وقعت الدنمارك ضحية نظام صفقات الأرباح السريعة الذي يعني تقاطع نظام الضرائب وأسواق رأس المال
الإثنين, 10 ديسمبر 2018

أين ذهبت أموال الدنمارك؟ صحيفة أميركية تكشف أساليب الاحتيال المسماة «صفقات الأرباح السريعة» التي تنطلق من دبي

عربي بوست، ترجمة  

وقعت الدنمارك ضحية مناورة مريبة استغلت نقطة تقاطع نظام الضرائب وأسواق رأس المال وهي مناورة معقدة بشكل مذهل تتعلق بشراء الأسهم قبل توزيع أرباحها بمدة قصيرة وبيعها بعد توزيعها مباشرةً (صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة)، تُعرف اختصاراً بصفقات «Cum-ex».

يقول ممثلو الادعاء في كوبنهاغن إنَّها كانت خدعة متقنة كلفت دافعي الضرائب في نهاية المطاف أكثر من ملياري دولار؛ وهو مبلغ مذهل بالنسبة للدنمارك، إذ تعادل خسارته خسارة مبلغ بقيمة 110 مليارات دولار في الاقتصاد الأميركي الأكبر. حسبما قال تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

وتظهر الوكالة الضريبية الدنماركية التابعة لسلطات الضرائب الدنماركية (SKAT) كما لو كانت مكاناً مستبعداً لارتكاب ما تُطلق عليه السلطات إحدى الجرائم المالية الكبرى في تاريخ البلاد لكن الواقع غير ذلك  فبدءاً من عام 2012 لمدة ثلاث سنوات، تدفقت الكثير من الأموال من أحد مكاتبه وبدا كأنَّها تسقط في حفرةٍ ما.

تنتشر صفقات الأرباح السريعة المشبوهة في الدنمارك بشكل روتيني

تركز صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة على واحدةٍ من العمليات الروتينية المعتادة التي لا تخضع لتدقيقٍ كبير في أي نظام مالي، وهي طلب استرداد أموال الضرائب المُستقطعة من الأرباح الموزعة. فبموجب القانون الدنماركي، تجمع الحكومة تلقائياً الضرائب على الأرباح الموزعة التي تدفعها الشركات لحاملي الأسهم. وإذا كان حملة الأسهم يعيشون في الولايات المتحدة، فإنَّهم يكونون مؤهلين لاسترداد بعض هذه الضرائب أو جميعها.

وافق قسمٌ صغير في سلطات الضرائب الدنماركية يديره رجلٌ واحد على الآلاف من طلبات استرداد الأموال. قدمت معظم هذه الطلبات خطط معاشات ذاتية الإدارة في الولايات المتحدة، وهو نوع من حسابات التقاعد للأفراد.

لكنَّ الخبراء والمحامين المطلعين على الخطة يقولون إنَّ هؤلاء الناس كانوا مجرد واجهاتٍ تخفي صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة. وبتنفيذ نوعٍ من الخدعة المالية، جعلت هذه الصفقات الأمر يبدو كما لو أنَّ خطط التقاعد قد اشترت أسهماً من شركاتٍ دنماركية ودفعت ضرائب على الأرباح الموزعة، لكن لم يكن أيٌّ من ذلك صحيحاً.

وهناك قصة شهيرة في الدنمارك لشخص يدعى سانجاي شاه بخصوص هذه الأرباح المشبوهة

بالنسبة إلى الدنماركيين، كان ذلك احتيالاً ارتكبه سانجاي شاه، وهو ممول يبلغ من العمر 48 عاماً ولد في لندن. فبمساعدةٍ من الموظفين، وجد الأميركيين، وساعد على تسهيل الطلبات، ما أدى لاستيلائه على مبالغ طائلة.

إلا أنَّ شاه ينفي ارتكاب أي خطأ، ويقول وكيله نيابةً عنه إنَّ كل ما فعله هو الاستفادة من إحدى الثغرات. وهو يعيش الآن في دبي، حيثُ يملك يختاً قيمته 1.3 مليون دولار، إضافةً إلى فيلا تبلغ مساحتها 3 آلاف متر مربع تطل على الشاطئ. وأصبح شاه نموذجاً للشر في الدنمارك.

