إلتقى الصحافي السعودي جمال خاشقجي صديقين له قبيل ساعات من التوجه إلى القنصلية
الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018

الغداء الأخير لجمال خاشقجي.. هذا ما قاله الصحافي السعودي لأصدقائه قبل ساعات من دخوله القنصلية السعودية

عربي بوست، ترجمة

كشفت صحيفة النيويورك تايمز الأميركية أن الصحافي السعودي جمال خاشقجي التقى صديقين لتناول الغداء، يوم الإثنين 1 أكتوبر/تشرين الأول 2018، ومناقشة نسخة أولية من مقالٍ صحافي كان قد كتبه لنعي غياب حرية التعبير في العالم العربي. وكتب خاشقجي في المقال: «الجميع خائفون».

لكن، يبدو أن خاشقجي، وفقاً لـصحيفة The New York Times الأميركية، لم تساوره مخاوف كثيرة بشأن خططه لليوم التالي: وهي الحصول على وثيقةٍ من القنصلية السعودية في إسطنبول؛ إذ نحَّى جانباً تحذيرات أصدقائه بأن انتقاده حكام المملكة العربية السعودية أثار عداوتهم، ما يجعل القنصلية مكاناً خطيراً على حياته.

ويتذكر عزام التميمي، أحد أصدقاء خاشقجي الذين رافقوه لتناول الغداء، ما قاله لهم عن فريق عمل القنصلية لطمأنتهم: «إنهم مجرد سعوديون عاديون. هم أناسٌ طيبون».

وفي ظهيرة يوم الثلاثاء 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، دخل خاشقجي القنصلية، ولم يره أحد منذ ذلك الحين.

وقال عدة مسؤولين لصحيفة The New York Times الأميركية ومؤسسات إخبارية أخرى، نقلاً عن مُحقِّقين أتراك، إن فريقاً مُكوَّناً من 15 عميلاً تابعين للمخابرات السعودية كانوا داخل القنصلية. وقال توران كيسلاسيكي، مدير رابطة الإعلام العربية-التركية، إن مسؤولين أخبروه بأن خاشقجي «قُتِلَ وقُطِّعَت أوصال جسده».

وتنكر سلطات المملكة هذه الاتهامات، وتؤكِّد أن خاشقجي غادر القنصلية بعد وقتٍ قصير من وصوله.

الخلاف حول مصير جمال خاشقجي يزعزع العلاقات بين تركيا والسعودية

وبحلول الأحد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2018، أصبح النزاع حول اختفائ خاشقجي يُهدِّد بزعزعة العلاقات بين اثنتين من أهم القوى الموجودة في المنطقة، وهما السعودية وتركيا. وإذا تأكَّد نبأ مقتله، فقد يؤدي هذا أيضاً إلى تقويض الحملة التي يقودها وليّ العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لرسم صورة له في الغرب كمصلحٍ واعد وحليفٍ يُعتَمَد عليه.

وطالب مسؤولون أتراكٌ السعودية، الأحد، بتفسير عدم ظهور خاشقجي مجدداً من القنصلية.

وقال ياسين أقطاي، مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، في حوارٍ تلفزيوني، الأحد: «هناك معلوماتٌ قوية. لن تبقى القضية دون حل».

ولم يُصرِّح المسؤولون الأتراك بهذه الاتهامات علناً، ولم يُقدِّموا كذلك أيَّ دليلٍ لدعم مزاعمهم، ما يثير تساؤلاتٍ عما إذا كانت أنقرة ستدعم هذه التسريبات أم أنها تسعى لتجنُّب معركةٍ مُكلِّفةٍ مع الرياض.

وقال مسؤولٌ تركي، تحدَّث شريطة إخفاء هويته، إن الحكومة تنتظر إكمال التحقيقات، لتعلن الدليل؛ بسبب الحساسية الدبلوماسية لهذه القضية. وأضاف أن الكشف الكامل عن ملابسات القضية سيحدث، في نهاية المطاف، من جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

حتى إن الرئيس التركي يتابع القضية بنفسه

وفي مؤتمرٍ صحافي عُقِدَ الأحد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2018، لم يتحدَّث أردوغان إلا بقليلٍ من الكلمات عن القضية؛ إذ قال: «أتابع القضية، وألاحق مجرياتها. ومهما كانت النتيجة فسنُعلم العالم بها».

