تصريحات مسيئة للشيخ علي زياني في إذاعة محلية تسببت في أزمة كبيرة بالمدينة وكادت تشعل حرباً
الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018

تصريح في دقيقتين عبر إذاعة محلية كاد أن يحرق مدينة جزائرية بأكملها.. ما الذي قاله أحد الشيوخ وأشعل فتيل الأزمة؟

(عربي بوست، رياض معزوزي (الجزائر

في تمام منتصف نهار يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 2018، وفي الوقت الذي تجتمع العائلات حول مائدة الغداء، يشغل قاسم شقبقب جهاز الراديو للاستماع إلى نشرة الأخبار الرئيسية للأخبار المحلية، وهو ما تعودت عليه العائلات بغرداية على غرار باقي ولايات الوطني.

انتهت نشرة الأخبار في حدود منتصف النهار و15 دقيقة، ليفسح المجال للبرنامج الثقافي «كنوز» الذي يقدمه ويعده الصحافي بنفس الإذاعة محمد الأخضري، الذي استضاف الشيخ علي زياني للحديث عن حي بني مرزوق العتيق وسط المدينة.

«الحلقة كانت مستفزة منذ البداية، والغريب أنها بثت وقت الذروة حين ترتفع نسبة المشاهدة لـ «إذاعة غرداية الجهوية»، لاسيما أن الضيف انهال بالكلمات العنصرية ووصف بني ميزاب بأوصاف غير مقبولة»، هكذا قال شقبقب.

في دقيقتين وثلاث ثوان بالضبط، تطرق الإعلامي محمد الأخضري والشيخ على زياني إلى فترة ربط أحياء مدينة غرداية بشبكة الكهرباء، والصعوبات التي واجهتها حينها الشركات والمقاولات المتخصصة بذلك في ظل رفض المواطنين لهذه التكنولوجيا.

ولم يتوقف ضيف البرنامج عند هذا الحد، بل بدأ يصف بني ميزاب وهم مواطني أغلب أحياء مدينة غرداية بـ»المتخلفين والجهال وعديمي المعرفة»، ولم يجتهد الإعلامي محمد الأخضري في مقاطعة الضيف وتصحيح الكلمات.

كلمات كادت تحرق المدينة

ويشكك شقبقب في حديثه الهاتفي لـ»عربي بوست» في أن تكون الاستضافة وراءها تحريض وبرمجة ممنهجة، لأن تبث في مثل ذلك التوقيت المدروس، وأمام الهدنة التي تعيشها غرداية في الأشهر القليلة الأخيرة.

وأضاف: «لولا هدوء ووقوف أصحاب العقول وتحركهم السريع لحُرقت المدينة بالاحتجاجات، خاصة أن الشيخ الضيف محسوب على أحياء لا تتفق فكراً مع الأحياء الأخرى».

وأصدرت المديرية العامة للإذاعة الجزائرية في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2018، عقوبات التوقيف المؤقت بحق معد برنامج ومديرة الإنتاج بإذاعة غرداية الجهوية، في انتظار عرضهما على مجلس التأديب الذي سيحدد حجم العقوبة التي ستسلط عليهما، وذلك على خلفية برنامج بث على أثير الإذاعة ويحمل تصريحات عنصرية «كادت أن تحرق المدينة بأكملها».

كما ستبدأ في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2018 لجنة وزارية من وزارة الإعلام الجزائرية، التحقيق في التصريحات الواردة عبر أمواج الإذاعة الجزائرية من غرداية، بعد تحرك نواب برلمانيين، وممثلين للمجتمع المدني.

الحلقة مسجلة وليست على الهواء

الغريب بحسب قاسم شقبقب «أن الحلقة كانت مسجلة وغير مباشرة، وكان على معد الحصة ومديرة البرامج مراجعة المحتوى، وقصّ التصريحات العنصرية والجارحة».

وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع التصريح الإذاعي الذي كاد يحرق مدينة غرداية، في حوار مقتضب بين الصحافي والشيخ الضيف.

شتم المزابيين على المباشر في إذاعة غرداية!! هذا التسجيل في إذاعة غرداية… شتم واهانة للمزابيين على المباشر !! فأين وزير الثقافة والإعلام من هذا؟! وهل سيتحرك الوالي… والحال أن إذاعة غرداية على بعد أمتار من مكتبه داخل مقر الولاية!!

