السبت, 19 يناير 2019

اقتحموا منزلها واعتقلوا والدها ثم قتلوه.. ابنة العالم الفرنسي المؤيد لاستقلال الجزائر راضية باعتذار ماكرون، وتصفية أبيها غيّرت حياتها

عربي بوست، ترجمة

كانت ميشيل أودين في الثالثة من عمرها وتغطُّ في نوم عميق مع شقيقها الأصغر منها حين اقتحمت القوات الفرنسية شقَّة العائلة في الطابق الثالث بمجمع سكني في الجزائر العاصمة واقتادت والدها إلى مكانٍ غير معلوم، ولم تره ثانية أبداً.

بعد أن اقتحمت قوات الأمن الفرنسية منزل موريس أودين -عالم الرياضيات ابن الخمس وعشرين ربيعاً- في وقتٍ متأخر من مساء 11 من يوليو/تموز عام 1957، واعتقلته، تعرض للتعذيب والقتل على يد جنود فرنسيين تلقَّوا أوامر خاصة لفعل كل ما في وسعهم لسحق النضال الجزائري نحو الاستقلال.

لم يُعثر على جثمانه أبداً، ولم يُحدد أحدٌ هوية قاتليه ولم يُحقَّق معهم رسمياً ولم يلقوا جزاءهم قط، حسب ما ذكر تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

وأخيراً اعتذرت فرنسا ولكن بعد أن عاشت أسرته معاناة طويلة

والآن، بعد 61 عاماً من حملة دؤوب قادتها جوزيت، أرملة أودين التي تبلغ من العمر 87 عاماً، أقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الدولة الفرنسية كانت مسؤولة عن وفاة أودين واعترف لأول مرة أن باريس استخدمت التعذيب النظامي أثناء الحرب في الجزائر.

بالنسبة لميشيل، استغرق الأمر جُلَّ عمرها كي تسمع هذا الاعتراف. أما بالنسبة لفرنسا، فقد استغرق الأمر أكثر من 55 عاماً لمواجهة حقيقة بشعة عن نزاع لطالما ألقى بظلاله على الجمهورية الفرنسية وتاريخها وقادتها المتعاقبين.

السلطات الفرنسية قالت إنه أطلق النار على ميشيل أودين أثناء هروبه

وقالت ميشيل لصحيفة The Observer البريطانية: «منذ اليوم الذي اختفى فيه والدي، لم يعد شيء آخر يشغل بال والدتي. كان علينا نحن، أولادها، أن نتعايش مع هذا. ارتبطت هويتي وكينونتي طوال عمري بهذا الأمر؛ وظللت مشغولة بهوية والدي وما حدث له».

وأضافت ميشيل: «لم تتوقف أمي للحظة عن النضال، وبسببها نتحدث اليوم عن موريس أودين. أرسلت أمي خطابات إلى الناس، وخطَّت خطاباً تلو الآخر في وقتٍ لم تكن فيه آلات لنسخ الأوراق. كتبت للجميع، وواظبت على الكتابة».

اتُّهم أودين عند اعتقاله بإيواء عناصر من جبهة التحرير الوطني الاشتراكية الجزائرية التي كانت محل اتهام من الفرنسيين بتنفيذ بعض التفجيرات.

ولكن لماذا قتلوه بهذه الطريقة رغم أنه مواطن فرنسي؟

كان أوين ناشطاً موالياً للاستقلال وعضواً في الحزب الشيوعي الجزائري المحظور.

وحين لم يعد إلى المنزل، قالت السلطات لأرملته جوزيت أنَّ الجنود أطلقوا النار عليه أثناء محاولته الهرب. تقول جوزيت: «كان الجميع يعرف ما يعنيه ذلك؛ أنا أيضاً كنت أعرف ما يعنيه ذلك».

