السبت, 19 يناير 2019

تجميد البرلمان الجزائري وتغيير قادة الجيش.. تمديد لولاية بوتفليقة الحالية أم ضغط لتمرير القوانين المغضوب عليها؟

رياض معزوزي (الجزائر) عربي بوست

حركة غير عادية تشهدها البوابة الرئيسية لمبنى البرلمان الجزائري على الواجهة البحرية للولاية، منذ قرار 5 مجموعات برلمانية لأحزاب السلطة (جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وتجمُّع أمل الجزائر، والحركة الشعبية، والأحرار)، في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2018، تجميد البرلمان الجزائري.

ولن يتمكن الجزائريون، الخميس 4 أكتوبر/تشرين الأول 2018، من متابعة أشغال الجلسات العادية للبرلمان، بعد تجميد البرلمان الجزائري ونشاط اللجان والكتل البرلمانية.

التحرك الكبير لممثلي المجلس الشعبي الوطني الجزائري هذه الأيام، بحسب البرلمانية من الحزب المعارض «حركة مجتمع السلم» فريدة غمرة، غير عادي، «فمن الباب الرئيسي دخول العشرات، وفي الداخل مكاتب واجتماعات مغلقة».

وحتى أيام الجلسات البرلمانية، تقول غمرة لـ»عربي بوست»، «لَم يشهد مبنى البرلمان كل هذه الحركة والحضور القوي لأعضاء المجلس، وحتى نحن لم نتمكن من إيداع أعمالنا وبث انشغالات المواطنين بعد قرار عدد من اللجان والبرلمانيين تجميد العمل».

ما يشهده مبنى البرلمان هذه الأيام من تحركات غير عادية، كان قد شهدها مبنى وزارة الدفاع الوطني في الأشهر الثلاثة الأخيرة، بعد سلسلة التغييرات الثقيلة التي مسَّت المؤسسة العسكرية.

كما شهد مبنى وزارة الداخلية والجماعات المحلية، الصورة نفسها بعد سلسلة التغييرات التي قام بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على مستوى الولايات، ومسَّت ولاة الجمهورية في 18 ولاية، وعدداً من الأمناء العامين.

«ارحل يا بوحجة»

اتهمت المجموعات البرلمانية بوحجة باتخاذ قرارات انفرادية/ خاص

في 28 سبتمبر/أيلول 2018، أودعت المجموعات البرلمانية لأحزاب «جبهة التحرير الوطني»، و»التجمع الوطني الديمقراطي»، و»تجمُّع أمل الجزائر»، و»الحركة الشعبية والأحرار»، وثيقة تطالب رئيس البرلمان الجزائري، السعيد بوحجة، بالاستقالة.

وحملت الوثيقة إمضاء 380 عضواً من أصل 462 برلمانياً يمثلون الغرفة السفلى في المجلس الشعبي الوطني الجزائري، أغلب هؤلاء الأعضاء، بحسب المحلل السياسي والأستاذ بجامعة الجزائر محمد لعقاب، هم رؤساء اللجان والمجموعات البرلمانية.

ما يجعل من هذا التحرك، بحسب المتحدث لـ»عربي بوست»، «له وزنه في الوجه العام للسياسة بالجزائر؛ لأن أغلب الموقِّعين على وثيقة طلب رحيل السعيد بوحجة هم من يسيّرون البرلمان من الأول، وهم من الأحزاب الداعمة للسلطة منذ سنوات».

وحسب وثيقة سحب الثقة و تجميد البرلمان الجزائري، فإن هذه الخطوة جاءت بعد تسجيل عدد من المخالفات التي ارتكبها السعيد بوحجة؛ أبرزُها «التهميش المفضوح وغير المسؤول لنواب رئيس المجلس الشعبي الوطني، خاصة ما يتعلق بالقرارات دون أدنى مشاورة ودون الرجوع إلى أحكام النظام الداخلي».

وكذا «تعمُّد التأثير على التصديق على قانون النظام الداخلي، وسوء التسيير، مع تسجيل خروقات رئيس المجلس للنظام  الداخلي للمجلس، وعدم احترام التمثيل النسبي للأحزاب في تعيين البعثات النيابية لخارج الوطن».

كما اتهمت المجموعات البرلمانية رئيس البرلمان، السعيد بوحجة، بـ»تعدُّد القرارات الانفرادية لرئيس المجلس، واكتشاف مصاريف مالية غير مبررة، وفقدان المجلس هيبته كثالث مؤسسة للدولة».