Gepostet von Smail Tellai am Dienstag, 9. Oktober 2018

رئاسة الجمهورية على الخط

بعد حادثة التصريحات المثيرة للجدل عبر إذاعة غرداية، شهدت الولاية تحركاً على أعلى مستوى، من قبل جمعيات المجتمع المدني، وأعيان المدينة، وكذا ممثلي الشعب لدى البرلمان.

وحصلت «عربي بوست» على نسخ حصرية لرسائل وبيانات تم توجيهها للسلطات العليا للبلاد، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، عندما قررت 12 جمعية مراسلة بوتفليقة للتدخل ووضع حد لهذه الخروقات.

وتشير معلومات لـ»عربي بوست»، من مصدر رفض ذكر اسمه داخل مبنى الإدارة العامة للإذاعة الجزائرية، إلى أن رئاسة الجمهورية تدخلت على الخط، وطالبت فتح تحقيق معمق في الحادثة ومعاقبة المتورطين.

نواب البرلمان وممثلو الشعب بالولاية، محمد أبي إسماعيل، ويحيى عبازة وعبدالله خياط، أصدروا بدورهم بياناً وُجّه إلى الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى، لفتح تحقيق في تصريحات أرادت حسب البيان صبّ الزيت على النار.

وطالب البيان من أعيان المدينة وعقلائها تغليب الحكمة وعدم الانقياد وراء بعض محاولات تفجير الوضع مجدداً.

«المدينة في مرحلة نقاهة وأطراف لا يعجبها الاستقرار»

بيان ممثلي الشعب لدى البرلمان يتهم أطرافاً بمحاولة زعزعت الاستقرار الذي تعيشه مدينة غرداية، المحترقة في السنوات الأخيرة.

وقال البيان: «إن غرداية وبعد الأحداث الأليمة التي عصفت بها وبأبنائها، قبل سنوات من الآن، تعيش حالياً فترة نقاهة، ومحاولة العودة إلى سكة الهدوء والسكينة».

والتصريحات الإذاعية عبر أثير إذاعة غرداية -بحسب البيان- «جاءت في ظرف سياسي حساس للغاية، أمام مشاكل البرلمان والتحضيرات للانتخابات الرئاسية المقبلة».

وقال البيان أيضاً: «غرداية التي لم تتعافَ من جراحها بعد، تحتاج من يعزز مكسب عودة الأمن والهدوء، لا من يحاول إعادة الأيام السوداء، وتمزيق البنية الاجتماعية والتفريق بين الأسر والعائلات».

مجلس أعيان المزابيين الإباضية لقصر غرداية، بدوره وصف ما حدث في بيان له، وصل «عربي بوست» نسخة منه، أن «التصريحات الإذاعية خطيرة، ومن شأنها أن تستفز الطبقة الاجتماعية، وبالتالي سيعود ذلك بالضرر على الجزائر».

وأثني البيان على «الشباب الغيور على ولايته، الذي لم ينقد وراء محاولات تغليطه وجرّه إلى الفوضى والخراب».

هذه هي الحقيقة التاريخية

أبونصر شخار، أستاذ مزابي مهتم بالتراث والتاريخ، يتأسف من معالجة تاريخ دخول الكهرباء في واد امزاب وملابساته، واستغرب التوظيف المغرض للوقائع، وفي إذاعة عمومية يتقاضى موظفوها الرواتب من عائدات ضرائب الشعب!

وقال شخار في تصريح لـ»عربي بوست» إن المجتمع المزابي ككل المجتمعات المهيكلة والمتحضرة له حساسية مفرطة في التعامل مع ما يرد إليه من جديد الأفكار والعادات والتكنولوجيات، و»تلك الحساسية نابعة من الخوف على سلامة مكتسباته الحضارية التي عمل على صقلها قروناً عديدة، بخلاف انعدام تلك الحساسية عند أشتات المجموعات البشرية التي ليس عندها ما تخاف عليه ولا ما تخسر تقبل اليوم الكهرباء وغداً سموم السجائر وبعدها لا ندري ما ستحمله الواردات الفكرية والسلعية الملغومة».

والأمر الآخر يضيف: «المجتمع المزابي كانت له منظومة كاملة للإنارة التقليدية، خاصة وعمومية، وله أوقاف ومتفرغون لإدارتها وصيانتها، فليس عنده ما يستعجله لقبول تقنية تتوغل داخل البيوت والمساجد قبل أن يتعقل جيداً مكامنها ومآلاتها».