وتعد الحرب في الجزائر نقطة سوداء في تاريخ فرنسا تتمنى لو تمكنت من محوها، وتشبه الدور الذي أدته فرنسا في ترحيل اليهود تحت الحكم النازي وحكومة فيشي العميلة لهتلر والتي كانت تحكم فرنسا، وهو أمرٌ لم تعترف به فرنسا على الملأ إلا عام 1995.

تهذيب الوحشية.. إنهم حتى لا يعترفون بأنها كانت حرباً

رفعت باريس على مضض قبضتها الاستعمارية عن الجزائر عام 1962 بعد نزاع استمر سبع سنوات، سحقت خلالها القوات الفرنسية أي إشارة للتمرد، مما أجبر الميليشيات الموالية للاستقلال على الرد بالمثل.

لعقود طويلة ظلت فرنسا ترفض الاعتراف بالجرائم التي وقعت خلال حرب الجزائر

ويتحدث المسؤولون الفرنسيون منذ عقود عن «الأحداث» -وليس عن الحرب- التي وقعت في الجزائر، في محاولة للتعبير عن الوحشية بلفظٍ مهذَّب، تماماً كما اعتاد البعض التعبير عمَّا حدث في أيرلندا الشمالية بـ»القلاقل»، حسب الصحيفة البريطانية.

ولكن  فرنسا أقرت الخميس 13 سبتمبر/أيلول 2018 بإقامة «نظام» حرب التحرير (1954-1962) استخدم فيه «التعذيب»، الأمر الذي يمثل خطوة فارقة في تاريخ العلاقات الثنائية بين باريس والجزائر.

والتحقيقات أوقفت وحتى الأفلام التي تناولت المرحلة منعت

جمع المؤرخون قصص التعذيب والاغتيالات، وصنع المخرجون أفلاماً، بما في ذلك فيلم Le Petit Soldat الذي أخرجه جان-لوك غودار، والذي مُنع من العرض لثلاث سنوات لأنه يدين استخدام التعذيب من طرفي الصراع.

وفي عام 2005، طرح فيلم الرعب السيكولوجي Hidden للمخرج مايكل هاينيكي وجهة نظر ناقدة للاستعمار، بما في ذلك المجزرة التي وقعت عام 1961 وقتلت 300 من مؤيدي استقلال الجزائر في باريس، وتكتمت عليها الحكومة الفرنسية لمدة 37 عاماً.

أُبطِلَت جميع التحقيقات فيما جرى في المستعمرة الفرنسية السابقة؛ إذ أسدلت الدولة الفرنسية ستاراً من العفو على الفظائع التي ارتكبتها قواتها، وتجنَّب كل رئيس فرنسي وصل إلى سدة الحكم ذكر الحرب باعتبار ذلك أمراً غير ملائم سياسياً.

ولكن زوجته لم تترك رئيساً فرنسياً إلا وراسلته إلى أن زارها ماكرون

وكتبت جوزيت أودين، التي لم تتزوج قط بعد رحيل زوجها، لكل رئيس فرنسي مجددةً طلبها للحصول على معلومات حول ما وقع لزوجها.

واتصل بها ماكرون بعد فترة وجيزة من انتخابه رئيساً في مايو/أيار من العام الماضي 2017، وأخبرها برغبته في فعل شيء لأجلها. وفي يوم الخميس الماضي 13 سبتمبر/أيلول، أصدر الإيليزيه بياناً رسمياً وزار الرئيس منزل أودين ليقدِّم اعتذاراً.

وقالت ميشيل: «ما فعله إيمانويل ماكرون خطوة كبيرة وبالغة الأهمية، لأنها تمس الكثير من الناس في فرنسا، لاسيما من ينحدرون من أصلٍ جزائري. شوِّهت الحقيقة لزمن طويل، وكان هناك فارق ضخم بين الحقيقة التاريخية والنسخة الرسمية التي ترويها الجمهورية الفرنسية. على الأقل يعد اعتذار ماكرون إقراراً بهذا. من المؤسف أن الأمر استغرق كل هذا الوقت لنشهد هذه اللحظة التاريخية، ولكنها بكل تأكيد بداية لشيء ما وليست نهاية المطاف».