وقال يواخيم أولسن، عضو البرلمان الدنماركي ورئيس لجنة المالية: «هذا الرجل يعيش على أموال الاحتيال. هذا يثير الغيظ! يتوقع الشعب الدنماركي منا أن نلاحقه مهما كانت التكلفة».

ومنذ شهر مايو/أيار، شملت هذه التكلفة التعاقد مع شركة محاماة أميركية لمقاضاة 277 من خطط التقاعد ذاتية الإدارة ومالكيها الذين تقدموا بطلباتٍ لاسترداد الضرائب، لكنَّ الخسارة الحقيقية لهذه الفضيحة لا يمكن قياسها بالمال.

إذ قوضت تلك الحادثة الثقة في السياسة الدنماركية، وهزت بشدة صورة البلاد عن نفسها بصفتها معقلاً لحكومةٍ نزيهة وفعالة. ثم جاءت فضيحة غسل أموال وصلت إلى 230 مليار دولار في بنك دانسكي، أكبر بنك في البلاد، لتزيد الطين بلة.

ما جعل كارثة الأرباح الموزعة أكثر إيلاماً هو أنَّ الكثيرين هنا يعتقدون أنَّها كانت نتيجة لسوء استغلال الوظيفة. كان الموظف الوحيد الذي وافق على طلبات استرداد الضرائب هو موظف حكومي يدعى سفين نيلسن.

وبعد تحقيقٍ مطول، علمت الشرطة أنَّ نيلسن أمضى بعض أمسيات الأنس واحتساء الخمر مع أحد موظفي شاه، على الرغم من أنَّهم لم يعثروا على أي دليلٍ على تواطئه أو استفادته مما حدث بأي شكلٍ من الأشكال.

وبدلاً من ذلك، اكتشفوا أدلةً على أنَّ نيلسن ساعد منذ سنوات صديقاً قديماً على خداع سلطات الضرائب الدنماركية في عملية احتيال صغيرة نسبياً. وأعرب محامي نيلسن عن رفضه الإدلاء بتعليقاتٍ من الحبس، حيثُ يقضي الآن حكماً بالسجن ست سنوات بتهمة الاحتيال الجنائي في هذه القضية.

والذي يروج للناس أنه فاعل خير يدعم مرضى التوحد من خلال حفلات في مدينة دبي

يظل الدنماركيون أمام واحدةٍ من أكثر المعضلات الغامضة التي تشبه روايات الجرائم المعقدة، وهي معضلة مليئة بالمهازل والتفاصيل المثيرة للغضب. هل نيلسن شريك متآمر، أم مخادع؟ هل هو مجرم أم رجل مهووس بما حوله من اهتمام لدرجة أنَّه لم يعد يفكر بشكلٍ سليم؟

أما المعضلة الأخرى فتتعلق بشاه، الذي يروج لنفسه الآن باعتباره فاعل خير، ويجمع الأموال بهدف مساعدة مرضى التوحد من خلال الترويج لحفلاتٍ موسيقية في دبي يحييها فنانون مثل فلو ريدا وليني كرافيتز. ومع أنَّ السلطات الدنماركية اعتبرته رسمياً مشتبهاً به، لكن لدهشة جميع الدنماركيين لم تُوجَّه أي تهمٍ جنائية ضده.

وامتنع متحدث باسم المدعي العام للدولة المعني بالجرائم الاقتصادية والدولية الخطيرة عن إبداء السبب. وبدلاً من ذلك، وبتحفظٍ إسكندنافي صارم، قال فقط إنَّ القضية تشمل أشخاصاً «يبدو أنَّهم استخدموا خطةً ماكرة للغاية».

رفض شاه إجراء مقابلة معه لهذه المقالة. لكن لتوضيح جانبه مما حدث، قدم وكيل الدعاية الخاص به رسالةً من 14 صفحة مكتوبة بخط اليد لخصت حياته المهنية. وللحصول على تفاصيل شخصية إضافية، هناك سلسلة من مقاطع الفيديو الذاتية التي نشرها قبل عامين على يوتيوب بعنوان «أنا سانجاي شاه».

