جمال خاشقجي أخبر كانبة أميركية مرموقة بأن القيادة السعودية تريد قتله فظنته يبالغ
السبت, 20 أكتوبر 2018

كاتبة أميركية: خاشقجي أخبرني بأن السعودية تريد قتله فظننته يبالغ.. وما كشفه يذكّرني بالقذافي ويجعلني أكثر تشاؤماً

عربي بوست، ترجمة

«إنهم يريدون قتلي»، كان هذا ما قاله الإعلامي السعودي جمال خاشقجي للكاتبة الأميركية البارزة روبن رايت في لقائهما الأخير.

ففي المرة الأخيرة التي تحدَّثتُ روبن فيها مع جمال خاشقجي، في أغسطس/آب الماضي 2018، علمت منه أنه قلقٌ على حياته.

إذ كان المعارض السعودي، البالغ من العمر 59 عاماً، وكان يعمل سابقاً محرراً ومستشاراً حكومياً، مقتنعاً بأنَّ القيادة الجديدة للمملكة تريد قتله، حسبما قالت روبن رايت في مقال نشرته في مجلة The New Yorker الأميركية.  

ظننته يبالغ فقد كرر هذا الكلام من قبل ولم يحدث شيء

«بالطبع يريدونني خارج الصورة»، هكذا قال لها جمال خاشقجي في لقائهما الأخير.

وتعلق الكاتبة قائلة: كان قد قالها لي من قبل، ولكن بحلول ذلك الوقت كان في المنفى في واشنطن لمدة طالت أكثر من عام؛ لذا شعرت أنه كان يُهوِّل من الخطر الذي يُهدِّده.

ولكن ربما لم يكن جمال خاشقجي يبالغ على الإطلاق. إذ لم يُشاهد خاشقجي منذ أن ذهب إلى القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية يوم الخميس، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2018، لاستخراج أوراق ثبوت طلاقه حتى يمكنه الزواج مرة أخرى. وقالت خطيبته، التي ظلَّت منتظرة بالخارج لمدة 11 ساعة، إنه لم يعاود الظهور مرة أخرى.                   

ولكن ها هو يختفي كما كان يتوقع

مرت خمسة أيام دون أيِّ دليلٍ على أنَّه لا يزال على قيد الحياة، وتزعم جماعات حقوق الإنسان الدولية أنَّ خاشقجي اختُطِف. وأمس الأحد، 7 أكتوبر/تشرين الأول، أعرب ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لوكالة أنباء Reuters، عن اعتقاد أنقرة بأنَّ خاشقجي قُتِل داخل القنصلية السعودية، زاعماً تورط 15 سعودياً في اختفاء خاشقجي. فيما أخبر أردوغان الصحفيين أنَّ حكومته تُحقِّق في الواقعة.

وأضاف: «نراقب مداخل القنصلية ومخارجها، وحركة المرور في المطار، ونتابعها. إذ نرغب في الخروج بنتائج سريعاً». من جانبها، ذكرت وزارة الخارجية البريطانية أنَّها تراقب القضية عن كثب.

وأصدقاؤه يستعدون لترتيبات جنازته

تشير الكاتبة الأميركية إلى أن أحد زملاء خاشقجي الأتراك قال للصحفيين، أمس الأحد، إنَّ الحكومة التركية نصحته بأن «يحضر ترتيبات جنازته».

وفي تصريح لوكالة Associated Press، قال توران كيشالكشي، رئيس اتحاد الإعلام العربي التركي، «قُتِل خاشقجي بطريقةٍ وحشية» وقُطِع جسده أشلاءً.

في حين زعم تقريرٌ آخر أنَّ جسده أُعيدَ للسعودية.                               

رغم أنه كان مخلصاً للعائلة الملكية وقناة مهمة لفهم تفكير المملكة

ولفترة طويلة، كان خاشقجي صوتاً مهماً في المملكة. وقد عرفته لعقود. كان مخلصاً للعائلة الملكية، وبالنسبة لكثيرٍ من الصحفيين والخبراء الأجانب، كان يُعد دائماً المصدر المناسب ليبدأوا منه فهم طبيعة تفكير المملكة، حسب وصف الكاتبة الأميركية.