ترحيب جزائري ولكن الأكاديميين الفرنسيين يتطلعون إلى خطوة أهم

وحظي اعتذار ماكرون بترحيب في الجزائر، إذ قال وزير المجاهدين الطيب زيتوني إن «فرنسا والجزائر ستعالجان ملف الذاكرة «بحكمة»، مضيفاً أن «خطوة الرئيس (ماكرون) تنذر باعترافات جديدة في المستقبل».
أمَّا في فرنسا فيأمل أكاديميون أن يشجِّع البيان الصادر عنه ووعده بفتح الأرشيف الرسمي الشهود الذين حضروا تلك الفترة -والذين حظوا بعفو الدولة- على الإدلاء بشهاداتهم.

وقال المؤرخ جيليس مانسيرون إنَّ ماكرون بتصرفه هذا قد «أحدث قطيعة مع سلوك الإنكار والصمت والكذب الذي انتهجته الدولة لزمن طويل».

ولكن هناك من انتقد الاعتذار.. فهل لأنهم متورطون؟

في المقابل، اتهم اليمين الفرنسي المحافظ، الذي كان أقل حماساً تجاه استقلال الجزائر، ماكرون بأنَّه ينكأ جراحاً قديمة.

وقد رفض جان ماري لوبان، مؤسس الجبهة الوطنية الفرنسية اليمينية الذي كان مقاتلاً في حرب الجزائر والذي أنكر مراراً الاتهامات الموجَّهة إليه بضلوعه في أعمال تعذيب أثناء الحرب، إعطاء رواية أدوين أي أهمية.

ووصف لوبان الواقعة بأنَّها «حدث وقع في حربٍ أهلية.. وهو وقت لا تكون فيه قواعد اللعبة مشابهة لتلك المتبعة في عصبة الأمم».

أما الابنة المنكوبة فهي راضية، ولكن الأم ستواصل المعركة

وقالت ميشيل إنَّها «راضية»، حتى مع بقاء حقيقة موت والدها طيَّ الإبهام. وقالت: «عرفنا أنَّ والدي عُذب وقُتل، لكننا لا نعرف بالضبط كيف قُتِل ولا من قتله، وربما لن نعرف أبداً، ولكن بالنسبة لي أهم شيء هو أنَّ النظام، أعني الدولة، أقرّ بمسؤوليته».

وأضافت: «والدتي تشعر بشيء مختلف الآن. كانت في السادسة والعشرين وأماً لثلاثة أطفال حين حدث ذلك. وكان والدي حبَّ حياتي. تريد أن تعرف من قتله وكيف. والأهم من ذلك، تريد أن تعرف ما حدث لجثمانه. خاضت تلك المعركة طوال حياتها، وحتى الآن، وستواصلها حتى النهاية».

نزاعٌ وحشي.. لن نتخلى عن الجزائر

كانت حرب الاستقلال الجزائرية التي استمرت من عام 1954 إلى 1962 حرباً استعمارية معقدة اتسمت بالوحشية من الطرفين واستخدامها التعذيب ضد عسكريين ومدنيين، حسب وصف الصحيفة البريطانية.

كانت فرنسا مصرَّة على الاحتفاظ بسيطرتها على أكبر مستعمراتها في شمال إفريقيا، التي ظلت تحت حكمها لمدة أطول من غيرها من المستعمرات.

فقد غزت فرنسا الجزائر عام 1830 وباتت تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الجمهورية الفرنسية، ووطناً للآلاف من المغتربين الفرنسيين. وكانت جبهة التحرير الوطني الجزائرية ترغب في الحصول على الاستقلال التام. وتدهور النزاع كذلك ووصل إلى حرب أهلية بين الجاليات المختلفة وفي داخلها.

وفي عام 1962، بعد مفاوضات مع جبهة التحرير الوطني، وقّع شارل ديغول الرئيس الفرنسي آنذاك اتفاقيات إيفيان ومنح الجزائر الاستقلال، غير أن أعمال القتل استمرت.