وتلتزم السعودية بإنكارها التام الاتهامات، دون تقديم أي تفسير بديل يمكن تصديقه. ورفضت الرياض الاتهامات الصادرة عن مسؤولين أتراك، لم يعلنوا هوياتهم، باعتبار أن «لا أساس لها من الصحة»، وشكَّكَت «في كون هذه التصريحات صادرة عن مسؤولين أتراك مطّلعين على التحقيقات»، وفقاً لبيانٍ صادر عن القنصلية السعودية في إسطنبول.

وعلى النقيض، امتدحت السعودية تركيا لقبول طلبها التحقيق في اختفاء خاشقجي. وورد في بيان القنصلية: «تهتم المملكة بأمن ورخاء مواطنيها أينما كانوا».

وفي أميركا هناك العديد من المسؤولين أصدقاء لخاشقجي قلقين على مصيره

في واشنطن، شكَّلَ غموض القضية اختباراً للولاءات. فالعديد من المسؤولين الأميركيين، الحاليين والسابقين، أصدقاء لخاشقجي، الذي كان يقيم بالولايات المتحدة وعمل لدى السفارة السعودية هناك، وكان متحدثاً غير رسمي باسم القيادة السعودية قبل أن يصبح معارضاً لها. وأصبح خاشقجي، مؤخراً، كاتب مقالات لدى صحيفة The Washington Post الأميركية، ليُعزِّز بهذا تحوُّله من رجل المملكة السعودية الماهر إلى معارض لها.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاريه، ومن ضمنهم صهره ومبعوثه لدى الشرق الأوسط غاريد كوشنر، احتفوا بوليّ العهد السعودي كحليفٍ محوري، وعبَّر الرئيس الأميركي، مراراً، عن ثقته بالأمير الشاب بينما يُعزِّز سلطته.

وقال مسؤولون بوزارة الخارجية الأميركية فقط، إن الولايات المتحدة لا تستطيع تأكيد مصير خاشقجي، لكنها تتابع القضية.

في حين عبَّر آخرون عن قلقهم. وقال كريس مورفي، النائب الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، إن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تمارس أنشطةً تجارية كالمعتاد مع حليفٍ ينفّذ عمليات قتل مماثلة.

وكتب مورفي على موقع تويتر: «إذا كان هذا صحيحاً -أن السعوديين استدرجوا مواطناً يقيم بالولايات المتحدة إلى قنصليتهم وقتلوه- فإنه يجب أن يستدعي هذا قطيعةً جوهرية لعلاقتنا مع السعودية».

 

وقال تيم كين، النائب الديمقراطي عن ولاية فرجينيا: «يجب أن نعرف حقيقة ما حدث، لنفرض بعدها عواقب قوية. يجب وقف استهداف الصحافيين».

وحتى وقتٍ قريب، كان خاشقجي (59 عاماً)، نصيراً جوهرياً للنظام السعودي. وتخرَّج خاشقجي، طويل القامة ذو العينين المتهدِّلتين والذي كان رجلاً سهل الطباع، في جامعة إنديانا، وسرعان ما تسلَّق المناصب بالمؤسسات الإخبارية السعودية البارزة، التي تَعتبر حكّام العائلة المالكة السعودية القُرّاء الوحيدين المهمين.

وخلال الجهاد، المدعوم أميركياً وسعودياً، ضد الاتحاد السوفييتي بأفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، اشتهر اسم خاشقجي بعد إجرائه حواراً مع الزعيم المُتشدِّد أسامة بن لادن، الذي أسَّسَ لاحقاً تنظيم القاعدة. وأصبح خاشقجي أيضاً مساعداً موثوقاً به للأمير تركي الفيصل، الذي عمل رئيساً للاستخبارات السعودية وسفيراً لدى كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث عمل خاشقجي مستشاراً له.

أسهمت الاستقلالية النسبية، التي كان يتمتَّع بها خاشقجي، في تجاوز الحدود التي كانت السعودية تفرضها على حرية التعبير. فأقالته السلطات مرتين من منصبه كرئيسِ تحريرٍ لصحيفة «الوطن» السعودية بعد نشره مقالات تنتقد المؤسسة الدينية.