عمل خاشقجي محرراً في الصحيفة السعودية اليومية «الوطن»، وترأس كذلك محطةً تلفزيونية. ولكنه أصبح مع الوقت معارضاً للحكومة، ثم في يونيو/حزيران 2017 قرَّر مغادرة المملكة. وحتى حين كان في المنفى، كان لايزال صوتاً مؤثراً في النقاش حول مستقبل المملكة، من خلال حسابه على تويتر الذي وصل عدد متابعيه إلى 1.7 مليون متابع، والأعمدة التي يكتبها في قسم الآراء العالمية لصحيفة Washington Post الأميركية ولقاءاته المستمرة في قنواتٍ تلفزيونية دولية.                  

ولكن اختفاءه جزء من منهج جديد للحكم في السعودية

ويعد اللغز المحير لاختفاء خاشقجي جزءاً من توجه عالمي ظهر منذ تعيين الأمير الشاب محمد بن سلمان ولياً للعهد في شهر يونيو/حزيران من العام الماضي.

وتعهد الأمير البالغ من العمر 33 عاماً، بإجراء إصلاحات شاملة، لكن حكمه يزداد وحشية، حسب وصف الكاتبة.

فقد شن حملات اعتقال موسعة ضد رجال الأعمال وحتى ضد أمراء آخرين، وكذلك صدرت أحكام بالإعدام خلال العام الجاري ضد ناشطة في مجال حقوق المرأة، وضد شيوخ وسطيين يدعون لنبذ التطرف.

وتقول روبين رايت: أمس الأحد، أخبرتني سارة ليا ويتسون، المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش، قائلةً: «إلى جانب اضطهاد النشطاء والكُتَّاب والشيوخ والعلماء ورجال الأعمال داخل السعودية،  فإنَّ عملية الاختطاف الواضحة لخاشقجي تُمثِّل الآن نموذجاً من الهجمات لا يمكن حتى للسعوديين التذرُّع بأنها مشروعة».      

فلم تسلم حتى الناشطات اللاتي دعون إلى الإصلاحات التي يطبقها الأمير محمد بن سلمان حالياً

ولم تسلم من حملة الترويع المتزايدة الناشطات السعوديات مثل لجين الهذلول، الناشطة في مجال حقوق المرأة، التي تم اعتقالها في مايو/أيار -والتي احتلت سابقاً المركز الثالث على قائمة أقوى 100 امرأة عربية، حتى بالرغم من أنَّ المملكة ذكرت أنها تتيح فرصاً للسيدات بالسماح لهن بالقيادة، وهو ما كانت الهذلول تنادي به.

عزيزة اليوسف، لجين الهذلول ، وإيمان النفجان ناشطات سعوديات محتجزات في السجن

وأشارت ويتسون أيضاً إلى ما وصفته «الاعتداء الأحمق» الذي شنه عملاءٌ سعوديون في لندن على الناشط غانم الدوسري، والمشهور بفيديوهاته الساخرة التي ينتقد فيها العائلة الملكية السعودية على يوتيوب. وأفادت شبكة BBC البريطانية بأنه منذ تتويج الملك سلمان في 2015، اختُطِف ثلاثة أمراء سعوديين.

لا أمان لكم في مكان.. نهج القذافي ينبعث مجدداً

بالنظر لكل هذه الأفعال مجتمعة، نجد أنها «تعكس الطبيعة الفجة السافرة لولي العهد السعودي التي تشبه طبيعة القذافي، حسب نقل الكاتبة عن ويتسون.

وفوق كل هذا، فهو يبعث رسالة للسعوديين كافة داخل المملكة وخارجها مفادها: من الأفضل أن تصمتوا. فأنتم لستم بأمان. ولا يوجد قانون يمكنه حمايتكم».           

