السفارات السعودية تطلب من المعارضين المجيء إلى السفارة لأسباب غير معلنة على طريقة خاشقجي
الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018

خاشقجي قال لي: لقد أظهرت الحكومة أنَّها لم تكن سعيدة بي آنذاك.. كاتبة أمريكية تكتب عن "جهود السعودية في قمع المعارضة"

عربي بوست، ترجمة

قال ناشطون سعوديون طلبوا اللجوء في الولايات المتحدة وأوروبا، إنهم تلقوا مكالمات هاتفية من السفارات السعودية في البلدان المضيفة لهم. وشملت المكالمات مطالبات للناشطين بالمجيء إلى السفارة لأسباب غير معلنة.

وقالت الكاتبة المقيمة في نيويورك سارة عزيزا إن الصحفي السعودي جمال خاشقجي كان يفكر بهذه المخاوف بالتأكيد عندما اقترب من القنصلية السعودية في اسطنبول قبل أيام، ثم انقطعت أخباره بعد ذلك.

وكتبت تحت عنوان قمع المملكة تقول إن السعودية تطارد الناشطين الذين كان ينادون بأفكار الأمير محمد بن سلمان في السابق، وقالت إن الناشطات اللاتي كافحن للحصول على الحق في القيادة يحتفين الآن، أو يذهبن إلى المنفى.

لجين الهذلول تلقت أوامر «ملكية» بالسكوت ليلة الثلاثاء

في مساء يوم 26 سبتمبر/أيلول من العام الماضي 2017، كانت لجين الهذلول (28 عاماً)، الناشطة في مجال حقوق المرأة ذات الشعر الكثيف الداكن والعينين البنيتين الثاقبتين، تجلس في منزلها في الرياض متطلعةً إلى هاتفها الذكي. انهالت مجموعة من الإخطارات على شاشة هاتفها، بينما تدفقت رسائل تُعبر عن الصدمة والفرح والتكهنات على حساباتها على الشبكات الاجتماعية. فقبل لحظات، تحول يوم الثلاثاء إلى يومٍ تاريخي، إذ أصدر الملك سلمان آل سعود عبر التليفزيون الحكومي مرسوماً ملكياً مذهلاً يمنح المرأة السعودية حق قيادة السيارات بعد طول انتظار.

حين علمت الخبر، شعرت الهذلول بفيضٍ من العواطف في تلك الليلة الدافئة السارَّة منذ عام مضى، لكن لم ينتابها الشعور بالمفاجأة. كان لديها بالفعل أيام لاستيعاب هذه التطورات، بعد أن تلقت أخباراً بالإصلاح القادم من الحكومة السعودية نفسها. إلا أنَّ المكالمة الهاتفية التي وصلتها من الديوان الملكي لم تكن سارَّةً: فبعد إبلاغ الهذلول عن الإعلان الوشيك، كان المسؤول الحكومي قد أصدر لها تعليماتٍ بالامتناع عن التعليق علناً على الإصلاح، حتى لو كان تعليقها إشادةً.

وجَّهت الحكومة أوامر مماثلة إلى العديد من المدافعات عن حقوق المرأة في الأيام السابقة، بما في ذلك ناشطتان كانتا خارج البلاد في ذلك الوقت، وطُلِب منهن التزام الصمت عندما أُذيعت الأخبار عن منح حق القيادة. وقالت إحدى المدافعات عن حقوق الإنسان، طلبت عدم ذكر اسمها خوفاً من انتقام النظام: «فهمنا من تعليماتهم أنَّهم لا يريدون أن يُنسب الفضل للناشطين في إحداث هذا التغيير، فالرسالة كانت أنَّ هذه أوامر عليا أصدرها الملك، وليس نتيجة لحملات الناشطين».

لكنها احتفلت بتغريدة ولم تغفر لها السلطات ذلك

امتثل معظمهن للأوامر، مع أنَّ الهذلول خاطرت بنشر تغريدة واحدة، غير مؤذية لها على ما يبدو، قالت فيها: «الحمد لله». اتصل بها بعد مدةٍ وجيزة  شخصٌ تابع للحكومة ونَّبهها إلى الانصياع إلى تعليمات الديوان الملكي.

