هل تنجو تركيا من مؤامرة "الفوائد الأميركية"؟.. اقتصادها مُحصّن لكن نمو الولايات المتحدة يمضي مُسرِعاً كقطارٍ هاربٍ
الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

هل تنجو تركيا من مؤامرة "الفوائد الأميركية"؟.. اقتصادها مُحصّن لكن نمو الولايات المتحدة يمضي مُسرِعاً كقطارٍ هاربٍ

عربي بوست، ترجمة

خلال الأشهر الستة الماضية، وجدت بعض أسرع الاقتصادات نمواً في العالم نفسَها في مأزقٍ، باحثةً عن مخرجٍ، وفي إحدى الحالات، تطلب العون من مركز الإنقاذ الماليِّ العالميِّ المعروف باسم صندوق النقد الدولي.

يُعتبر مبلغ الـ50 مليار دولار الذي أنقذت به مؤسسة الإقراض الأرجنتين هو الحدث الأضخم حتى الآن، ولكن يصاحبه كذلك أزمة في الليرة التركية، والكساد في جنوب إفريقيا، والتنبُّؤات الاقتصادية المريعة للفلبين وإندونيسيا والمكسيك.

مِمَّا يزيد الطين بلةً أن الولايات المتحدة تتأهَّب لفرض تعريفاتٍ جمركيةٍ تصل إلى 25% على سلعٍ صينيةٍ بقيمة 200 مليار دولار. وإذا نفَّذت الولايات المتحدة قرارها، فقد هدَّدت بكين بالفعل بالمعاملة بالثأر، الأمر الذي من شأنه أن يثير حفيظة الرئيس دونالد ترمب أكثر. وربما لا ينتهي هذا التباري إلا بتطبيق هذه التعريفات على كامل السلع الصينية التي تستوردها أميركا كلَّ عامٍ بقيمة 500 مليار دولار.

ومن جرَّاء ذلك، حدث ركودٌ في قيمة بورصات العديد من الدول النامية، جاعلاً المستثمرين يتساءلون إذا كانوا بصدد انهيارٍ للدول الناشئة مماثلٍ للأزمة المالية الآسيوية في 1997: حالة الهلع التي دمَّرت عدَّة محفظاتٍ وقائيةٍ، وتبيَّن أنها من مُقَدِّمات فقاعة الإنترنت التي حدثت عام 1999 والأزمة المالية العالمية في 2008.

وقد لاذ المستثمرون بالفرار، لدرجة أن مؤشِّر MSCI للدول الناشئة، الذي يقيس قيمة الأسهم في الاقتصادات الناشئة، قد انخفض بنسبة أكثر من 20% منذ مطلع العام المنصرم.

وبدا أن ذلك الركود قد انتهى في يوليو/تموز الماضي، حين اعتُبِرَت تركيا والأرجنتين منطقتي صراعٍ معزولتين، والأدهى أنهما مُحَصَّنتان. لكنَّ أرقام الأسبوع الماضي التي تُبَيِّن أن اقتصاد الولايات المتحدة يمضي مُسرِعاً كقطارٍ هاربٍ -مما يبرز احتمال حدوث مزيدٍ من الارتفاعات في معدَّلات الفوائد الأميركية- قد أدَّت إلى تعثُّرٍ في عملات معظم اقتصادات الأسواق الناشئة وبورصاتها.

البيع السريع المتوحِّش لأسهم الأسواق الناشئة

يقول لاكمان أوتونوغا، مُحلِّل أبحاثٍ بمؤسسة FXTM لتجارة العملة، إن هناك حالة قلقٍ عامةً في الأسواق المالية، في ظلِّ زعزعة الوباء الناجم عن «البيع السريع المتوحِّش لأسهم الأسواق الناشئة» لثقة المستثمرين.

وأضاف: «يبدو أن هناك مزيداً من الأوجاع القادمة للدول الناشئة، في ضوء مزيجٍ من توتُّرات التجارة العالمية، واحتمالات ارتفاع معدَّلات الفوائد الأميركية، وحالة الشكِّ العامة في السوق، مزيج يُنَفِّر المستثمرين».