إلى ذلك، دعا رئيس الحزب الذي ينتمي إليه رئيسُ البرلمان، جمال ولد عباس، السعيدَ بوحجة علناً إلى التنحي من منصبه، وأكد أن «اسم جمال ولد عباس موجود في قائمة المطالبين بتنحيته».

السعيد بوحجة يراوغ

في اللحظات الأخيرة من يوم 28 سبتمبر/أيلول 2018، قالت مصادر إعلامية محلية بالجزائر: «إن رئيس البرلمان الجزائري، السعيد بوحجة، قد استسلم لضغوط أعضاء البرلمان وقرر التخلي عن هذا المنصب».

قرار الاستقالة جاء -حسب المصدر- «بعد اتصال رؤساء كتل الموالاة، خصوصاً أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي وكتلة الأحرار، والذي أكدوا فيه للسعيد أنهم يساندون حزب جبهة التحرير الوطني في قضية سحب الثقة منه».

وذهبت وسائل الإعلام إلى أبعد من ذلك، بالكشف عن أبرز المرشحين لخلافة السعيد بوحجة، وهو الوزير السابق محمد جلاب؛ لشخصيته القوية والحزم الذي يتمتع به في تسيير المؤسسات.

لكن تخمينات هذه الجرائد سقطت في الماء، بعدما خرج السعيد بوحجة عن صمته، في أول تصريح إعلامي، معلناً رفضه الاستقالة، ومتهماً البرلمانيين الذين تحركوا للضغط عليه بالخروج عن القانون.

وقال «بوحجة»: «نعم، التقيت الأحد 30 سبتمبر/أيلول 2018، رؤساء الكتل البرلمانية الذين يشكلون التحالف الرئاسي (حزب جبهة التحرير الوطني، والأرندي، وتجمع أمل الجزائر، والحركة الشعبية الجزائرية)، حيث قدموا لي عريضة حملت الكثير من الأخطاء والمغالطات».

وفند «بوحجة»، «أخبار استقالته من رئاسة البرلمان؛ لأنه لم يتسلَّم أسماء البرلمانيين الموقِّعين في اللائحة، وكذا مطالبة حزب جبهة التحرير الوطني بتوضيح القضية إن كان الأمر يعني الإقالة أو الاستقالة»

والعريضة -حسب المصرح- «حملت العديد من الأخطاء التي رفضتُها جملةً وتفصيلاً، وتتعلق أساساً بالتوظيف العشوائي، وإقالة الأمين العام السابق للمجلس الشعبي الوطني بشير سليماني، بالإضافة إلى رحلات الوفود البرلمانية إلى الخارج، كما تم اتهامي بعدم استقبال النواب، لكن ذلك غير صحيح».

وأضاف بوحجة: «أنا مسؤول سياسي ومجاهد كبير وواعٍ، وليس هدفي أن أثير البلبلة والجدل داخل قبة البرلمان، لكن من حقي أن أتخذ قراراً مناسباً ومشرفاً لي». 

«الرئاسة لم تتدخل»

في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2018، صرَّح رئيس البرلمان الجزائري، السعيد بوحجة، بأن حراك أعضاء البرلمان الأخير «غير شرعي وبعيد عن قوانين الجمهورية المسيِّرة لمؤسسات الدولة».

وفند «بوحجة» تماماً «الأخبار المتداولة بشأن تدخُّل رئاسة الجمهورية من أجل سحب الثقة منه»، معتبراً ذلك مغالطات، وأن تحرُّك البرلمان لم يأت «بإيعاز من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، كما يقول البعض».

كل ما في الأمر -يقول بوحجة- أنني «طلبت منهم أن يسلموا لي قائمة النواب الموقعين للتحري عن الأسماء والتوقيعات عند المجلس الدستوري، لكنهم رفضوا تسليمها؛ بل قاموا بتمزيق القائمة أمامي في اللقاء الأخير الذي جمعني مع رؤساء الكتل».

ووصف ما قام به بعض البرلمانيين بأنه «جريمة لما يوقّع نائب معين مكان نائب آخر؛ لذلك طلبت التثبت ولم يمكنوني من ذلك».

«وعدا رفض النواب تسليمي قائمة الموقعين -يردف بوحجة- كان الحوار والحديث مع الإخوة في اللقاء الأخير بنّاء، وأنا كسياسي تركت الأمور للوقت، سآخذ وقتي ليومين أو ثلاثة، وبعد ذلك سيُحدث الله أمراً».

