قضية خاشقجي تُربك علاقة ترمب الدافئة مع السعودية.. ما هي خيارات واشنطن في التعامل مع الأزمة؟
الإثنين, 10 ديسمبر 2018

قضية خاشقجي تُربك علاقة ترمب الدافئة مع السعودية.. ما هي خيارات واشنطن في التعامل مع الأزمة؟

عربي بوست، ترجمة

اعتبرت صحيفة The Washington Post الأميركية أن قضية اختفاء الصحافي السعودي البارز جمال خاشقجي، منذ دخوله مقر قنصلية بلاده في تركيا، تربك العلاقة بين واشنطن والرياض.

وقالت الصحيفة الأميركية إنه عندما سأل البيت الأبيض المملكة العربية السعودية، أخيراً، عن التقارير المتواترة منذ أسبوع، والتي تفيد بأنَّ عملاءها اختطفوا صحافياً سعودياً معارضاً في مدينة إسطنبول التركية وقتلوه على الأرجح، لم يكن التواصل مع الملك سلمان أو وزير الخارجية السعودي.

في المقابل، اتصل غاريد كوشنر مساعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوج ابنته، وجون بولتون مستشار الأمن القومي، يوم الثلاثاء 9 أكتوبر/تشرين الأول 2018، بولي العهد محمد بن سلمان، وريث العرش السعودي وصاحب النفوذ خلف عرش أبيه.

وبحسب الصحيفة الأميركية، أصبح محمد بن سلمان نقطة الاتصال مع السعوديين منذ تشكيل الإدارة الأميركية الحالية، فضلاً عن محورية دوره في تحقيق هدف الرئيس ترمب من الشراكة مع الرياض لإخضاع إيران، وتحقيق تسوية سلمية إسرائيلية وُدية مع الفلسطينيين، وبيع أسلحة أميركية بمليارات الدولارات بالتوازي مع كل ذلك.

السعوديون يرفضون التعاون.. وأميركا تهدد بعقوبات

لكنَّ اختفاء جمال خاشقجي، المقيم بالولايات المتحدة والذي شوهد آخر مرة وهو يدخل القنصلية السعودية في إسطنبول في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2017، يلقى بظلاله على هذه العلاقة. وسط تزايد التقارير الصاخبة وذات المصداقية حول مقتل خاشقجي، يبدو أنَّ المسؤولين السعوديين يرفضون التعاون في أي تحقيق تركي بهذه المسألة، أو تزويد حليفهم الأميركي بالمعلومات.

تحرّك الكونغرس بالفعل لأخذ زمام المبادرة؛ إذ دعا كبار مشرِّعي السياسة الخارجية بمجلس الشيوخ ترمب، يوم الأربعاء 10 أكتوبر/تشرين الأول 2018، لفرض عقوبات على «أي شخص أجنبي متورط في اختفاء خاشقجي»، وضمن ذلك «كبار المسؤولين في الحكومة السعودية»، بموجب قانون «غلوبال ماغنيتسكي»، الذي يسمح للولايات المتحدة بملاحقة مسؤولين حكوميين بعينهم، على خلفية تورطهم في انتهاكات لحقوق الإنسان، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقَّع على الرسالة الموجهة إلى ترمب كلٌّ من السيناتور الجمهوري عن ولاية تينيسي بوب كوركر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ؛ والسيناتور الديمقراطي البارز عن ولاية نيو جيرسي روبرت ميننديز، إلى جانب 9 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين وعدد مماثل من الديمقراطيين. يمنح هذا القانون الرئيس 120 يوماً لتحديد ما إذا كانت العقوبات مبررة أم لا.

وبناءً على طلبهم، قدَّمَت الإدارة تقريراً مختصراً بخصوص واقعة اختفاء خاشقجي إلى أعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس النواب.

وقال النائب آدم شيف، العضو الديمقراطي البارز في اللجنة: «إذا كانت الادعاءات المروعة لما حدث دقيقة، فينبغي أن تعيد هذه الحادثة صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية بشكلٍ كبير».