وبيَّن الاستقصاء المُراقب عن كثبٍ لمؤسَّسة إدارة التوريد عن التصنيع الأميركي، أن القطاع على شفا الوصول إلى أعلى مُعَدَّلٍ مُسَجَّلٍ له في 1983. أي أنَّ إنتاج المصانع في حالة هيجانٍ، إذ تعمل شركات السيارات وصناعة الطائرات على مدار الساعة لسدِّ الطلب داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وفي الربع الثاني من العام، كان المعدَّل السنويُّ للنمو الاقتصادي الأميركي 4.1%، أي أعلى بكثيرٍ من بريطانيا ومنطقة اليورو، التي تنمو بمعدَّلٍ بطيءٍ بالمقارنة، يساوي 1.5%.

ويعتقد مُحلِّلون أن هذه الأرقام، بجانب انخفاض معدلات البطالة، ستُغري بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، بمواصلة رفع معدَّلات الفوائد هذا العام، وكذلك في 2019. وقال جيروم باويل رئيس الاحتياطي الفيدرالي الشهر الماضي، أغسطس/آب، في خطابٍ موجَّهٍ إلى نظرائه الدوليين في اجتماع جاكسون هول السنويِّ للبنوك المركزية في ولاية وايومنغ الأميركية.

ومما ينذر بالخطر أنه أثنى على آلان غرينسبان، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي في التسعينيات ومطلع الألفية، لأجل تكريس الجزء الأخير من فترته لزيادة الفوائد بثباتٍ، بهدف منع حدوث طفرةٍ. وكان ذلك تشبيهاً مؤسفاً، بما أن غرينسبان معروفٌ الآن بخفض الفوائد أكثر من اللازم، وتسبُّبه أولاً في فقاعة الإنترنت، ثم الطفرة في إقراض البنك، وعدم رفعه الفوائد إلا بعد فوات الأوان.

لكن المستثمرين لم يكونوا بحاجةٍ إلى خطاب باويل لقراءة المؤشرات. فهم يفهمون أن الموجتين الكارثيتين على الأسواق الناشئة يُوَجِّهها ارتفاع معدلات الفوائد الأميركية.

أولاً، تبدأ مليارات الدولارات المستَثمَرة في أسهم الأسواق الناشئة وسنداتها في العودة إلى الولايات المتحدة، حيث يمكنهم مرةً أخرى كسب عائدٍ سخيٍّ في حسابات إيداعٍ دون أية مخاطرةٍ. وللوقاية من خروج بعض هذه الأموال خارج حدودهم، يجب على اقتصادات الأسواق الناشئة أن ترفع معدَّلات فوائدها هي الأخرى. وهذا يحلُّ مشكلةً ويصنع مشكلةً أخرى، ألا وهي أن الاقتراض بالعملة المحلية يُصبِح أغلى على الشركات وعائلات المواطنين.

وثانياً، ينفجر ثمن الاقتراض بالدولار، مما يضرُّ بشركات الأسواق الناشئة وحكوماتها التي اقترضت من البنوك الأميركية بالدولار على مدار العقد الماضي للمساعدة في تمويل توسُّعاتها.

ويُذكَر أن معدَّل الصندوق الفيدرالي قد ارتفع من 0.25% في 2014 إلى 2% اليوم. ومن المرجَّح وصوله إلى 3% بحلول نهاية العام المقبل.

والشركات التركية من ضمن الشركات التي أخذت قروضاً رخيصةً قبل 2014 للاستثمار في المصانع الجديدة، أي أنَّ لديهم قروضاً هائلةً بالدولار. والآن، وقد صار عليها تسديد هذه الديون، تجد نفسها في مواجهة معدَّلات فوائد صادمة.

فضلاً عن أنه، لأجل منع تأثير قرارات الاحتياطي الفيدرالي على الاقتصاد المحلي، يحاول الأتراك تجاوز الأزمة.

لكنها بعضها حمى نفسه

يقول مارك موبيوس، السمسار المالي الذي يشتهر بكنية «سيد الأسواق الناشئة»، يقول إنه على الرغم من أزمات تركيا والأرجنتين الطاحنة، فقد سعت معظم الدول النامية إلى حماية نفسها من زيادة معدلات الفوائد الأميركية. والصين كذلك قادرةٌ على ردع العاصفة القادمة في المستقبل القريب.

