«لا نريد معرفة الحقيقة».. إذاً، هكذا يتعامل سعوديون داخل المملكة مع قضية خاشقجي

عربي بوست
تم النشر: 2018/10/22 الساعة 14:16 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/10/30 الساعة 10:05 بتوقيت غرينتش

في حين يتردد صدى كل كشف جديد متعلق باختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي في السعودية و حول العالم، لم تكن هناك الكثير من العلامات الجلية في بلده على وجود أي خطأ.

فلا تزال الصور بالغة الضخامة للملك سلمان وهو مبتسم ولابنه محمد بن سلمان، ولي العهد، معلَّقةً على المباني الزجاجية الكبيرة كالعادة.

وفي بهو فندق ريتز كارلتون المتألق بالرياض، الذي كان في السابق أكثر سجون العالم فخامةً بعد احتجاز أكثر من 30 من أمراء المملكة ورجال الأعمال ذوي النفوذ به، تبادل الضيوف أطراف الحديث تحت مجموعةٍ من كُرات الكريستال المتدلّية من السقف، والتي انعكس لمعانها على أرضية الرخام المصقول.

وعمَّ شعور غريب بالحاجة إلى استمرار الأمور كعادتها في جميع أنحاء العاصمة وخارجها.

لكن في وقتٍ متأخر من مساء الجمعة 19 أكتوبر/تشرين الأول، قالت وكالة الأنباء السعودية إنَّ خاشقجي قد قُتل في أثناء شجار مع 18 شخصاً مشتبهاً فيهم بالقنصلية السعودية في إسطنبول "أدى إلى وفاته".

تجري المناقشات في الرياض وجدة بتكتُّم

وغالباً ما كان يُستخدم اسم جمال خاشقجي الأول فقط لإخفاء الموضوع، أو الإشارة إلى أزمة سياسية فقط. وامتنع بعض السعوديين، الذين كانوا مستعدين في الماضي لتوجيه انتقاداتٍ متحفظة بشأن القمع السياسي، من التحدث على الإطلاق.

الأشهر الماضية من قمع الأصوات المعارضة، وضمن ذلك اعتقال رجال الدين، والناشطات اللاتي عارضن حظر القيادة، والناشطين في مجال حقوق الإنسان، والصحافيين- أقنعت الكثيرين بأنَّه ينبغي لهم التفكير مرتين قبل التحدث، حتى وإن لم يكن حديثهم علناً.

لكنَّ التفاصيل المتعلقة باختفاء خاشقجي ومزاعم تقطيع جثته داخل القنصلية السعودية في إسطنبول بعثت برعدة خوف في دوائر النخبة والمفكرين بالسعويدة، والتي كان خاشقجي جزءاً منها ذات يوم.

وحالة الهدوء المفعمة بالذعر على أرض الواقع قابلتها معارك ضارية في العالم الافتراضي على الإنترنت، لا سيما على "تويتر".

حيثُ استنكر العديد من السعوديين تطورات القضية، التي تغذيها أنقرة بتسريباتٍ متتابعة، بها القليل من المعلومات.

ووصفوها تلك التسريبات بـ"الأخبار الزائفة" التي تروجها وسائل الإعلام الغربية وقوى العدو.

"لا نريد معرفة الحقيقة"

القنصلية في إسطنبول
القنصلية في إسطنبول

وقالت امرأة لـTheguardian، طلبت عدم الكشف عن هويتها لسلامتها: "ما يقولونه مثير للسخرية. لكنَّ الأغلبية تصدِّق ذلك. حتى وقتٍ قريب جداً، كنتُ أصدِّقهم… نحنُ معزولون بطرقٍ مختلفة هنا".

وقالت المرأة في إشارةٍ إلى حقيقة اختفاء خاشقجي: "تعرف، أنا لا أريد أن أعرفها حقاً؛ لأنَّ هذا يعني الكثير من الأشياء على نطاقٍ أوسع. هناك جزء مني يريد أن يصدق أنَّ ما حدث ليس صحيحاً".

ومع احتدام الأزمة السياسية في الخارج، زعمت الصحافة السعودية، مراراً وتكراراً، أنَّ قوى أجنبية تهدد بلادها وتفبرك الشائعات التي تهدف إلى تشويه صورتها المصوغة بعناية.

وغالباً ما كانت تضيف إشاراتٍ مقتضبة إلى أساس هذه الهجمات المزعومة فيما يتعلق باختفاء خاشقجي.