كانت المكالمات الهاتفية المنذرة بالسوء، التي صاحبت الإعلان التاريخي، تجسيداً لمرحلة جديدة غريبة كان يمر بها الناشطون من أمثال الهذلول. إذ شرعت الحكومة السعودية في عام 2016 تحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان في حملة «رؤية 2030» الضخمة من أجل «التحول الوطني»، ووعدت بإصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة، بما في ذلك الحقوق الموسعة للنساء.

لم يحدث من قبل أن بثَّت الحكومة، التي عادةً ما كنت مُقيَّدة تحت قيادة نخبة دينية متشددة جداً، رسالة إصلاح حماسية على هذا النحو. لكن في الوقت نفسه، كانت الحكومة تُراقب المدنيين من مختلف المذاهب السياسية والدينية مراقبةً متزايدة، وتعتقل رجال الدين المعارضين سياساتها، والصحفيين المعتدلين على حد سواء، وتمارس ضغوطاً متزايدة على وسائل الإعلام الرسمية لتنشر تقارير مؤيدة للحكومة، حسبما قالت مصادر داخل الصحافة السعودية لموقع The Intercept الأميركي.

وقالت هبة زيادين الباحثة البارزة في شؤون المملكة العربية السعودية في منظمة Human Rights Watch : «لقد أوضحت الدولة أنَّ جميع الإصلاحات المأمولة كان لا بد أن تنجزها الدولة وحدها بقراراتٍ عُليا وفق شروط الحكومة».

حملة الاعتقالات بدأت قبل إنهاء الحظر على القيادة

ابتداءً من 15 مايو/أيار من العام الجاري 2018، أي قبل أسابيع من نهاية الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات، بدأت الحكومة سلسلة من الاعتقالات استهدفت ناشطين بارزين. وكانت الهذلول من بين أول من اختفوا في غياهب الحجز، إلى جانب إيمان النفجان وعزيزة اليوسف، وهما من زميلاتها المدافعات عن حقوق الإنسان والإصلاح. وفي الوقت نفسه، بدأت صورهن في الانتشار على وسائل الإعلام المحلية وعلى الإنترنت، مصحوبة باتهامات من الدولة بالخيانة والتواطؤ مع حكومات أجنبية. وانتشر هاشتاغ، #AgentsofEmbassies، على نطاق واسع وكذلك التكهنات بأنَّ الهذلول كانت عميلة قطرية تنوي إلحاق الأذى بالدولة السعودية.

وكانت الاعتقالات أحدث مثال على تكتيك جديد موسع تنتهجه المملكة باستخدامها قوانين مكافحة الإرهاب لإسكات المعارضة. إذ قالت زيادين: «لقد رأينا هذا الأسلوب يُستخدم ضد المحافظين والليبراليين على حد سواء»، مستشهدة بسلسلة من الاعتقالات في سبتمبر/أيلول من العام الماضي 2017، اعتقلت فيها الحكومة مجموعةٌ من رجال الدين والأكاديميين والصحفيين بتهمٍ مماثلة بالخيانة. (لم ترد السفارة السعودية في العاصمة الأميركية واشنطن على طلبٍ للتعليق).

والهاربون من الاعتقالات انتقلوا تقريبا إلى الخارج

وفي نهاية يونيو/حزيران الماضي، رحَّب العالم بحصول النساء في المملكة على حقهن في القيادة للمرة الأولى. ولكن في هذه الأثناء، ظلت الهذلول وزميلاتها بمعزل عن العالم الخارجي. وبعد ذلك بثلاثة أيام فقط، اعتُقِلت هتون الفاسي -الأكاديمية البارزة المتخصصة في تاريخ المرأة والمدافعة عن الإصلاح منذ فترة طويلة- بتهم غير معروفة. وفي الشهر التالي يوليو/تموز، ألقت السلطات القبض على الناشطتين المعروفتين سمر بدوي ونسيمة السادة، رغم توقفهما إلى حد كبير عن أنشطتهما على الإنترنت بعد أن شهدتا حملة القمع ضد قريناتهن.

