السبت, 19 يناير 2019

مسؤول في المخابرات الفرنسية وصف بوتفليقة بالميت الحي.. أزمة الجزائر وفرنسا تتفاقم بعد إلغاء التأشيرات وحماية السفارات

أيمن تيجاني (الجزائر) عربي بوست

أمام المدخل الجنوبي لسفارة فرنسا بالعاصمة الجزائرية، لم يعد موجوداً حاجز الشرطة الذي كان يحتم على السائقين السير بالسرعة الأولى والمرور أمام جهاز الفحص الإلكتروني بعد اندلاع أزمة الجزائر وفرنسا من جديد.

كان ذاك الحاجز يوفر إلى جانب أعوان شرطة آخرين، حماية أمنية معتبرة للسفارة الفرنسية، إلى درجة منع أية سيارة من الوقوف أو التوقف في الرصيف المقابل لثواني معدودة، لكنه اختفى منذ أسبوع، مع اختفاء دفء العلاقات بين الجزائر وباريس، عقب اندلاع أزمة دبلوماسية صامتة بعد ترسبات تمتد لأكثر من سنة.

حدة التوتر بين البلدين بلغت أقصاها، بعد تصريحات جريئة للسفير الفرنسي بالجزائر والمدير الأسبق للمخابرات الخارجية الفرنسية برنار باجولي، من بين ما قال فيها أن «بوتفليقة حي اصطناعياً».

أزمة الجزائر وفرنسا سببها تصريحات غير ديبلوماسية

وفي خطوة مفاجئة، قامت الجزائر ودون إعلان رسمي، يوم  20 سبتمبر/أيلول برفع الحماية الأمنية عن كافة التمثيليات الدبلوماسية الفرنسية عبر كامل ترابها الوطني، كإجراء يدخل ضمن مبدأ «المعاملة بالمثل»، بعد رفض باريس زيادة التعزيزات الأمنية حول مقر سفارتها بباريس.

انزعاج السلطات تحول إلى ما وصفته وسائل الإعلام بـ»أزمة الجزائر وفرنسا» من جديد، كون قضية الحماية الأمنية تزامنت مع تصريحات السفير الفرنسي الأسبق ومدير المخابرات الخارجية برنار باجولي التي أطلقها على صفحات جريدة لوفيغارو اليمينية.

مدير المخابرات الفرنسية الأسبق برنار بوجولي

وانتقد باجولي النظام الجزائري محملاً إياه مسؤولية عدم تقدم العلاقات الثنائية بين البلدين عندما قال «إن تطور العلاقات بين فرنسا والجزائر يسير بخطى صغيرة، وهذا راجع لسببين، الأول يكمن في رغبة النظام الحاكم في الجزائر في إضفاء الشرعية على نفسه من خلال استغلال المشاعر تجاه المستعمر القديم».

وأرجع باجولي السبب الثاني إلى الرئيس بوتفليقة، الذي وصفه بأنه حي اصطناعياً فقط، وبالتالي لن يتغير شيء خلال هذه الفترة الانتقالية.

بعد 4 أيام من هذه التصريحات، حضر السفير الفرنسي الحالي كزافيي ديرانكور، أشغال نشاط خاص بقطاع التعليم العالي على مستوى البرلمان الجزائري، وبدا أنه جاء خصيصاً للتبرؤ من كلام مواطنه.

وقال ديرانكور «باجولي يعلم جيداً حساسية العلاقات الجزائرية الفرنسية ولا يجب صب الزيت على النار، وباجولي لا يمثل إلا نفسه وموقفه لا يعبر عن الدولة الفرنسية. وفهم من كلام السفير أن هناك أزمة حقيقية بين البلدين ولا ينبغي تأجيجها بتصريحات مماثلة.