في كلٍ منها، يجلس في غرفة معيشة واسعة في منزله بدبي، ويتأمل في حياته وفلسفته في العمل، متجنباً أي شيء قد يثير الجدل. يبدو للمشاهد العادي مغترباً متفائلاً في منتصف عمره، يحمل ولعاً ثابتاً تجاه الموسيقى. بعد أزمة منتصف العمر، أسس فريق Autism Rocks وأصبح مروجاً للحفلات بدوامٍ جزئي، ونجح في وقتٍ ما في التعاقد مع مغنيه المفضل برنس لإحياء إحدى الحفلات. يميل شاه أيضاً إلى الإسراف بعض الشيء. في أحد الفيديوهات، قال إنَّ السيارات الرياضية المركونة خارج مكتبه في ميريل لينش، حيثُ كان يعمل في وقتٍ مبكر، ألهمته التفكير في مهنةٍ جديدة.

يحكي في الفيديو: «قلتُ لرئيسي: من يقود هذه السيارات؟ فأجاب: التجار في الطابق الخامس. لذلك قررت أنَّني أريد أن أكون واحداً من هؤلاء الناس».

وبعد أن عمل في لندن اكتسب خبرة في صفقات الأرباح السريعة

نشأ شاه في لندن لأبوين من أصلٍ هندي كانا قد هاجرا من كينيا، ثم ترك الجامعة في عام 1992 بسبب أنَّه كان يفتقر إلى الحافز، وعمل في عددٍ من الشركات المالية الكبيرة. وفي عام 2007، حصل على وظيفة في الفرع اللندني للشركة الهولندية Rabobank، وأصبح مسؤولاً عن موازنة الأرباح الموزعة.

هناك تعرف على صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة أو صفقات «Cum-ex». والمصطلح هو المقابل اللاتيني لـ»مع-بدون»، ويشير إلى حالة الأسهم قبل وبعد إصدار الأرباح الموزعة، بعد ذلك، أصبحت هذه الصفقات محور حياة شاه المهنية سريعاً.

في وقت الأزمة المالية العالمية، أغلقت الشركة مكتبها لموازنة الأرباح الموزعة. وبينما كان الزملاء السابقون يتدافعون للبحث عن وظائف في مجالات أخرى، فتح شاه بشجاعة شركته الخاصة Solo Capital، وأقام فيها مكتباً عمل به 8 موظفين. في الوقت ذاته، فعل شيئاً غير معتاد بالنسبة إلى رجلٍ يبدأ لتوه نشاطاً تجارياً في لندن، وهو انتقاله هو وأسرته إلى دبي «من أجل الطقس وأسلوب الحياة بشكلٍ أساسي»، كما أوضح في شريط فيديو.

ومع تدهور الاقتصاد في جميع أنحاء العالم، وجد شاه نفسه في واحدةٍ من القطاعات القليلة المستمرة في النمو في القطاع المصرفي. وأصبحت صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة ممكنةً بفضل المعاهدات الضريبية بين الدول، وهي الاتفاقيات التي تهدف إلى منع الازدواج الضريبي. عقدت الدنمارك مثل هذه المعاهدة مع الولايات المتحدة.

فشل المنظمون الحكوميون في جميع أنحاء أوروبا في التنبؤ به هو أنَّ استرداد ضرائب الأرباح الأجنبية الموزعة يمكن أن يسفر عن أرباحٍ هائلة ومريبة. وبعد الانهيار المالي، سعت عشرات البنوك الألمانية اليائسة للحصول على مصدرٍ جديد للأرباح لتيسير صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة، التي تغذيها رؤوس الأموال من جميع أنحاء العالم.

جنى التجار أكثر من 11 مليار دولار وفقاً للمسؤولين هناك. وجنت صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة ثروات من الحكومات في النمسا وبلجيكا وسويسرا أيضاً.

استغرقت السلطات الألمانية، التي حظرت هذه الممارسات عام 2012، سنوات لاكتشاف ما أصابهم. أُودعت أول لائحة اتهام ضد صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة في البلاد في مايو/حزيران.