في غضون ذلك، صمت ناشطون آخرون أو غادروا البلاد بهدوء مع عدد متزايد من المحافظين والأكاديميين والصحفيين ورجال الأعمال. وقال أحد المدافعين عن حقوق الإنسان، الذي غادر البلاد لتجنب الاعتقال: «هناك شعور الآن بأنَّه حتى لو لم تكن ناشطاً، فمجرد أن يكون لك رأي هو أمر خطير. ليس لدي الآن أي أمل لممارسة نشاطي الحقوقي داخل المملكة». حجب موقع The Intercept اسم الناشط الحقوقي وبياناته مثل العديد من الناشطين في هذا التقرير، بناءً على طلبهم من أجل حمايتهم وحماية عائلاتهم.

وذكرت زيادين أنَّ الحملة ليس لها مثيل من قبل في السعودية. وقالت: «إنَّ حجم هذه الإجراءات الصارمة وشدتها أمراً غير مسبوقٍ بالفعل. حتى الناس خارج المملكة يخشون التعبير عن رأيهم. لقد توقف كل النشاط الموجه لحركة الإصلاح الشعبية التي بنيت على مدار السنوات الأخيرة».

ونتيجةً لذلك، فبعد أقل من عامين من خطة الحكومة التي مدتها 24 عاماً لإصلاح المملكة، وإبرازها كدولة تقدمية بين الديمقراطيات الليبرالية في العالم، انتقلت حدود المعارضة السعودية انتقالاً شبه كامل إلى الخارج.

وخرج خاشقجي هربا من «الضغط المباشر على الصحفيين»

دفع جو الخوف المتنامي البعض إلى مغادرة البلاد، بما في ذلك الصحافي السعودي جمال خاشقجي، رئيس التحرير السابق بإحدى الصحف السعودية، الذي قال إنَّه بدأ يواجه تدقيقاً بعد نشر مقالات مؤيدة للانتفاضات الشعبية واسعة النطاق المعروفة باسم الربيع العربي.

وقال خاشقجي (59 عاماً) وتعود أصوله إلى مدينة جدة: «لقد أظهرت الحكومة أنَّها لم تكن سعيدة بي آنذاك».

تغريدة كاتبة المقال عن اختفاء جمال خاشقجي وخوفها من تصفيته بيد الدولة

تحدثنا عدة مرات خلال صيف عام 2018، وكان صوته الحازم مصحوباً بالأسف. وقال لي خاشقجي الذي كانت عيناه الثاقبتان مُنهكتين في الأشهر الأخيرة: «كان هناك دائماً اتفاقٌ ودِّي بين الدولة ووسائل الإعلام بنشر أشياء معينة أو الاحتفاظ بأشياء أخرى دون نشر، وقد سار هذا الاتفاق على نحوٍ سلس للغاية. لكنَّنا بعد ذلك بدأنا نشهد المزيد من الضغط المباشر على الصحفيين لنشر قصص مؤيدة للحكومة فقط. وطُلب من بعض الأشخاص توقيع تعهدات ولاء. ومُنع البعض كذلك من الكتابة أو أوقف نشر أعمدتهم الصحفية. ساءت الأمور بالنسبة للناشطين أيضاً أو الأشخاص الذين لديهم آراء انتقادية.

كانت الحكومة تبعث برسالة مفادها أنَّه إذا لم تكن معنا، فأنت ضدنا». انتقل خاشقجي إلى الولايات المتحدة في يونيو/حزيران من عام 2017. وغادرت ميساء العمودي، زميلة الهذلول، كذلك إلى الخارج بعد وقت قصير من إطلاق سراحها من السجن.

سفارات السعودية تتصل بمعارضي الخارج وتستدعيهم

ومع ذلك، يبدو أنَّ جهود الدولة السعودية في قمع المعارضة تمتد إلى ما هو أبعد من حدود البلاد. إذ أفاد العديد من الناشطين السعوديين، الذين طلبوا اللجوء في الولايات المتحدة وأوروبا، بأنَّهم تلقوا مكالمات هاتفية من السفارات السعودية في البلدان المضيفة لهم. وشملت المكالمات مطالبات للناشطين بالمجيء إلى السفارة لأسباب غير معلنة.