ونشرت عدة منافذ إعلامية تنويهاً من النيابة العامة السعودية إلى أنَّ "تداول أو نشر الشائعات أو الأخبار الزائفة التي قد تضر بالنظام العام والأمن، يعتبر جريمة إلكترونية، عقوبتها السجن 5 سنوات وغرامة 3 ملايين ريال سعودي".

أعداء المملكة وراء اختفاء خاشقجي

وجاء عنوان الصفحة الأولى في صحيفة The Saudi Gazette، يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 2018، يقول: "أكاذيب ومؤامرات"، ومن تحته عنوان فرعي يقول: "أعداء المملكة وراء اختفاء خاشقجي".

وفي اليوم التالي، عنونت صفحتها الأولى بجملة "طفح الكيل"، وهو عنوانٌ تصدَّر أيضاً مقال رأي على موقع "العربية" السعودي.

ونفت الصحيفة في وقتٍ لاحق، أنَّ عائلة خاشقجي قد دعت إلى إجراء تحقيق دولي، مضيفةً: "ثقتهم بالحكومة السعودية لا حدود لها".

وأدت زيارة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، للرياض، صباح الثلاثاء 16 أكتوبر/تشرين الأول 2018، إلى إثارة موجة من القلق بين السعوديين الذين كانوا يتابعون تطورات القضية من كثب. وبدا أنَّ الزيارة كانت علامة على أنَّ اهتمام العالم ظل مرتكزاً على المملكة وعجزها عن الإجابة عن التساؤلات المثارة حول مكان وجود خاشقجي.

"الوطن".. الدبلوماسية الهادئة

العالم كله يبحث عن الحقيقة
العالم كله يبحث عن الحقيقة

وأشادت صحيفة "الوطن"، التي كان يعمل بها خاشقجي سابقاً، بـ"الدبلوماسية الهادئة" للسلطات السعودية وتعامُلها مع القضية. واقترح أحد كُتاب الرأي تشكيل هيئة علاقات عامة وطنية "لتعزيز صورة المملكة"، ومثل معظم المنافذ الإعلامية.

طبعت صحيفة "الوطن" فقط تغطية وكالة الأنباء السعودية الرسمية لزيارة بومبيو، التي قالت إنَّها انتصار للعلاقات بين "البلدين الصديقين".

ونشرت صحيفة "عكاظ"، وهي واحدة من الصحف اليومية الأكثر شعبية في المملكة العربية السعودية، على صفحتها الأولى، عنواناً يقول: "ولي العهد: الرياض وواشنطن حليفان وثيقان".

ووجدت هذه الرسالة صداها لدى بعض السعوديين، ومن ضمنهم خريجة حديثة درست في الولايات المتحدة، ولا يمكن ذكر اسمها أيضاً؛ حفاظاً على سلامتها.

قالت الخريجة: "أعتقد أنَّ السعودية وأميركا تربطهما علاقةٌ قوية".

وأضافت: "ما يحدث الآن هو مجرد محاولات من الشبكات الاجتماعية وقنوات التلفزيون لتخريب هذه العلاقة. يقول الجميع إنَّ الولايات المتحدة تحمي السعودية، ويجب على هذا البلد أن يدفع مقابل ذلك. لكنَّها علاقة متبادلة".

على الرغم من محاولات الطمأنة التي بذلها البيت الأبيض، استمرت التوترات في التأثير على مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي يُطلق عليه "دافوس الصحراء"، ومن المقرر أن يُعقد الثلاثاء 23 أكتوبر/تشرين الأول 2018 في الرياض.

جمال خاشقجي في السعودية

إذ أعلن المدعوون مثل رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، ورئيس بنك JPMorgan Chase جيمي ديمون، ورئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم، أنَّهم لن يحضروا المؤتمر.

وأدى الرفض العلني لدارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لـ"أوبر" لحضور المؤتمر، على خلفية قضية جمال خاشقجي في السعودية ، إلى شن حملة على الإنترنت في الخليج لمقاطعة تطبيق أوبر لنقل الركاب، ودعم الحملة لاحقاً وزير خارجية البحرين. وجديرٌ بالذكر أنَّ صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية هو أحد المستثمرين الرئيسيين في "أوبر".

لكنَّ بندر الطعيمي، مدير إدارة التسويق والاتصال المؤسسي في الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية، التي تسعى إلى استقطاب الشركات الدولية إلى المجمعات الصناعية السعودية، لم يكن مهتماً بعدد المشاركين الدوليين الذين انسحبوا من المؤتمر، وقال: "أعتقد أنَّ هذه قضية سياسية، وأعتقد أنَّ الحكومة تتعامل معها. بالنسبة لنا، نحن نبحث عن المستثمرين المستقبليين".

تحميل المزيد