وقال باستيان فينكل، محامي ضرائب في شركة BLD القانونية في مدينة كولونيا الألمانية، «لقد تبين أنَّها واحدة من أكبر الفضائح المالية التي شهدتها أوروبا على الإطلاق، وهي الأشد إيلاماً لأنَّها تتعلق بالأموالٍ العامةٍ».

في أعقاب خسائرهم، لم تهتم السلطات في ألمانيا بتنبيه الدول الأخرى، وانتقل المضاربون إلى أماكن أخرى. وتبيَّن أنَّ هدفهم الأكبر كان الدنمارك.

وبموجب شروط اتفاقية الضرائب الأميركية – الدنماركية، فإنَّ الأميركيين الذين يمتلكون أسهماً في شركة Carlsberg، على سبيل المثال، يمكنهم استرداد كل أو جزء من نسبة الـ27٪ التي جرى حجبها بسبب الضريبة على أرباح الأسهم. حسابات التقاعد تحصل على أفضل المزايا. يحصلون على استرداد نسبة الـ 27%  كاملةً.

وتمدد نشاطه فاستعان بأشخاص من الولايات المتحدة الأميركية

ولزيادة حجم ونطاق صفقات «الأرباح السريعة» المشبوهة، احتاج شاه إلى أفرادٍ في الولايات المتحدة لديهم خطط تقاعدية ذاتية التوجيه، وهو نوع من حسابات التقاعد يسمح للمالكين بالاستثمار في مجموعة واسعة من السندات المالية. بحلول عام 2012، وجد أكثر من 12  منهم، وهو العدد الذي تبين أنَّه يكفيه ويزيد.

أصبحت أسماء هؤلاء الأميركيون، الذين يمتلكون خطط المعاشات الذاتية التوجيه، متاحة للجميع هذا الصيف عندما رفعت السلطات الدنماركية دعاوى ضدهم، أملاً في استرداد الأموال المفقودة. لم يجر الكشف عن كيفية ارتباط هؤلاء بشركة Solo Capital. سيقول وكيل الدعاية الخاص بشاه فقط إنَّهم جاءوا عبر شركات استشارية لإدارة الثروات.

هناك أنماط ديموغرافية لاختيارهم. يعيش معظمهم في الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ومجموعات أخرى في نيويورك ونيو جيرسي وفلوريدا. استخدمت خمس خطط تقاعدية مختلفة ما على الأقل نفس العنوان البريدي، 425 غرب شارع 23، شقة 7 بي، مدينة نيويورك، بولاية نيويورك. لم يسمع المستأجر الحالي قط عن الدعاوى القضائية الدنماركية، لكنَّه قال إنَّه تلقى بريداً لأحد المتهمين، غافن كريسينزو، وهو مستأجر سابق.

جميع المتهمين تقريباً لديهم وظائف في مجال الموارد المالية، على الرغم من أنَّ أحدهم ويدعى مايكل بن جاكوب، شريك في شركة محاماة مرموقة تحمل اسم Arnold & Porter. وامتنع جاكوب عن مناقشة القضية، وقالت متحدثة باسم الشركة إنَّها لا تعلق على الدعاوى قيد التحقيق.

ترتبط أسماء كثيرٍ من الأشخاص بعشرات الأنظمة التقاعدية، لذا فهناك 277 دعوى قضائيةً وتقريباً 17 متهماً. على سبيل المثال، دشَّن روجر ليمان (30 عاماً) 44 خطة تقاعدية في عدد قليل من الولايات، حملت أسماء مثل خطة Ludlow Holdings 401K وHotel Fromance Pension.

حتى أنه عمل مع 200 شخص من أصحاب الخطط التقاعدية المهتمة بالاحتيال

قال شاه على لسان المتحدث الخاص باسمه إنَّ شركة Solo Capital عَمِلَّت مع 200 من هذه الخطط التقاعدية. ورفض تحديد أيٍ منه.