والأمر الأخير يردف: «العلاقة المتوترة مع المستعمر الفرنسي حينها زادت من حساسية القضية، فليس من الحكمة أن تسارع في فتح أبواب بيتك ومسجدك ليدخل عدوك أسلاكه إليها دون الخوف من حيله وأغراضه الخفية».

اعتذارات

من جهته سارع مدير إذاعة الجزائر من غرداية، مختار بهناس، إلى التدخل عبر أثير الإذاعة في النشرة الرئيسية ليوم 11 أكتوبر/تشرين الأول 2018، وتقديم اعتذاراته واعتذارات المديرية العامة للإذاعة الجزائر.

واعتبر المتحدث في النص المسجل والمنشور عبر الصفحة الرسمية لإذاعة غرداية الجهوية أن «الإذاعة تسعى جاهدة للحفاظ على الهوية الوطنية والتماسك والتلاحم بين أبناء الجزائر، وما حدث في برنامج كنوز وتراث انحراف خطير سيدفع الثمن من كان متسبباً في ذلك».

مدير اذاعة غرداية يقدم اعتذاراته الرسمية عبر أثيرها

مدير اذاعة غرداية يقدم اعتذاراته الرسمية عبر أثيرهاويصرح بأنه قام بكل الإجراءات التأديبية تجاه منشط الحصة لما بدر منه من إساءة عنصرية وتشويه لتاريخ سكان المنطة. وسيلتزم (على حد قوله) بتطبيق القانون الداخلي للمؤسسة على كل من كان متورطا في تلك القضية.

Gepostet von Ghardaia 3D am Mittwoch, 10. Oktober 2018

والي ولاية غرداية بدوره سارع في نفس اليوم إلى تسجيل مقطع فيديو، ونشره عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لمحاولة تدارك الوضع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

وعبّر الوالي عن أسفه الشديد لما بدر من إذاعة غرداية، وقال إن «غرداية بأكملها عرب ومزابيين مستغربين تلك التصريحات وأهدافها»، ودعا المجتمع المدني إلى رفع دعوة قضائية ضد الإعلامي وضيفه.

#غرداية_الاستثناء | 61 / متابعةالإذاعة اللاسعة.. والإعادة اللاذعةهذا هو رد والي ولاية غرداية.

Gepostet von ‎نصر الدين الشيخ بالحاج‎ am Donnerstag, 11. Oktober 2018

الأيام السوداء.. ليتها لا تعود

لا يريد قاسم شقبقب ابن مدينة غرداية استذكار تلك الأيام عندما اندلعت مواجهات بين المالكيين العرب والإباضيين الأمازيغ سنوات 2013، 2014، 2015، فهي أيام كما قال لـ»عربي بوست» بصوت حزين: «تمزقت فيها الأسر واغتيل فيها الأطفال والشباب».

وكانت وسائل إعلام محلية وعالمية قد تحدثت عن 25 قتيلاً في المواجهات بين الطائفتين، أغلب الضحايا سقطوا بمدينة القرارة، من بينهم 19 قتيلاً سقطوا صباح 08 يوليو/تموز 2015.

وتم في 2015 تكليف الجيش بالإمساك بزمام الأمور في منطقة غرداية بعد توسّع الاحتجاجات وعجز مصالح الأمن عن توفير الهدوء، كما كلف رئيس الجمهورية الوزير الأول حينها عبدالمالك سلال بعقد صلح بين مجالس الأعيان المالكيين والإباضيين، بعد اجتماع وزاري موسّع خُصص لدراسة الوضع.

وكانت غرداية قد اكتوت بنار الصراعات المذهبية على مر 30 سنة كاملة، ونقلت وسائل الإعلام حينها صوراً تظهر حجم الدمار وحرق للمنازل وقطع للطرقات، ناهيك عن المواجهات مع رجال الدرك الوطني.

اقتراح تصحيح
(عربي بوست، رياض معزوزي (الجزائر
خرج مغضوباً عليه وعاد محبوباً.. سر عودة الأمين العام السابق للحزب الحاكم بالجزائر، ودوره في «الرئاسيات» القادمة
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
تصريح في دقيقتين عبر إذاعة محلية كاد أن يحرق مدينة جزائرية بأكملها.. ما الذي قاله أحد الشيوخ وأشعل فتيل الأزمة؟

قصص ذات صلة