ترمب يصرح من جديد

وصرَّح ترمب، الذي كانت تصريحاته السابقة بشأن اختفاء خاشقجي مقتصرةً على تعبيره الوجيز عن القلق، للصحافيين، يوم الأربعاء 10 أكتوبر/تشرين الأول 2018، بأنَّه «غير سعيد» بشأن ما وصفه بـ»الموقف السيئ». وقال إنَّ البيت الأبيض تحدث مع مسؤولين سعوديين «على أعلى المستويات»، وهو خبر هام أدى إلى صدور بيان رسمي يؤكد اتصال كوشنر وبولتون بولي العهد السعودي في اليوم السابق.

وقال ترمب: «لا يمكننا أن نسمح بحدوث هذا الأمر للصحافيين أو لأي شخص آخر»، مضيفاً أنَّ الإدارة كانت على اتصالٍ أيضاً بخطيبة خاشقجي التركية، خديجة جنكيز، التي كانت تقف خارج القنصلية في أثناء دخوله لتسلُّم أوراق رسمية تخص زواجهما، وانتظرت خروجه دون جدوى.

وقال ترمب: «نريد أن نأتي بها إلى البيت الأبيض».

وجاء في البيان التالي للسكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، سارة ساندرز، أنَّه كان هناك أيضاً اتصالٌ مع محمد بن سلمان من وزير الخارجية مايك بومبيو، لكنَّها لم تُقدِّم سوى القليل من المعلومات الهامة بخصوص هذا الاتصال.

وقالت: «خلال المحادثتين، طلبوا مزيداً من التفاصيل، وأن تتحلى الحكومة السعودية بالشفافية في عملية التحقيق. سنستمر في متابعة هذا الموقف، وإطلاعكم على آخر التطورات كلما توافرت».

وعلى الجانب الآخر، رفض نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية، روبرت بالادينو، وصف طبيعة المحادثة التي أجراها وزير الخارجية مع محمد بن سلمان، مشيراً إلى أنَّها «محادثات دبلوماسية خاصة»، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقال: «يمكنني القول إنَّ حكومة الولايات المتحدة تريد أن تفهم ما يجري، وأن تُعبِّر عن أهمية معرفة القصة بأكملها، وأن تفهم ما حدث بشكلٍ قاطع وصريح. نريد الوقوف على حقيقة هذا الأمر».

كارثة سياسية لأميركا

بالنسبة لأولئك الذين لم يثقوا قط بمحمد بن سلمان، واستاءوا من تعيين ترمب لكوشنر، الساذج دبوماسياً، كمُحاورٍ رئيسي له عن الولايات المتحدة- فإنَّ حادثة خاشقجي هي بالفعل كارثة سياسية حتى من قَبل التوصل إلى الاستنتاجات الرسمية.

وقال ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي للرئيس السابق جورج بوش الابن، في حلقةٍ نقاشية بواشنطن هذا العام (2018): «بطريقة ما، أفهم المنطق وراء ترشيح غاريد كوشنر لهذه المهمة». وقال إن كليهما أبناء زعماء، و»بالطريقة غير الرسمية، فإنَّ مجموعة عائلته العقارية في نيويورك تؤهله لذلك، وهي الطريقة غير الرسمية لممارسة السياسة بين العائلات في المنطقة (الخليج)».

واستدرك هادلي: «لكنَّها طريقة غير مجدية في هذه الحالة. أنت بحاجة إلى شخص ما هناك مُتَمَكِّن يفهم المنطقة».

لطالما نظر مسؤولو المخابرات الأميركية إلى محمد بن سلمان نظرات شكٍّ وارتياب. وكان الأمير، الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، قد وصل إلى السلطة من خلال انقلاب ناعم داخل القصر الملكي في العام الماضي (2017)، أطاح بابن عمه الأكبر، محمد بن نايف، الذي اعتبرته وكالة الاستخبارات المركزية زميلها المقاتل في الحرب الأميركية الطويلة ضد تنظيم القاعدة وغيره من جماعات العنف المتطرفة.

وأصبح مسؤولو الخارجية والدفاع والاستخبارات أكثر حذراً وهم يحاولون فهم المحادثات الخاصة التي أُجرِيَت بين محمد بن سلمان وكوشنر، (37 عاماً)، خلال اتصالهم الهاتفي في وقت متأخر من الليل، والزيارات العديدة لعواصم كلتا البلدين.