لم يرد أيٌ من المتهمين على طلبات للتعليق. ومع ذلك في يوليو/تموز جاء ردٌ دون طلب عن طريق البريد الإلكتروني، من شركة محاماة في لوكسمبورغ  يدعى Schaffelhuber Müller & Kollegen. ذكرت شريكة هناك تدعى هيلين شفيرينغ أنَّ عملاءها، الذين لم تذكر أسمائهم، سيقدِّرون «إذا امتنعتم من الآن عن محاولة الاتصال بهم».

وعلى الورق، استحوذ أصحاب الخطط التقاعدية على أكثر من ملياري دولار من سلطات الضرائب الدنماركية. لكن في الواقع، ربما حصل هؤلاء الأشخاص على القليل من المال أو لم يحصلوا على شيء على الإطلاق.

هذا، على الأقل، هو انطباع جون هاناميريان، محامي المدعِين في نيوجيرسي. مثَّل المدعَى عليهم في أكثر من 50 قضيةً حتى منتصف يوليو/تموز، ثم ملأ فجأةً أوراقاً قانونيةً لينسحبه من معظم القضايا الخاصة بالمدعَى عليهم باستثناء قلة منها.

كشف انسحاب هاناميريان الكثير. ذكروا أنَّه لم يتلق أتعابه عن طريق المتهمين المذكورين في الدعاوى، وبدلاً من ذلك يدفع الأتعاب «مكتب محاماة في لوكسمبورغ» على حد وصفه. وكتب أنَّ هذا المكتب لم يقدم الملفات المطلوبة عن المتهمين على الرغم من طلباته المتكررة.

في مقابلة معه، أوضَّح هاناميريان أنَّ مكتب لوكسمبورغ هو الذي أرسل البريد الإلكتروني المفاجئ الذي يطلب عدم محاول الاتصال بالمتهمين في القضايا.

وقال هاناميريان: «احتجت إلى وثائق تتضمن معلومات بشأن بتورطهم، أياً كانت -بيانات مصرفية، وبيانات استثمار، واتصالات. لم يكن المكتب ليفعل ذلك. وقالوا: سنلتقي بك أولاً، في يوم استئناف الإجراءات (القضائية). وأجبت بأنَّ هذا غير مقبولٍ بالنسبة لي».

تحدث هاناميريان، قبل انسحابه من القضايا، مع عدد قليل من العملاء الذين أبلغوه أنَّ الأموال دخلت إلى حساباتهم ثم نُقلت منها على الفور. لا يعرف هاناميريان إنَّ كان المتهمون حصلوا على أمولاً نظير هذه العمليات أم لا، كذلك لا يعلم الوجهة النهائية للأموال.

وقال: » لا أريد أن يؤثر أيٌ من هذا (سلباً) على عملائي السابقين، ولكن الأمر برمته كان غريباً».

في عام 2013، كان كل ما يقف بين شركة Solo Capital ووزارة المالية الدنماركية، رجلٌ مخضرمٌ أبيض الشعر من سلطات الضرائب الدنماركية يُدعي سفين نيلسن. كان نيلسن آخر شخص في إدارة توزيع أرباح الأسهم بعد تقاعد اثنين من زملائه.

ومما عقد من الأمور أنَّه كان يفتقر إلى الأدوات اللازمة لاتخاذ أبسط الاحتياطات الأساسية اللازمة عند مراجعة طلبات استرداد أموال الضرائب المدفوعة.

كانت الوكالة الضريبية الدنماركية في خضم أحد الإصلاحات التي تستغرق سنوات طويلة وغالباً ما تنتهى نهاية كارثية، بهدف رقمنة النظام وتقليل عدد الموظفين.

كانت الأولوية في مساعدة دافعي الضرائب الدنماركيين، لا أصحاب الأسهم الأجانب. لم يكن لدى نيلسن حتى قاعدة بيانات للتحقق مما إذا كانت خطط المعاشات الفردية لها في الواقع عدد الأسهم التي يدعيه صاحبها، وذلك على حد قول ليزبيث رومر، التي كانت مديرة نيلسن حتى تقاعدها عام 2013.

وقالت ليزبيث: «وظيفة سفين تضاءلت لتقتصر على مسك الدفاتر، وبشكل أساسي، التأكد إذا ما كان نموذج ما قد مُلئ بصورةٍ ملائمة. كل الأمر سهلاً وبسيطاً للغاية».