تجميد البرلمان الجزائري

دخل تهديد نواب البرلمان الموقّعين على لائحة سحب الثقة من الرئيس السعيد بوحجة، بتجميد البرلمان، حيز التنفيذ في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، بعدما رفض المعنيّ رسمياً الانصياع لمطالب الاستقالة.

وقال رؤساء الكتل البرلمانية للأحزاب الخمسة الضالعة بهذا الحراك، في لائحة لهم، إن «نشاطات البرلمان ستبقى مجمَّدة تماماً، ولن تُعقد أي جلسات مغلقة أو معلنة، ولن تمرَّر أي قوانين في حال بقاء بوحجة على رأس البرلمان».

وهذا التهديد -بحسب المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر محمد لعقاب، «كان منتظَراً ومهيَّأً له؛ لأن عدداً من البرلمانيين في هذه الهيئة أصبح همُّهم مصالحهم الشخصية لا مصلحة المواطن والشؤون العامة».

وباعتبار أن البرلمان مؤسسة مستقلة -يضيف الدكتور «لعقاب» في حديثه لـ»عربي بوست»- فإن «استقالة الرئيس لا يمكن أن يفرضها أحد، حتى الحزب الذي ينتمي إليه، وفي حال قرر بوحجة البقاء في البرلمان فسيصل هذا الهيكل إلى الانسداد؛ ومن ثم تجميد جميع المصالح».

تجميد البرلمان في نظر «لعقاب»، «سيكون أوتوماتيكياً بحكم الأغلبية، فأزيد من 360 نائباً من أحزاب الأغلبية بالبرلمان يضغطون لاستقالة بوحجة، فهذا يعني أن كل البرلمان تقريباً سيقف ضد نشاطاته العادية».

وكان الأمين العام للحزب الحاكم في الجزائر، جمال ولد عباس، قد هدد علناً بتجميد البرلمان في حال تمسَّك السعيد بوحجة بمنصبه.

«يريدون ذلك من أجل الرئاسيات»

الناشط والمحلل السياسي الجزائري حكيم مفتوح يرى أن تجميد البرلمان الجزائري من الشؤون السياسية المحضَّر لها بدقة عالية ومنذ فترة طويلة، وتهدف أساساً إلى ترتيب أمور الرئاسيات.

وقال «مفتوح»، في تصريح لـ»عربي بوست»: «إن توقيت تجميد البرلمان الجزائري واختلاق المشاكل والانسداد يوحي بوجود أمر غير طبيعي، لا سيما أن الأحداث جاءت من بيت الولاء والطاعة؛ أي من أحزاب الموالاة، التي تشكل التحالف الرئاسي بالبرلمان».

وعن السيناريو المرتقب، يضيف «مفتوح»: «الحزب الحاكم ضغط على بوحجة من أجل الاستقالة، هذا الأخير صرح بأنه لو استقال، فذلك اعتراف ضمني بالتهم المنسوبة إليه؛ ومن ثم قرر البقاء، لكن الحزب الحاكم هدد بتجميد البرلمان في حال تشبُّث بوحجة بمنصبه كرئيس البرلمان».

ومن ثم، فاللعبة مكشوفة، يضيف أن «بوحجة سيتمسك بمنصبه، أحزاب الأغلبية تجميد البرلمان الجزائري ، ما سيضغط على الرئيس بوتفليقة لحل البرلمان، وهو ما يراد له من أجل تمديد العهدة الرابعة للرئيس والتحضير للرئاسيات المقبلة التي كانت مقررة في أبريل/نيسان 2019».

امتداد لتغييرات المؤسسة العسكرية

الجهد المبذول من قِبل رئيس حزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس، رفقة الكتل البرلمانية لأحزاب «التجمع الوطني الديمقراطي»، و»تجمع أمل الجزائر»، و»الحركة الشعبية» و»الأحرار»، يأتي امتداداً للتغييرات الحاصلة في مؤسسة الجيش.

فتوقيت كل هذه التحركات -يقول حكيم مفتوح لـ»عربي بوست»- «يؤكد أن ما يراد من تجميد البرلمان الجزائري وإقالة الرئيس سعيد بوحجة، وكذا ما حصل للمؤسسة العسكرية من إقالات لكبار القيادات، يجعل المشهدين يصبان في الهدف نفسه».