وقال أحد الناشطين الذين تلقوا أحد هذه الاستدعاءات: «لن أذهب أبداً. من يدري ماذا سيحدث؟ أخشى أن يُرحِّلوني». (جديرٌ بالذكر أنَّ منذ عام 2015 ، اختفى ثلاثة أمراء سعوديين انتقدوا العائلة المالكة أثناء وجودهم في الخارج، ويُعتقد أنَّهم أُعيدوا قسراً إلى المملكة).

دارت هذه المخاوف بالتأكيد في عقل خاشقجي يوم الثلاثاء الماضي 2 أكتوبر/تشرين الأول  عندما اقترب من القنصلية السعودية في اسطنبول. إذ كان خاشقجي يسعى للحصول على الوثائق اللازمة للزواج من خطيبته التركية خديجة التي طلبت حجب اسمها الأخير. وقالت خديجة إنَّ خاشقجي طلب منها قبل أن يدخل القنصلية في نحو الساعة الواحدة والنصف ظهراً باستدعاء السلطات التركية إذا لم يعد. وانتظرت خديجة خارج القنصلية حتى بعد منتصف الليل، لكن خاشقجي لم يظهر قط.

نفت الحكومة السعودية اعتقال المعارض، زاعمة أنَّه غادر السفارة بمحض إرادته. وبينما لم تُظهر اللقطات الأمنية التي حصلت عليها السلطات التركية أي إشارة على خروج خاشقجي من القنصلية السعودية، أفادت صحيفة The New York Times الأميركية بأنَّ عدة سيارات دبلوماسية شوهدت تدخل مجمع القنصلية وتخرج منه. وما زال مكان خاشقجي مجهولاً.

واليوم تمتلئ الشوارع بمزيج من الأمل والحيرة

هناك أيضا شعورٍ متزايد بالوطنية لدى البعض. إذ يتفق معظم السعوديين، على مختلف المستويات سواء الذين يشعرون بالإثارة أو الخوف، على أن بلادهم تعيش لحظة تغيير عميقة، وهي رسالة تروجها الحكومة نفسها بشراسة عبر لوحات إعلانية برعاية الدولة ولافتات في الشوارع وحملات على شبكات التواصل الاجتماعي تردد شعارات الكبرياء الوطني والوعد بنهضة سعودية تجسدها رؤية 2030 وأجندة الحكومة الشاملة لإصلاح الحياة الاقتصادية والاجتماعية السعودية.

وتظهر الصور الملكية في مراكز التسوق وردهات الفنادق والمطارات، مؤسس الدولة السعودية، الملك عبد العزيز، إلى جانب العاهل السعودي الحالي الملك سلمان، الذي غالباً ما يكون محاطاً بوريثه الواضح محمد بن سلمان البالغ من العمر 33 عاماً.

قدَّم بن سلمان نفسه باعتباره مهندس تجديد المملكة الموعود منذ إعلان رؤية 2030 في أبريل/نيسان من عام 2016. ومنذ ذلك الحين، عزَّز ولي العهد سلطته سريعاً، إذ قوَّض بروتوكول الحكم التقليدي وأقال عشرات من المسؤولين الذين عيَّنتهم الحكومة وقاد تغييرات مفاجئة في القطاعات الاقتصادية والعمَّالية والدينية.

وولي العهد يروج لفكرة العودة إلى الإسلام المعتدل

في الواقع، تتمثل إحدى ركائز رؤية 2030 في إعادة تأهيل صورة المملكة العربية السعودية -التي لطالما عانت الارتباط بالتطرف الديني والقمع القائم على أساس النوع الاجتماعي- في الخارج. وروَّج ابن سلمان، في سلسلةٍ من المقابلات الشهيرة جداً التي أجراها مع الصحافة الغربية في عام 2017، لفكرة أنه «يعيد» الإسلام في المملكة إلى جذوره الحقيقية المعتدلة. ووعد ولي العهد أيضاً بأنَّ التغيير سيكون سريعاً، قائلاً: «لن نهدر ثلاثين عاماً من حياتنا نكافح الأفكار المتطرفة. سندمرها الآن وفوراً». وفي ما يبدو أنَّه التزاماً بهذا الوعد، أسكتت الحكومة العديد من الشخصيات الدينية المحافظة في البلاد، لاسيما في سلسلة من الاعتقالات جرت في شهر سبتمبر/أيلول الماضي شملت العديد من رجال الدين البارزين، بالإضافة إلى تحجيم سلطة الشرطة الدينية التي كانت مخيفة في السابق.