كانت هناك مشكلة أخرى لم يعلم بها أحد في ذلك الوقت: كان من الممكن إقناع نيلسن بمخالفة القانون. فعندما بحثت الشرطة الدنماركية في منزله بعد الكشف عن قضية شركة Solo Capital، وجدوا خطاباً يُظهر أنَّه ساعد صديقاً قديماً عام 2007 بتأمين مبلغ 5.7 مليون دولار، بشكل غير قانوني، من سلطات الضرائب الدنماركية. (تعرف الرجلان على بعضهما منذ الأيام التي كان يعمل فيها نيلسن عملاً إضافياً في توزيع الجرائد). وفي شهر ديسمبر/كانون الأول، أدان المدعون نيلسن بالاحتيال لحصوله على رشوة بقيمة 315 ألف دولار مقابل جهوده.

ويقول المدافعون عن نيلسن إنَّه في الأساس إنسان ذا خُلُق ارتكب خطأ فادحاً تحت ضغطٍ من صديق. وسواء صح هذا الأمر أو لا، فإنَّ نيلسن قد حظي بصديقٍ جديدٍ عام 2014، وهو الوقت نفسه الذي ارتفعت فيه بصورة كبيرة إيرادات سلطات الضرائب الدنماركية من توزيع أرباح الأسهم.

كان اسم هذا الصديق كاميلو فارغاس. كان فارغاس يعمل في لندن، بصفته واحداً من عدد قليل من «وكلاء سحب الأرباح»، وهي شركات متخصصة في إنهاء مجموعة من المعاملات الورقية المقدمة لسلطات الضرائب الأجنبية لاسترداد أموال الضرائب المدفوعة سابقاً.

وكان فارغاس قد أنشأ لتوه شركته الخاصة، التي سماها Syntax GIS. وسرعان ما بدأت الشركة عملها، وبدأت بالعمل مع سانجاي شاه، الذي اشترى الشركة في نهاية المطاف.

أثناء الرحلات الأولى الكثيرة إلى كوبنهاغن، لجأ فيرغاس إلى نيلسن، طلباً لإرشادات حول كيفية ملء طلبات استرداد أموال الضرائب الدنماركية. وما عُرَّف من هذه الاجتماعات مصدره المقابلة الصحفية الواحدة التي أدلى بها نيلسن، في فيلم وثائقي عام 2016 أذيع على قناة DR، وهي النسخة الدنماركية من هيئة الإذاعة البريطانية (BBC). بدا وكأن نيلسن قد أطربه الاهتمام، وكان سعيداً لتقديم النصيحة.

وبالقدر ذاته من السعادة قبل دعوات للعشاء. وقد وصف نيلسن في المقابلة الصحفية أمسية مرحة شَرب فيها البيرة مع فارغاس في منطقة شعبية في وسط مدينة كوبنهاغن.

وقال نيلسن، في إشارة إلى شارع شهير للمشاة: «تمشينا في ستروغيت، وتوقفنا عدة مرات».

كانت هذه الصداقة مربحة بشكل خيالي. إذ دُفِّع أكثر من 590 مليون دولار لـ 1500 استمارة استرداد أموال ضرائب عام 2014. وتعتقد السلطات الدنماركية أنَّ معظم هذه الطلبات جاءت من زبائن شركة Solo Capital. وفي الشهور السبعة الأولى من عام 2015، ارتفع الرقم إلى حوالي 1.2 مليار دولار، دُفع إلى أكثر من 2500 طلب، بمعدل يصل إلى 16 طلباً في كل يوم عمل.

لكن على ما يبدو نيلسن لم يخطر بباله قط أنَّ فارغاس كان يتلاعب به.

وقال نيلسن في الفيلم الوثائقي، بحزنٍ شديدٍ: «لم يخطر ببالي قط، في أي وقت أنَّه كان يريد خداعي أو الغش بأي طريقة. لكن اليوم، هذا ما يمكن أن يبدو عليه الأمر».

تعذر تحديد مكان فارغاس للتعليق. واستأجر المنتجون في DR باحثاً لإيجاده، لكن دون جدوى.