فرنسا تستخدم التأشيرات كورقة ضغط

بعد استعادة العلاقات الجزائرية-الفرنسية دفأها سنة 2012، عند وصول فرنسوا هولاند إلى الحكم وتوقيعه مذكرة شراكة «استثنائية»، كان من الصعب توقع دخولها النفق المظلم مجدداً خلال السنة الأولى لتولي إيمانويل ماكرون الحكم، وهو الذي استقبل بالأحضان في الجزائر خلال حملته الانتخابية حيث راهن بقوة على الدعم الجزائري من جهة، وكونه امتداداً لهولاند من جهة أخرى .

وفي ربيع 2016، تسبب الوزير الأول الفرنسي الأسبق مانويل فالس، في إحراج كبير للسلطة الجزائرية، بعد أن  نشر صورة على حسابه الرسمي في تويتر تظهر الرئيس عبد بوتفليقة في وضع صحي حرج، أعقبها حديث كثيف في وسائل الإعلام الفرنسية عن انتخابات رئاسية مسبقة.

زيارة الرئيس ماكرون للجزائر في 2012/ رويترز

ومما قاله مانويل فالس يومها إن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تتقدم بالشكل المتوقع، حيث لم يرتفع عدد الشركات الفرنسية المستثمرة في الجزائر من 2013، رغم وجود مذكرة شراكة استثنائية مما خلق أزمة الجزائر وفرنسا.

ومع تعيين عبد المجيد تبون وزيراً أولاً خلفاً لعبد المالك سلال في مايو/أيار 2017، ذكرت مجلة Jeune Afrique الفرنسية، أن السفير الفرنسي السابق برنار إيمي استشاط غضباً لأنه لم يطلع على المعلومة مسبقاً، وقال «لمعاونيه ماذا سأقول الآن للكيدورسي (وزارة الخارجية)»، والمفارقة أنه عين بعدها بأسابيع مديراً للمخابرات الخارجية رغم فشله في اقتناص المعلومة الدقيقة بشأن التغيير الوزاري في الجزائر.

وبوصول السفير الحالي كزافيي ديرانكورت في النصف الثاني لـ2017، تفاقمت أزمة الجزائر وفرنسا وازدادت عمليات رفض منح التأشيرات للجزائريين، وألغي الامتياز الذي كان ممنوحاً لبعض الفئات المهنية كالصحفيين والمحامين والأطباء.

واستخدم الاتحاد الأوروبي وفرنسا تحديداً رفض منح التأشيرات كورقة ضغط على الجزائر بعدما شددت إجراءات استيراد المنتجات الأوروبية.

وأواخر شهر سبتمبر/أيلول قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمنح بعض الحركى (جزائريون خدموا فرنسا أثناء الاستعمار ويعتبرون خونة من قبل الجزائر) وسام جوقة الشرف بدرجة فارس نظير صنيعهم.

كما خص ماكرون هؤلاء ببرنامج رعاية اجتماعية يفوق 40 مليون يورو، وذلك بعد أيام من اعترافه بموت المناضل الشيوعي الفرنسي موريس أودان الذي ساند الثورة الجزائرية تحت التنكيل، وإقرار السلطات الاستعمارية لبرنامج التعذيب بدء من سنة 1955.

واعتبرت خرجة ماكرون مع الحركى، مساساً بالمشاعر التاريخية للجزائريين، رغم أن الحكومة الجزائرية تعتبرها قضية فرنسية داخلية لكون «الحركى» اختاروا المعسكر الفرنسي أيام الثورة.

ولن تتخلى عن امتيازاتها الاستراتيجية في الجزائر

وكثر في السنتين الأخيرتين، الحديث عن تضاؤل التأثير الفرنسي  في المشهد الجزائري منذ 2015، وبروز خلافات بين البلدين حول إدارة الملف الليبي، حيث تدافع الجزائر عن حل شامل يشرك الأحزاب الإسلامية في حوار وطني بينما تميل باريس إلى دعم المشير خليفة حفتر والانفراد بقيادة مسار التسوية.