الجنسية أو الرحيل مع التعويض

ونصت اتفاقيات إيفيان لإنهاء الاحتلال الفرنسي الموقعة بين الحكومة المؤقتة الجزائرية، والحكومة الفرنسية في 18 مارس/آذار 1962، على أنه للفرنسيين والأوروبيين بصفة عامة الاختيار في غضون ثلاث سنوات بين نيل الجنسية الجزائرية أو الاحتفاظ بجنسيتهم الفرنسية واعتبارهم أجانب.

ولم يطرد الأقدام السوداء من الجزائر، حسب ما ورد في تقرير لموقع نُون بوست، بل فضلوا هم الرحيل، حيث دعتهم جبهة التحرير الوطني الجزائرية (1954 ـ 1962) وقتها للبقاء.

جبهة التحرير أبدت استعدادها لبقاء الأقدام السوداء بعد الاستقلال

فقد قالت الجبهة آنذاك إن الحاجة ستكون ماسة «إلى كافة أبناء الجزائر مهما اختلفت أصولهم ودياناتهم لإعادة الإعمار»، وأن الدولة المستقلة ستضمن بواقعية وعدالة مستقبلهم في كنفها، لكنهم فضلوا الرحيل.

بل إن بعض التنظيمات الإرهابية التابعة لبعض المدنيين الأوروبيين مثل «اليد الحمراء» و»منظمة الجيش السري OAS» قامت يوم وقف إطلاق النار في مارس 1962 بسلسلة من الجرائم البشعة في حق المدنيين العرب، وتضاعفت وتيرة القتل والحرق المتعمد للمؤسسات، بينها مكتبة جامعة الجزائر.

وبموجب الاتفاقية قدمت الجزائر تعويضات للأقدام السوداء عن ممتلكاتهم بعد الاستقلال، إلا أن بعضهم مازال يطالب بممتلكاتهم.

ثم انقلب الحال للمستعمرين وأعوانهم، فحتى فرنسا لم ترحب بهم وعدد الضحايا مازال محل جدل

وكان يُنظر إلى الجزائريين الذين عملوا لصالح فرنسا، والذين عرفوا بـ»الحركيين»، بأنهم خونة وقتلت جبهة التحرير الوطني أو عصابات غير نظامية الكثيرين منهم، حسب The Guardian.

وفرَّ نحو 800 ألف من الجزائريين الأوروبيين، الذين كانوا يعرفون بـ «الأقدام السوداء» إلى فرنسا خوفاً من وقوع أعمال انتقامية ضدهم، (رغم تطمينات جبهة التحرير الجزائرية).

ولم تكن هذه الجموع محل ترحيب في أغلب الأحوال في فرنسا ولم يكن أحد يتوقع وصولها.

فلم يكن العديد منهم يعرف عن فرنسا شيئاً، إذ عاشت عائلاتهم في الجزائر لأجيال، مما خلَّف لديهم شعوراً بالاغتراب استمر في وجدان أطفالهم وأحفادهم المولودين في فرنسا.

كما أن كثيراً منهم كانوا من أصول غير فرنسية  مثل الإيطاليين والإسبان والمالطيين فضلاً عن اليهود.

وما زالت حصيلة القتلى من تلك الحرب محل جدل بين البلدين، إذ تزعم فرنسا أنهم 400 ألف شخص، في حين تزعم الجزائر أنَّهم 1.5 مليون شخص. وحتى الأسبوع الماضي، كانت فرنسا ترفض الاعتراف بأنَّها أقرت استخدام التعذيب والإعدامات الفورية ضد مسلحي جبهة التحرير الوطني ومن يتعاطف معهم من الفرنسيين مثل موريس أودين.

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
اقتحموا منزلها واعتقلوا والدها ثم قتلوه.. ابنة العالم الفرنسي المؤيد لاستقلال الجزائر راضية باعتذار ماكرون، وتصفية أبيها غيّرت حياتها

قصص ذات صلة