وقال مسؤول استخباراتي رفيع المستوى، إنَّ محمد بن سلمان أتقن «الترويج» لما يعتقد أنَّها إصلاحات سريعة للمشاكل المعقدة في الشرق الأوسط، مُقنعاً الإدارة الأميركية بأنَّ حلَّ كل مشاكلها يكمن في مواجهة إيران وعزلها، وهو التصور الذي لاقى قبولاً سريعاً في البيت الأبيض. تحدَّث هذا المسؤول وغيره بشرط عدم الكشف عن هويتهم بخصوص هذه العلاقة الحساسة.

وقفت الإدارة بجانب ولي العهد وهو يخوض حرباً في اليمن أسفرت عن مقتل الآلاف من المدنيين، وأحدثت صدعاً غير مسبوق في السياسة الخارجية بين ترمب والمُشرِّعين من

كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، الذين حاولوا تقليص المساعدات العسكرية الأميركية للسعوديين.

وكان ترمب قد دعم في البداية السعوديين والإماراتيين في العام الماضي (2017) عندما قطعوا علاقاتهم مع قطر، على خلفية اتهامات بدعهما الإرهاب، لكنَّه تراجع عن موقفه بعد عدة أشهر، إثر اعتراضات من وزير الدفاع جيمس ماتيس ووزير خارجيته آنذاك ريكس تيلرسون.

قد يصل الأمر إلى اعتبار الواقعة جريمة حرب

وبدلاً من الإشادة بهذه الخطوة، واصل البيت الأبيض انتقاداته الموجهة لمحمد بن سلمان ووالده. قال بروس ريدل، الذي خدم أكثر من 30 عاماً في وكالة الاستخبارات، ومؤلف كتاب «Kings and Presidents» عن العلاقات الأميركية-السعودية منذ إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت: «ينبغي للإدارة أن تعامل ولي العهد ووزير الخارجية، عادل الجبير، السفير السعودي السابق لدى الولايات المتحدة، كأشخاصٍ دوليين غير مرغوب فيهم».

وأضاف: «إنَّ استخدام منشأة دبلوماسية للاختطاف والقتل أمرٌ يرقى إلى جرائم الحرب، ويجب أن يؤدي إلى نبذهم من المجتمع الدولي. لن يفعل ترمب ذلك، لكن عليه القيام بذلك».

وتكهن العديد من الخبراء السعوديين بأنَّ تقارُب كوشنر مع محمد بن سلمان هو تقارب أجيال؛ إذ اتخذ ولي العهد النشيط خطوات نحو التحديث الاجتماعي والاقتصادي للمملكة المُحافِظة.

إنَّ الكراهية السعودية تجاه إيران، والقضية المشتركة مع الإدارة الإميركية في سعيها إلى وقف أنشطتها، حقيقية. ورغم القلق من الطريقة التي يدير بها السعوديون حرب اليمن، يلتزم البنتاغون بتحالف أمني إقليمي مع السعوديين.

وقال بيرنارد هيكل، الأستاذ بجامعة برينستون والمتخصص في شؤون المملكة والمنطقة، إنَّ إدارة ترمب مخطئة إذا اعتقدت أنَّ ما يقوم به محمد بن سلمان داخل المملكة السعودية، أو لأسباب داخلية، يهدف إلى ترسيخ العلاقات الخارجية أو أنَّه استجابة للمناشدات الأميركية.    

وأضاف هيكل في الحلقة النقاشية نفسها مع هادلي: «لا شيء مما يفعله محمد بن سلمان موجَّه لإرضاء الغرب. إنَّه يفعل ذلك لأنَّ عليه أن يفعل ذلك لنفسه وللسعودية. إنَّه من قبيل الصدفة أن تتوافق الكثير من السياسات السعودية مع مصلحة الولايات المتحدة، ومع رغبتنا في أن يظل لنا نفوذ وأهمية بتلك المنطقة».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
قضية خاشقجي تُربك علاقة ترمب الدافئة مع السعودية.. ما هي خيارات واشنطن في التعامل مع الأزمة؟

قصص ذات صلة