تحمَّس كثيرون في الغرب لاحتضان رواية بن سلمان. إذ أشاد توماس فريدمان الصحفي في صحيفة The New York Times، بولي العهد قائلاً إنَّه يجسد «الربيع العربي للمملكة العربية السعودية أخيراً»، وأعلن العديد من السعوديين أيضاً سعادتهم بوعود ابن سلمان وأعربوا عن ارتياحهم بصورة البلاد الجديدة المعتدلة في الخارج. جدير بالذكر أنَّ ما يقرب من 70% من السكان السعوديين هم دون سن الثلاثين عاماً ويميلون إلى أنَّ يكونوا أكثر تقبلاً لوعود رؤية 2030. إذ قالت نادية، وهي مواطنة سعودية تبلغ من العمر 28 عاماً وحُجب اسمها الأخير من جانب موقع The Intercept: «للمرة الأولى في حياتي، أفتخر بأنني سعودية. اضطررت طوال حياتي إلى تحمُّل عبء أحداث 11 سبتمبر/أيلول كلَّما سافرت إلى الخارج. هذا ما كنَّا معروفين به، لكن الآن، وعلى نحوٍ مفاجئ، أصبح شيئاً جيداً أن تكون سعودياً».

بينما يركز كل السلطة بين يديه في كل مجالات الحياة

ومع ذلك، وراء تلك الآراء المنتقاة بعناية، نجد أنَّ تنفيذ ابن سلمان جدول أعماله قد قلب التوزيع التقليدي للسلطة في المملكة رأساً على عقب. إذ قال رامي خوري الزميل البارز في كلية كينيدي بجامعة هارفارد والأستاذ بالجامعة الأميركية في العاصمة اللبنانية بيروت: «لقد كان الملك دائماً هو الشخص الأقوى في المملكة العربية السعودية، لكنَّه كان دائماً يحكم عبر نظام مُعقَّد من الآليات والمجالس وبنوعٍ من التوافق مع الأمراء ورجال الأعمال والزعماء الدينيين، الذين يجتمعون معاً من وراء الكواليس. لكن ما فعله ابن سلمان هو أنه ركَّز كل السلطة بين يديه في كل مجالات الحياة الرئيسية. وأصبح يسيطر على الشؤون السياسية والدينية والاقتصادية والنفطية والعسكرية والاجتماعية وشؤون الإعلام. ويتحكم في زمام كل أبعاد الحياة الرئيسية تحكُّماً مباشر أو غير مباشر. لقد تغيرت جميع القواعد من جانب واحد».

سمح ذلك لولي العهد بالبدء في تنفيذ إصلاحات جذرية بسرعة البرق، لكنَّ خوري قال: «في ظل هذا النوع من الحكم الاستبدادي، لا يوجد مجالٌ لحوارٍ سياسي أو مدني. لا يريد ابن سلمان أي مساءلة وقد أوضح أنَّه يريد أن يكون مسؤولاً تماماً عن كل شيء». وتكهَّن خوري بأنَّ ذلك هو السبب الحقيقي وراء أوامر إسكات المعارضة والقمع والاعتقالات. وأضاف خوري إنَّ «ابن سلمان الآن، بخلاف أسلافه الذين سجنوا الناشطين والمعارضين باستمرار، أي معارضين محتملين في المستقبل إسكاتاً استباقياً».

ويعد تنوع أولئك المعارضين المستهدفين أمراً لافتاً للنظر، إذ يضمون عشرات النخب الدينية المُحافِظة، بالإضافة إلى شخصيات ذو عقلية تقدمية.