وفي حوار أجراه ولي العهد مع وكالة Bloomberg الأميركية الأربعاء الماضي، 3 أكتوبر/تشرين الأول، استبعد الأمير محمد بن سلمان صحة التقارير حول اختطاف خاشقجي ووصفها بأنها «شائعات» غير مبررة، وتعهد بالتحقيق في الواقعة بالتعاون مع السلطات التركية. وقال محمد بن سلمان: «ما فهمته هو أنه دخل وخرج بعدها بدقائق قليلة أو ساعة. لست متأكداً. مستعدون للسماح للسلطات التركية بتفتيش مبنى (القنصلية السعودية في إسطنبول). المبنى أرض ذات سيادة، لكننا سنسمح لهم بالدخول والبحث والتفتيش على ما يريدون. ليس لدينا ما نخفيه».

وأول أمس السبت، 6 أكتوبر/تشرين الأول، عقب اختفاء خاشقجي بأربعة أيام، أخذ القنصل العام السعودي في إسطنبول، محمد العتيبي، صحفيي وكالة Reuters في جولة داخل المبنى المؤلف من ستة طوابق، وفتح الأبواب والخزانات ليُبَرهِن أنَّ خاشقجي لم يكن هناك.

وتقول الكاتبة لقد بَعثتُ رسالة إلكترونية أمس الأحد إلى عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي -وجاري سابقاً أثناء إقامته في واشنطن حين كان لا يزال دبلوماسياً شاباً- للسؤال حول وضع خاشقجي. ولكنه لم يُجِب.

فهل هي دموع التماسيح؟

ولكن يرتاب خبراء في الشؤون السعودية بوجود نموذج أكثر سوءاً.

إذ تقول الكاتبة الأميركية: أخبرني بروس ريديل، وهو عميل سابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، «دموع التماسيح التي يظهرها ولي العهد وغيره من المسؤولين السعوديين هي على الأغلب للخداع والمراوغة.

إذ يتطابق اختفاء جمال مع نموذج الترويع الفج وإسكات الانتقادات والمعارضة». وعَمِل بروس ريديل كذلك سابقاً في البنتاغون ومجلس الأمن القومي الأميركي، ويعمل الآن في معهد بروكنجز.         

ومن عملوا مع خاشقجي مصدومون من وحشية ما جرى له

وفي بيان صدر أمس الأحد، وصفت صحيفة Washington Post خاشقجي بأنَّه «صحفي متفان وشجاع»، حسبما أشارت روبين في مقالها.

وقال عنه فريد هيات، محرر افتتاحية Washington Post: «هو يكتب نبعاً من الشعور بالحب لبلده، وإيمانه العميق بالحرية والكرامة الإنسانية». ووصف هيات التقارير حول مقتل خاشقجي بأنها «عمل وحشي غير مفهوم».         

من جانبها، وصفت منظمة العفو الدولية التقارير حول اغتيال خاشقجي بأنها «مستوى جديد غاية في التدني». وأضافت المنظمة «هذا الاغتيال داخل أرض القنصلية التي تخضع للولاية السعودية يرقى إلى إعدام خارج نطاق القانون. وتثير هذه القضية موجة صادمة بين المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان السعوديين في كل مكان، وتقوض من تصور وجود أي ملاذ آمن بالخارج».     

والأخطر أن ما قاله خاشقجي للكاتبة الأميركية عن الأمير محمد يدعو للتشاؤم بشأن القضية

ولي العهد «ليس لديه من التسامح أو الاستعداد ما يجعله يستوعب المنتقدين»، هذه هي الكلمات قالها خاشقجي للكاتبة الأميركية أيضاً في أغسطس/آب 2018.

وهي الكلمات التي تلقي الآن بسحابة سوداء على قضية اختفاء جمال خاشقجي، حسب تعبير الكاتبة.

وقال خاشقجي إنَّ محمد بن سلمان هو في الواقع التالي على العرش، إلا أنَّه يتصرف كما لو كان الحاكم الفعلي للبلاد، وأصبح بالفعل أشد استبداداً من أي من الملوك الستة السابقين الذين حكموا منذ عبد وفاة عبد العزيز بن سعود الملك المؤسِّس للمملكة السعودية الحديثة، عام 1953.