وفي صيف عام 2015، حققت وتيرة الطلبات طفرة نهائية. ففي شهر يوليو/تموز وحده، جرى صرف 500 مليون دولار من المبالغ المستردة، بما يعادل نحو 25 مليون دولار لكل يوم عمل، وثلاثة ملايين دولار كل ساعة.

وربما كان لدى شاه حدس بأنَّ آلة استرداد الضرائب الدنماركية سوف تتوقف عن العمل. والتقى في شهر مايو/أيار 2015، في لندن، بمن كان في حينها مسؤوله الجديد للامتثال في شركة Solo Capital، نافين خوخراي. وكما عبَّر شاه في الخطاب المكتوب بخط اليد الذي قدمه لوكيل الدعاية الخاص به، فإنَّ خرخراي قد عبر عن تحفظاته العميقة حول عمل Solo Capital، وأخبر رئيسه أنَّه غير متأكد «إذا ما كانت الشركة تقوم بالعمل على نحوٍ صحيح». وأكد له شاه أنَّه قد حصل على جميع التصاريح القانونية اللازمة.

ويبدو أنَّ خوخاري لم يقتنع، إذ استقال بعد فترةٍ قصيرة. وقد ذكر شاه في الخطاب المكتوب نفسه بخط اليد أنَّ موظفه السابق «قد بعث بخطاب يكشف الفساد إلى هيئة الإيرادات والجمارك البريطانية (HMRC)، زعم فيها أنَّ شركة Solo قد اختلقت حسابات زبائن وسجلات تجارية وهمية للاحتيال على سلطات الضرائب في الدنمارك وبلجيكا».

في شهر أغسطس/آب 2015، توقف فيضان الأرباح من سلطات الضرائب الدنماركية، لكن لم يكن ذلك بسبب تحذير أي شخص من داخل الوكالة، وإنما بمساعدة الحكومة البريطانية لإنهاء هذا المخطط، وذلك بحسب عدة سياسيين دنماركيين. ولاحقاً أغارت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في بريطانيا على مكاتب شركة Solo في لندن، وبحلول شهر يوليو/تموز 2016 أغلقت الشركة.

في ذلك الوقت، قال شاه إنَّه لم يفعل أي شيء غير لائق. وقال لصحيفة Borsen الدنماركية: «لو كانوا قد اتهموا مصرفاً كبيراً مثل Goldman Sachs، لكان المصرف قد رد بفريق كبير من المحامين. وكذا، فمن السهل استهداف فرد واحد».

تحاول السلطات الدنماركية كشف أعمال شاه منذ أكثر من ثلاث سنوات. ويعتقد الخبراء أنَّ الكثير من طرق عمله قد كُشفَّت عام 2017 عندما استخدمت الشرطة في ألمانيا، التي تصرفت بناء على طلب من الدنماركيين، مذكرة تفتيش لفحص سجلات مصرف North Channel Bank، وهو مصرف صغير في ماينز، وهي مدينة خارج فرنكفورت. وقد وجد فريق مكون من 60 محققاً أنَّ المصرف قد استخدمه 27 من الأميركيين أصحاب خطط التقاعد، التي تلقت في نهاية المطاف ما يصل مجموعه إلى حوالي 168 مليون دولار من سلطات الضرائب الدنماركية.

ما وجده المحققون آنذاك هو أنَّ هذه الحسابات لم تكن تملك في الواقع أي أسهم في شركات دنماركية، وذلك بحسب الأستاذ كريستوف شبينغل، الذي كان يعمل مستشاراً للبرلمان الألماني خلال عملية التحقيق في هذه التداولات المريبة. ودرس شبينغل نتائج تحقيق North Channel، الصادرة في تقرير للمدعي العام لإحدى المقاطعات الألمانية. وقال إنَّ الخطط السبعة وعشرين قد أجرت تداولت بالأساس مع بعضها بعضاً. إذ كان أحدها يقدم طلباً للبيع المكشوف لحصة قليلة من الأسهم الدنماركية –وهو بالأساس وعد لشراء الأسهم بمجرد انخفاضها إلى أقل من سعر بعينه.