وصرَّح موبيوس قائلاً: «بدأت التخفيضات الكبيرة في قيم العملات. وستكون التخفيضات التي نشهدها من الآن فصاعداً تزايديةً».

وأضاف أنه بينما لا أحد يعرف متى ستصل السوق إلى القاع، فهو يشتري الأسهم في شركات الأسواق الناشئة، على أساس أنها حتى لو انخفضت عن ذلك فلن تنخفض كثيراً.

براين بيلسكي، رئيس استراتيجيات الاستثمار في البيت التجاري الكندي BMO Capital Markets، يقول إن أولئك الذين يزعمون أن الفوضى المجتاحة للأسواق الناشئة قد تمتدُّ إلى سائر بلدان العالم، هم مخطئون. وورد على لسانه: «لا أرى أنه حري بهم استعمال مصطلحاتٍ مثل «وباء». فالاقتصاد العالمي في حالةٍ جيدةٍ والدول التي نتحدَّث عنها لديها أرقامٌ صغيرةٌ لإجمالي الناتج المحلي. أي أنها أصغر من أن تؤذي الاقتصاد العالمي».

والطبقة الثانية من الدول المتأثرة، مثل جنوب إفريقيا وإندونيسيا، من المرجَّح أيضاً أن تحذو حذو الأرجنتين واكتساب ثقة المستثمرين عن طريق برامج تقشفٍ للحدِّ من الإقراض. وهي سياسةٌ من الممكن أن تؤدِّي إلى منازعةٍ محليةٍ، ولكنها ستمنع هجرة مزيدٍ من رؤوس الأموال.

دولٌ تحت دائرة الضوء

الأرجنتين

 

رفع البنك المركزي الأرجنتيني معدلات الفوائد إلى 60% الشهر الماضي، سعياً وراء دعم عملتها المنهارة. ولم يسترضِ هذا المستثمرين، لذا بدأت الحكومة إجراءات تقشفٍ حادةً لمحاولة استعادة الثقة. ومن المرجَّح أن تدفع أزمة العملة بالدولة نحو كسادٍ اقتصاديٍّ عميقٍ. وقد طلبت الدولة من صندوق النقد الدولي تعجيل دفع تمويلات الطوارئ، المقدرة بنحو 50 مليار دولار لأجل دعم خزائنها. وقال وزير المالية نيكولاس دوجوفني إن إجراءات التقشف -وزيادة ضرائب الصادرات- ستسمح للأرجنتين بتحقيق موازنةٍ متكافئةٍ العالم المقبل، بدلاً من عجز الـ1.3% الذي سبق توقعه.

جنوب إفريقيا

أُصيبت جنوب إفريقيا بكسادٍ مفاجئٍ في الربع الثاني من 2018، مسجِّلةً هبوطاً بنسبة 0.7% في إجمالي الناتج المحلي، مما أفضى إلى بيعٍ سريعٍ للأسهم ووصول عملة الراند إلى أقلِّ سعرٍ لها منذ عامين.

الرئيس سيريل رامافوزا، الذي حلَّ محلَّ جاكوب زوما في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، وسط تفاؤلٍ شديدٍ حيال الاقتصاد أدى لانتعاش الأسواق المالية، يزعم أن الكساد هو «أزمةٌ انتقالية» سيتعافى منها الاقتصاد. وبلغت البطالة 27.2%، وما زالت في ارتفاعٍ، مما يزيد خطورة اندلاع احتجاجاتٍ قوميةٍ بسبب حالة الاقتصاد.

تركيا

من المرجَّح أن تدفع الأزمة المالية المستمرة للدولة بها إلى الكساد، وهبوط العملة التركية زاد من تكاليف الاقتراض، ولا يزال الرئيس رجب طيب أردوغان عنيداً، ويوجه أصابع الاتهام نحو المصالح الأجنبية بشنِّ الحرب على تركيا.