فبعد الانتهاء من التغييرات الأمنية والعسكرية تمهيداً للرئاسيات، يقول: «تم وضع بوحجة كهدف، وتمسُّكه بعدم الاستقالة يعني تجميد عمل البرلمان من طرف النواب، وبعدها حلّه آلياً، وتكون السلطة الحالية ضربت عصفورين بحجر واحد: تأجيل الانتخابات الرئاسية، وحل البرلمان».

حملة جديدة لتغيير قيادات في الجيش/ خاص

وهو ما ذهب إليه المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر الدكتور محمد لعقاب، بالقول: «المشهد السياسي في الجزائر متماسك الأحداث، فبعد تغيير قيادات الجيش، وبعض ولاة الجمهورية والأمناء العامين، يأتي الدور على البرلمان ليدخل هذا المشهد».

وكانت الجزائر، في 17 سبتمبر/أيلول 2018، قد شهدت حملة جديدة  لتغيير قيادات في الجيش، شملت قائدي القوات البرية اللواء حسن طافر، وعُيِّن مكانه اللواء سعيد شنقريحة (قائد المنطقة العسكرية الثالثة/جنوب غرب).

ومسَّت التغييرات أيضاً القوات الجوية، بإنهاء مهام قائد القوات الجوية اللواء عبد القادر الوناس، وإحالته إلى التقاعد، وعُيّن مكانه اللواء بومعزة محمد.

كما تم تعيين اللواء مصطفى سماعيلي، نائب قائد الناحية العسكرية الثانية (شمال غرب)، قائداً جديداً للناحية العسكرية الثالثة، مكان اللواء سعيد شنقريحة.

كذلك، أنهى بوتفليقة مهام الأمين العام لوزارة الدفاع محمد زناخري، وعيَّن مكانه اللواء حميد غريس.

«الحركى» على الخط

من زاوية أخرى، يشير المحلل السياسي الدكتور محمد لعقاب إلى أن التطورات الأخيرة في البرلمان تأتي في سياق تعبيد الطريق نحو عهدة رئاسية جديدة، وكذا محاولة لتقسيم الغنائم من قِبل أعضاء البرلمان.

ويقول «لعقاب» لـ»عربي بوست»: «هناك ضغط فرنسي كبير على البرلمان الجزائري، من أجل تمرير بعض القوانين المتعلقة بالحركى (جزائريون كانوا مع قوات الاحتلال الفرنسي إبان حرب التحرير)، وهذا من أجل إنصافهم وتسهيل عودتهم إلى بلدهم».

لكنه يضيف أن «المساعي اصطدمت بشخصية السعيد بوحجة، الذي يعد من مجاهدي جيش التحرير في أثناء الثورة؛ ومن ثم فإن تمرير هذه القوانين في حضرته يعد إهانة؛ لذا يراد له الرحيل لتسهيل العملية أكثر».

أما حديث البرلمانيين في لائحتهم عن التوظيف والسفريات وغيرها من الأمور الواردة بلائحة سحب الثقة، فيرى «لعقاب» أنها «تأتي في إطار محاولة تقسييم الغنائم بين البرلمانيين؛ أي لماذا لم توظف فلاناً؟ ولماذا لم تعط السفر والمهمات الخارجية لفلان؟».

وأحزاب لا تعنيها تحركات البرلمان الأخيرة

اعتبر الدكتور عبد الرزاق مقري، رئيس حزب حركة مجتمع السِّلم المعارض، تجميد البرلمان الجزائري في الساعات الأخيرة، شأن داخلي لحزب جبهة التحرير الوطني، ولا يعني من قريب أو من بعيد، الحركة.

وقال إن «البرلمان الذي لا يستشير التشكيلات الحزبية المعارضة في مثل هذه التطورات لا يريد منها التدخل؛ ومن ثم فالحركة لن تبدي رأياً، ولن تتدخل في هذه القضية».

عبد العزيز بلعيد، رئيس حزب المستقبل، بدوره، يرفض التدخل في المشاكل الأخيرة للبرلمان، لكنه يطالب بضبط النفس، وعدم تخريب إحدى أقوى مؤسسات الدولة الجزائرية.

بلقاسم ساحلي، رئيس حزب التحالف الوطني الجمهوري، قالها علناً: «ما حدث بالبرلمان لا يعنينا، ونحن نتدخل في الأمور الرسمية للبلاد فقط».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
تجميد البرلمان الجزائري وتغيير قادة الجيش.. تمديد لولاية بوتفليقة الحالية أم ضغط لتمرير القوانين المغضوب عليها؟

قصص ذات صلة