بعد ذلك بفترة وجيزة، كان شخص آخر من أصحاب الخطط السبعة وعشرين يعرض شراء تلك الأسهم المعروضة للبيع المكشوف. وكان أمر الشراء المفتوح هذا، وهو في الأساس وعدٌ بشراء الأسهم التي ما زالت الخطة الأخرى لم تملكها بعد، دليلاً كافياً لسلطات الضرائب الدنماركية للموافقة على رد أموال الضرائب. وفور إصدار الموافقة على رد أموال الضرائب، كان يُلغى طلب الشراء.

قال شبينغل: «لم يكن هذا معاملة (بالأوراق المالية)، ولم تكن تخطيطاً للضرائب، وإنما كان هذا احتيالاً».

وأكدت متحدثة باسم North Channel، أنَّ المصرف كان يتعاون مع السلطات وليست لديه أي تعليقات.

وأوضح شبينغل أنَّه بعدما كانت الأموال تحوَّل إلى مصرف North Bank، فقد تغير الأمر ليجري تحوليها إلى مصرفين، الأول في لندن، والآخر في ألمانيا. وأخيراً، كانت تُرسل إلى حسابات يتحكم فيها شاه وزوجته، أوشا.

وقال جاك إرفين المتحدث باسم شاه إنَّ أياً من ذلك كان صحيحاً.

وكتب إرفين في رسالة إلكترونية: «ليس لأي من Solo أو سانجاي أي علاقة بمصرف North Channel Bank، لذا يبدو أنَّ ثمة خطاً ما، وهو أمر ليس غريباً في هذه الحالة».

كان هناك غضب في الدنمارك بسبب فضيحة سلطات الضرائب الدنماركية هذه، لكنَّ التبعات حتى الآن محدودة إلى حدي مثير للدهشة. لم يُفصَّّل أي وزير. وجرى الاستغناء عن المسؤول عن سلطات الضرائب الدنماكرية في شهر أغسطس/آب 2016، على الرغم من أنَّ ممؤامرات شاه كانت واحدة من عدد من القضايا. وأصدر وزير العدل، في شهر فبراير/شباط، أمراً بفتح تحقيق جديد حول الكارثة السابقة، قد يستغرق سنوات. أما الآن، فيبدو أنَّ الساسة هنا يركزون على البراغماتية بدلاً من توجيه الاتهامات.

وأوضح جيسبر بيترسن، عضو الحزب الديمقراطي الاجتماعي المعارض: «في الماضي، سقطت حكومات بسبب تحقيقات مثل هذه. لكن لم نكشف حتى الآن أي وزير رأى دليلاً على هذه المشكلة وتجاهله».

أما سانجاي شاه فهو مشغول بمشكلاته الجديدة. ففي منتصف شهر سبتمبر/أيلول، أصدر أحد قضاة محكمة العدل العليا في لندن حكماً غيابياً بغرامة بقيمة 1.3 مليار دولار ضد Solo Capital وشركة أخرى تمتلكها تدعى Elysium Global، وذلك في قضية أقامتها سلطات الضرائب الدنماركية بتهمة الاحتيال. وقال المتحدث باسم شاه إنَّ موكله لم يستجب للدعوى القضائية لأن كلتا الشركتين يسيطر عليها الآن المصفون.

وقال أيضاً إنَّ بريطانيا وألمانيا والإمارات قد جمدت جميعها، بتحريض من المسؤولين الدنماركيين، أصولاً يمتلكها شاه بقيمة 660 مليون دولار، وإن لم يجر مصادرتها، مضيفاً أنَّ هذه الشدة المالية كانت كافية لإجبار شاه على عرض منزله للبيع. وقال إنّ شاه لا يسافر بدافع الحذر.

وقال هنينغ سورنسن، أستاذ القانون المساعد بجامعة جنوب الدنمارك، إنَّ المخاوف بشأن الاعتقال والترحيل لها ما يبررها.

وأضاف سورنسن: «شاه في أمان طالما بقي في دبي. إنَّه مثل طائر يعيش في قفص ذهبي».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
أين ذهبت أموال الدنمارك؟ صحيفة أميركية تكشف أساليب الاحتيال المسماة «صفقات الأرباح السريعة» التي تنطلق من دبي