ويؤكد المؤرخ والخبير في العلاقات الجزائرية-الفرنسية عامر رخيلة، أن أزمة الجزائر وفرنسا لها علاقة وطيدة بالاستحقاق الرئاسي المنتظر سنة 2019 في الجزائر.

وقال رخلية لـ»عربي بوست»، إن «هناك اتجاهين في فرنسا، واحد مازال يراهن باحتشام على بوتفليقة وآخر فضل الانتقال إلى الهجوم المباشر والعلني على المواقف الجزائرية».

وشرعت السفارة الفرنسية منذ عدة أشهر في استقبال نخب جزائرية من مختلف الفئات للاستماع لهم حول الأوضاع الحالية في البلاد، وتريد من خلالهم استشراف الوضع المستقبلي، وهذا يعني أمراً واحداً، حسب الباحث وهو أن المصادر التي كانت تزود الفرنسيين بالمعلومات من الدولة الجزائرية «ضعفت إن لم نقل جفت».

أزمة الجزائر وفرنسا تأتي في سياق رئاسيات 2019/ رويترز

واستدل المتحدث، على التغييرات المفاجئة التي حدثت مؤخراً على الجيش الجزائري، وغيرها من المستجدات التي حصلت بعيداً عن الأعين الفرنسية.

وبالنسبة للمؤرخ عامر رخيلة، فرنسا ترفض بشكل قاطع ضياع حق الأفضلية التي كانت تتمتع به في الجزائر في المجال الاقتصادية بعد تنامي الحضور الأميركي، الصيني والألماني.

وأبرزت قضية حجز 701 كيلوغرام من الكوكايين بميناء وهران في مايو/أيار 2018، التي أبانت عن تورط مسؤولين جزائريين، أن النفوذ الفرنسي تراجع بشكل كبير في الداخل الجزائري، وفتح المجال في المقابل أمام واشنطن التي تتابع القضية عن كثب لكونها تتعلق «بالجريمة المنظمة والإرهاب»، التي تدخل ضمن صلب مهام أجهزة استخباراتها.

ويرفض رخيلة اعتبار التصريحات التي صدرت عن برنار باجولي «أمراً شخصياً»، ويرى أنه «موقف يعبر عن أعلى هرم السلطة في فرنسا، لأنه واحد من صناع القرار الفرنسي حتى وإن كان متقاعداً».

القطيعة مع نظام بوتفليقة؟

تزامن تصريحات المخابراتي الفرنسي الأسبق مع اقتراب موعد رئاسيات 2019 بالجزائر، وقوله إن «بوتفليقة يعيش اصطناعياً»، طرح تساؤلات بشأن الموقف الفرنسي من فرضية وجود عهدة خامسة للرئيس الجزائري.

ورأى الصحفي المتخصص في العلاقات الجزائرية-الفرنسية مجيد ماكيدي، أن «خرجة باجولي تعني أن فرنسا نفضت يديها نهائياً من نظام بوتفليقة، على الأقل في الوقت الراهن».

وأوضح أن «برنار باجولي ليس أي شخص، فقد شغل منصب سفير بلاده في الجزائر في أصعب مرحلة في تاريخ العلاقات الثنائية 2006-2008، وكذا إدارة المخابرات الخارجية ودون شك لديه إطلاع كبير على الملفات الجزائرية أبرزها ملف صحة الرئيس بوتفليقة».

وأفاد بأن هذه التصريحات تأتي تكملة لجملة من الخرجات الإعلامية لدبلوماسيين فرنسيين وصلت إلى حد اتهام بعض المسؤولين الجزائريين بالغش في ملفات التأشيرات، مما يعني أن أزمة الجزائر وفرنسا ليست وليدة تصريح واحد.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
مسؤول في المخابرات الفرنسية وصف بوتفليقة بالميت الحي.. أزمة الجزائر وفرنسا تتفاقم بعد إلغاء التأشيرات وحماية السفارات

قصص ذات صلة