وتنطلق حملات تخوين ضد النشطاء لتربطهم بحكومات أجنبية

وأشارت زيادين إلى أنَّه على الرغم من استمرار الدولة في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لتبرير حملات الاعتقال، كان اعتقال الهذلول وعدد من المعتقلين الآخرين في مايو/أيار من بين أكثر الحملات عدوانيةً التي شهدتها البلاد حتى الآن. وقالت: «لقد شاهدتِّ في هذه القضية حملة تشهير نشطة تربط هؤلاء الناشطين بحكومات أجنبية، خاصةً قطر. كان أمراً غير مسبوق أن تُنشر وجوه نساء مصحوبةً بكلمة «خائن» على الصفحات الأولى من وسائل الإعلام. هذا أمرٌ خطر ووصمة عار. يبدو الأمر وكأنَّه دفعة لإنهاء حياتهم المهنية في النشاط السياسي أو إبقائهم في السجن لفترة طويلة جداً».

ومع ذلك، لم تُقدَّم أي أسباب في حملات اعتقال أخرى، إذ اختفى المحتجزون ببساطة بين طيات نظام العقوبات المبهم. وقالت زياددين إنَّ مثل هذه الحالات في ازدياد. وقد أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش في وقتٍ سابق من العام الجاري بحدوث زيادة سريعة في نسبة الاعتقالات التعسفية في السعودية، في ظل وقوع أكثر من 2000 حالة اعتقال جديدة بين عامي 2014 و2018.

وقد أدى هذا الشعور الجديد بقابلية التعرُّض للاعتقال إلى وقف أي حركة شعبية للإصلاح. وقالت إحدى الناشطات التي تعيش حالياً في الخارج: «قضى الناس سنواتٍ وهم يبنون ببطء زخماً حول قضايا متعلقة بالحقوق الاجتماعية والمدنية والسياسية. لكن في الوقت الحالي، يبدو أنَّ هذا قد سُحق تقريباً. هذا مُحبط جداً. لقد أصبحت التكلفة باهظة للغاية بالنسبة لمعظمنا، هناك شعور بأنَّ أي شيء يمكن أن يحدث إذا قررت الحكومة استهدافك».

لكن بعض السعوديين يؤيدون الاعتقالات والإطاحة بالهيئة

ومع ذلك، هناك من يدافع عن هذا النهج الحكومي القمعي. إذ أعرب العديد من السعوديين، في محادثاتٍ خاصة، عن تأييدهم حملات الاعتقال الجماعية للمحافظين الدينيين وحملة التطهير المزعومة التي تشنها الدولة ضد الفساد.

وقال أحد المصرفيين، 31 عاماً: «أعني أنَّه إذا لم يكن ابن سلمان قد تخلَّص من رجال الدين هؤلاء قبل السماح للنساء بقيادة السيارة، على سبيل المثال، كان تويتر سيعج بالفوضى».

وأضاف المصرفي السعودي، الذي كان حديثه الحماسي يترنح بين اللغتين العربية والإنكليزية: «يجب أن يأتي هذا النوع من التغييرات بأوامر عُليا. فإذا انتظرنا أن يكون المجتمع جاهزاً من تلقاء نفسه، ما كنَّا لنشهد أبداً قيادة النساء، ولم نكن لنشهد أبداً كل هذه التغييرات. فقبل بضع سنوات، لم يكن بإمكاني أبداً الجلوس مع صديقة كهذا على الملأ»، مشيراً إلى قاعة المقهى الذي حاورته فيه بجدة، حيث كان يجلس أمامي مرتدياً الثوب الأبيض السعودي التقليدي وساعة رياضية من طراز أبل. كان حولنا عدة مجموعات مختلطة من الشباب السعودي مُتَّكئين على طاولات بيضاوية مكتظة  بالقهوة المُثلَّجة. وقال: «كنَّا سنشعر بالذعر من الشرطة الدينية. لكن الآن، تتغير الأمور تقريباً يوماً بعد يوم. وصحيحٌ أنَّ الأمر مربك بالنسبة لنا، لكنه أيضاً مثير للغاية».