وبصفته رئيس قناة إخبارية سعودية جديدة تتمركز في البحرين، سمح خاشقجي لمُعارضٍ بحريني بالظهور على شاشتها في اليوم الأول للبث في 2015. وقُطِعَ البث الحي عن القناة في اليوم التالي، «لأسبابٍ تقنية وإدارية».

لكنَّ أياً من هذه المشاحنات لم تُلحِق ضرراً حقيقياً بمكانته لدى الديوان الملكي؛ إذ ظلَّ خاشقجي همزة وصل مع الصحافيين الأميركيين والدبلوماسيين الذين يبحثون عن تفسيراتٍ مُقنِعة لوجهات نظر الحكام السعوديين.

بعد تولي الأمير محمد بن سلمان منصب ولي العهد فرَّ خاشقجي إلى أميركا

بعد اعتلاء الملك سلمان العرش منذ 3 سنوات، بدأ ابنه المُفضَّل محمد في تعزيز سلطته. ورسم صورته كمصلحٍ -أضعف نفوذ الشرطة الدينية، وسمح للنساء بقيادة السيارة على سبيل المثال- في حين شنَّ حملةً قمعية طالت تيار المعارضة المعتدلة نسبياً والتي كان يُسمَح بها سابقاً.

فرَّ خاشقجي من السعودية إلى واشنطن، حيث أظهر نفسه في صورة المعارض الوفي الذي يدعم العائلة المالكة، لكنه ينتقد حربها في اليمن، وبعض السياسات الأخرى للمملكة.

وكتب خاشقجي في مقال رأي بصحيفة The Washington Post: «تركت وطني وعائلتي ووظيفتي لأرفع صوتي. إنْ فعلت غير ذلك، فإنني أخون من تخور قواهم في السجون. نحن السعوديين نستحق أفضل من هذا».

حاولت السلطات السعودية ضمَّه إلى صفها، واعدةً إياه بمناصب داخل الوطن، في حين هاجمته بضراوة على شبكة الإنترنت، باعتباره عميلاً مدعوماً من الخارج، ومُنِعَ بعض أقاربه من مغادرة السعودية، كما أدى منفاه إلى انفصاله عن زوجته.

لكن رغبته في الزواج بـ»تركية» دفعته لزيارة قنصلية بلاده

كان خاشقجي، الذي لدى عائلته جذورٌ تركية، يُخطِّط للزواج بسيدة تركية تدعى خديجة جنكيز، وهي طالبة دراسات عليا تُركِّز على سياسات دول الخليج العربية. فاشترى شقةً في تركيا وكان ينوي الانتقال إلى هناك. وتحدَّد موعد حفل زفافٍ صغير، لكن القانون التركي يتطلَّب الحصول على وثيقةٍ من القنصلية السعودية لإثبات أنه غير متزوج.

راجع خاشقجي القنصلية قبل حفل الزفاف بأسبوعٍ، ووجد طاقم العمل ودوداً. ويتذكَّر التميمي، صديق خاشقجي، ما قاله عنهم: «لقد فوجئوا وقالوا: أجل، سنفعل هذا من أجلك. لكن الوقت غير كافٍ حالياً لإتمام الأمر»، واتفقوا على أن يعود يوم الثلاثاء 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، إلى القنصلية.

رأت خطيبته أنه من الخطأ الاتفاق على اجتماعٍ مقدمٍ مع القنصلية. لكن خاشقجي نصحها بألا تقلق.

وقالت: «قال إنهم لن يجرؤوا على فعلِ أيِّ شيءٍ داخل الحدود التركية».

وقبل الموعد المُحدَّد يوم الثلاثاء، يقول مسؤولون أتراك حالياً إن 15 عميلاً سعودياً، بعضهم يحمل وثائق سفر دبلوماسية، وصلوا إلى إسطنبول على متن طائرتين.

وذهب خاشقجي وخديجة إلى القنصلية، يوم الثلاثاء، في الـ 1.30 مساءً. وانتظرته في الخارج، وظلَّت تنتظره حتى منتصف الليل

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
الغداء الأخير لجمال خاشقجي.. هذا ما قاله الصحافي السعودي لأصدقائه قبل ساعات من دخوله القنصلية السعودية