وفي الولايات المتحدة، فرض دونالد ترمب تعريفاتٍ جمركيةً على صادرات الفولاذ التركية، بسبب نزاعٍ حول اعتقال آندرو برانسون، القس الأميركي الذي اتهمته تركيا بالجاسوسية. وهناك تهكُّناتٌ باقتراض مساعدات طوارئ من صندوق النقد الدولي، وأصبحت تركيا كذلك تحت الضغط لرفع معدلات الفوائد، إلا أن أردوغان قد يعارض هذا.

الصين

تسبَّبت الديون الطائلة على المؤسسات في مخاوف دوليةٍ بشأن الاقتصاد الصيني، وقدرته على الحدِّ من الاعتماد على الاستدانة والحفاظ على النمو. وتتعقَّد الصورة بتهديد ترمب بفرض تعريفاتٍ بقيمة 200 مليار دولار على الصادرات الصينية. ويخشى المستثمرون من أن يؤدي تصاعد الحرب التجارية إلى بطءٍ في النمو العالمي، نظراً إلى أن الصين هي من محاور الاقتصاد العالمي. وقد هبطت قيمة اليوان مقارنةً بالدولار هذا العام، مما قد يخفِّف من وطأة التعريفات على الصادرات الصينية، التي ستغدو سلعها أكثر تنافسيةً.

إندونيسيا

اضطر البنك المركزي الإندونيسي إلى رفع معدلات الفوائد لأجل رفع قيمة عملته. فالروبية في أدنى معدَّلاتها منذ 20 عاماً، بسبب زيادة الديون ومراهنة عددٍ من المستثمرين ضد الأسواق الناشئة. وتملك إندونيسيا أعلى ديونٍ للمموِّلين الأجانب من بين جميع الدول الآسيوية، بنسبة 35% من إجمالي الناتج المحلي. ولمَّا كان التضخم ما زال تحت السيطرة حتى الآن، كان البنك المركزي غالباً ليحبِّذ خفض الفوائد لتحفيز اقتصاده المكافح، لكن التخوفات بشأن انخفاض قيمة العملة أكرهته على رفع الفوائد عوضاً عن ذلك.

وإذا تدهور المشهد عن ذلك، فالدول المجاورة بما فيها كوريا الجنوبية والهند والفلبين قد تُجبَر على اتخاذ خطواتٍ مماثلةٍ.

المكسيك

تعريفات ترمب الجمركية على الفولاذ وتهديده بإجبار الشركات الأميركية على إعادة الإنتاج المنَفَّذِ جنوب حدودها تشبه سحابةً مظلمةً تخيِّم على الاقتصاد المكسيكي، واضعةً البيزو تحت الضغط. ومن شأن المكسيك أن تستفيد من تجديد اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية: وقد أبرمت اتفاقاً مع الولايات المتحدة، لكن المفاوضات مع كندا لا تزال جاريةً.

الهند

الروبية في أدنى معدلاتها مقارنةً بالدولار وسط مخاوف بشأن تأثير الحمائية الاقتصادية وارتفاع معدلات الفوائد الأميركية. وأسفر التضخم عن اندلاع احتجاجاتٍ في دلهي بسبب أسعار الوقود. الهند هي صاحبة أسرع اقتصادات العالم نمواً، إذ بلغ معدَّل نموها 8.2% في الأشهر الثلاثة السابقة ليونيو/حزيران. لكن تفاقم عجز ميزانها التجاري في يوليو/تموز، واصلاً إلى 18 مليار دولار بسبب زيادة واردات الوقود وارتفاع أسعار البترول على مستوى العالم. ويتحلى الخبراء الاقتصاديون الحكوميون بالتفاؤل حيال العملة، لكن يخشى آخرون حدوث ركودٍ في معدَّل النموِّ قريباً.

اقتراح تصحيح
عربي بوست، ترجمة
صحيفة The Telegraph: ترامب يرفض حتى الآن توجيه اللوم إلى محمد بن سلمان رغم ما جاءت به «CIA»
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
هل تنجو تركيا من مؤامرة "الفوائد الأميركية"؟.. اقتصادها مُحصّن لكن نمو الولايات المتحدة يمضي مُسرِعاً كقطارٍ هاربٍ