إنه غير ليبرالي على الإطلاق؛ بل أصبح المرشد الأعلى للدولة

وتقول: «حين تحدثنا في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي (2017)، شبَّه خاشقجي النظام الملكي السعودي بالدولة الثيوقراطية الإيرانية.

إذ قال: «أصبح محمد بن سلمان حالياً بمثابة القائد الأعلى» -في إشارة إلى أعلى سلطة في إيران- الذي لديه حق النقض في أذرع الحكومة كافة.

ومنذ تتويج والد الأمير في 2015، عزَّز محمد بن سلمان قبضته على أهم 4 قطاعات في السلطة؛ إذ تولى مناصب وزير الدفاع، ورئيس المجلس الاقتصادي الجديد، ورئيس البلاط الملكي.

وقال جمال خاشقجي لها أيضاً: «إنه شخص استبدادي جداً وغير ليبرالي تماماً».

فما الذي جعل جمال خاشقجي يتخذ قراره الخروج من بلاده؟

«عملت في الحكومة 4 أو 5 سنوات، ولم أعتقد قط أنني سأُعتَقل»، هكذا قال خاشقي في لقائه الأخير مع الكاتبة الأميركية.

وأضاف قائلاً: «ثم فكرت في أنني ربما أتعرض للاعتقال؛ ولهذا السبب رحلت (عن المملكة)».

وأصبح وضع خاشقجي أكثر إثارة للقلق؛ نظراً إلى أنَّ انتقاده المملكة ازداد حدَّة في الشهور الأخيرة، حسبما ترى روبن رايت.

كان جمال خاشقجي يفضّل عدم وصفه بالمُعارض السعودي، بقدر ما كان يعتبر نفسه ناصحاً صادقاً للسلطة السعودية، حسبما أشار تقرير لموقع «عربي بوست«.

فالرجل كان يُوصف بأنه مقرَّب للسلطات السعودية في بداية عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، قبل أن تُمنع مقالاته، وجاء ذلك في ظل تغيرات حدثت بالسياسة السعودية، تباينت بشكل حاد مع مواقف خاشقجي، الذي يؤمن بأن المصير الأفضل للسعودية هو التطور الديمقراطي البطيء تحت مظلة آل سعود، وألا تتورط المملكة في تأييد سياسة الإمارات والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في معاداة الدعوات الإصلاحية والليبراليين العرب والإسلاميين المعتدلين.

ولكن، يبدو أن هناك سبباً رئيسياً جعل جمال خاشقجي يجهر بالصوت حتى لو عرَّض حياته للخطر، سبباً إنسانياً.

هولاء كانوا سبباً في خياره المُر بالرحيل

استغرق جمال خاشقجي وقتاً طويلاً ليصل إلى النقطة التي يعارض فيها حكومته، حسبما نقلت عنه روبن رايت.

وتلفت الكاتبة الأميركية إلى مقال كتبه خاشقجي، في سبتمبر/أيلول 2018، خلال بداية عمله لدى صحيفة Washington Post، كتب فيه: «شعرت بالألم منذ عدة سنواتٍ مضت حين اعتُقِل الكثير من أصدقائي. وأنا لم أقل شيئاً. لم أرغب في خسارة وظيفتي أو حريتي.

وكنت قلقاً على عائلتي. ولكنني اتخذت خياراً مختلفاً الآن؛ إذ تركت منزلي وعائلتي ووظيفتي؛ لكي أرفع صوتي.

لو لم أفعل ذلك فسأكون خائناً لمن يقبعون في السجون. فأنا يمكنني التحدُّث، في حين أنَّ الكثيرين لا يمكنهم ذلك. أريد أن تعلموا أنَّ السعودية لم تكن دوماً كما هي اليوم. نحن السعوديين نستحق الأفضل».                 

وهم يستحقون ذلك بالفعل.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
كاتبة أميركية: خاشقجي أخبرني بأن السعودية تريد قتله فظننته يبالغ.. وما كشفه يذكّرني بالقذافي ويجعلني أكثر تشاؤماً

قصص ذات صلة