين في القنصلية نزعوا القرص الصلب من كاميرات القنصلية السعودية يوم مقتل خاشقجي.

وأضاف الرئيس التركي: «عندما بدأت الستارة تسدل على الجريمة، أجريت يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول أول اتصال مع الملك سلمان وقدمت إليه المعلومات وفقاً للمؤشرات الأولية، وقد أعربنا عن رغبتنا المشتركة بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة».

وفي يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول، سمحت الرياض للسلطات الأمنية التركية بإجراء بحث في القنصلية السعودية، وبعدها بيوم خرجت الرياض وأكدت وقوع جريمة داخل المقر الدبلوماسي.

وقال أردوغان: «في نفس الليلة تحدثت مع الملك سلمان مرة أخرى، وأبلغني أن 18 شخصاً ألقي القبض عليهم لتورطهم بالقضية.

وبعد حصولنا على القائمة وجدنا أن 15 منهم جاءوا إلى تركيا وكنا قد كشفنا عنهم».

وكانت صحيفة أكشام التركية قد نقلت عن مصدر قضائي أنه قد يتم اعتقال القنصل السعودي في إسطنبول محمد العتيبي إذا ثبت تورطه في اغتيال جمال خاشقجي.

وكشف أردوغان أن الفريق الذي قام بالجريمة تم إخطاره بزيارة جمال خاشقجي للقنصلية، وقام بالاستعداد والتحضير للجريمة.

وقال أردوغان إن المؤشرات الأولية تشير إلى أن جمال خاشقجي قتل بشكل وحشي وأن الجريمة ليست عفوية كما ذكرت الرواية السعودية الرسمية، بل هي مخطط لها.

ولم يذكر أردوغان في حديثه لأعضاء حزبه العدالة والتنمية في البرلمان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يشتبه بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي أنه من أصدر الأمر بالقتل. لكنه قال إن تركيا لن تنهي التحقيق في قضية خاشقجي دون الإجابة على جميع الأسئلة.

وطالب أردوغان السعودية بالإجابة عن 6 أسئلة وهي:

  • لماذا تجمع 15 شخصاً، بينهم أمنيون وطبيب تشريح، في إسطنبول يوم الجريمة؟
  • وطالب بتقديم معلومات عن الجهة التي قدمت التعليمات لهؤلاء المنفذين؟
  • ولماذا تأخرت السعودية في فتح القنصلية أمام السلطات التركية، وسمحوا لهم بالدخول بعد أيام من وقوع الجريمة؟
  • لماذا قدم السعوديون رواية وتصريحات متناقضة حول الجريمة؟
  • ما مصير جثة جمال خاشقجي؟
  • من هو المتعاون المحلي الذي قالت الرياض في روايتها إن الفريق السعودي سلّمه الجثة؟

وشدد الرئيس التركي على أن لا أحد يفكر في طمس ملف جمال خاشقجي، أو إغلاقه دون الإجابة عن هذه الأسئلة

وقال أردوغان إن اعتراف الرياض بحدوث جريمة قتل هي خطوة مهمة، إلا أنه طالبهم بالكشف عن كافة المتورطين «من أسفل السلم إلى أعلاه».

وطالب الرئيس التركي السعودية بتسليم الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم في السعودية وعددهم 18، لتتم محاكمتهم في تركيا، كون الجريمة قد وقعت على أراضيها.

وأضاف: «إن محاولة إلقاء الذنب على عناصر في الاستخبارات لن يكون مطمئناً لتركيا ولا المجتمع الدولي».

وشدد أردوغان على ضرورة البحث عن الشركاء الموجودين في سائر الدول الأجنبية المشاركين بالجريمة.

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
أردوغان يذكر اتفاقية فيينا للمرة الثانية.. فماذا يقول القانون الدولي بخصوص اغتيال خاشقجي؟