والمواطن أصبح أكثر حرية اجتماعية.. وأكثر خوفا

لا يمكن إنكار أن بعض السعوديين، بما في ذلك العديد من النساء، يتمتعون الآن بحقوق وامتيازات أكبر من التي تمتعوا بها في التاريخ الحديث. لكن لا يمكن كذلك إنكار أنَّ الكثيرين يجهلون تماماً حملات الهجوم والقمع التي تشنها الدولة ضد الناشطين، حسبما ذكر مصدر صحفي سعودي. «معظم هذه الاعتقالات لا تُعلَن. وعندما تفعل السلطات ذلك، فإنَّ كلمة «خائن» أو الإشارة إلى المعتلقين بأنهم عملاء لحكومات أجنبية يكفيان لإخافة الناس من الخوض في الأمر».

وأضاف المصدر أنَّ الوجود القوي للدولة مؤخراً في الحياة السعودية يزيد من تثبيط الناس من التحدُّث في السياسة، قائلاً: «هناك تناقض الآن، فالناس أصبحوا أكثر حرية من الناحية الاجتماعية -إذ يمكنهم الذهاب إلى دور العرض والاختلاط مع الجنس الآخر في بعض الأماكن- لكنَّهم صاروا أكثر خوفاً من أي وقت مضى من التعبير عن رأيهم تجاه الحكومة، خاصةً بشأن الحرب على اليمن -حيث يخوض تحالفٌ تقوده السعودية حرباً وحشية مستمرة منذ ثلاث سنوات تعرَّضت لانتقاداتٍ شديدة. ثمة ضغوط جديدة يجب عليك تحمُّلها لتكون شخصاً وطنياً. هناك شعور بأن الأمور حساسة للغاية في الوقت الحالي. وإذا طرحت مواضيع سياسية، سترى الجميع صامتين».

وتبدو الحكومة غير قلقة من الانتقادات وتتمتع بحصانة نسبية

بعد موجة خاطفة من الاهتمام عقب اعتقال الهذلول وآخرين في مايو/أيار 2018، تضاءل الاهتمام الدولي بمثل هذه القضايا ولم تجذب الاعتقالات اللاحقة سوى اهتمامٍ ضئيل. وفي أحد الاستثناءات، أخذت حكومة كندا على عاتقها مهمة انتقاد الحكومة السعودية علناً في أوائل أغسطس/آب عقب حملة اعتقالات شملت سمر بدوي ونسيمة السادة. ومنذ ذلك الحين، تبادل البلدان سلسلة من الإجراءات الانتقامية الصارمة على نحو متزايد، لكنَّ الحكومة السعودية ما زالت تأبى الاعتذار.

 وقالت هالة الدوسري الزميلة في معهد رادكليف بجامعة هارفارد في مقابلة هاتفية: «ما دام محمد بن سلمان يحظى بدعم قوى عالمية مثل الولايات المتحدة والإمارات وإسرائيل، فلا أعتقد أنَّه سيتغير». وأضافت بصوتٍ حازم لكنَّه متوتر: «ومع ذلك، يشعر بعض الناشطين وحلفاؤهم بأنَّه يجب عليهم الاستمرار في فعل كل ما بوسعهم».

وأضافت الدوسري: «محمد بن سلمان يضر نفسه في المقام الأول بملاحقة المجتمع المدني بهذه الطريقة العدوانية. ربما لم يكن العالم الغربي يهتم عند اعتقال رجال الدين فقط. لكنَّ اعتقال النساء والمسنين والأكاديميين الموقَّرين، الذين لم يتركبوا أعمالاً عنيفة، يتناقض مباشرةً مع خطابه عن التحديث والانفتاح. إنَّه لا يستطيع منع كل من يريد انتقاده لأنَّ العالم لم يعد يسير بهذه الطريقة. وحتى لو سجن كل الناشطين، فلقد بدأوا بالفعل عملاً سيستمر ولا يمكن إيقافه».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
خاشقجي قال لي: لقد أظهرت الحكومة أنَّها لم تكن سعيدة بي آنذاك.. كاتبة أمريكية تكتب عن "جهود السعودية في قمع المعارضة"

قصص ذات صلة