رغم أنك تستطيع الاستمتاع بوجبة شهية بأقل من 10 ليرات بسبب الأزمة الحالية.. لكن مهلاً، على الجميع القلق بسبب تراجع العملة التركية

عربي بوست
تم النشر: 2018/08/13 الساعة 19:54 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/08/13 الساعة 19:59 بتوقيت غرينتش
Turkish President Tayyip Erdogan makes a speech during a meeting of his ruling AK Party in Ankara, Turkey August 4, 2018. Murat Kula/Presidential Palace/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. NO RESALES. NO ARCHIVE.


بعد يوم واحد من أزمة الليرة التي واجهتها تركيا، وقف الرئيس رجب طيب أردوغان أمام آلاف من المؤيدين المُلوِّحين بالأعلام، مُدافعاً بقوة وحماسة عن سجله الاقتصادي.

ورصدت صحيفة The Financial Times البريطانية ما قاله الرئيس التركي لأنصار حزبه المحتشدين، بأنَّه خلال فترة حكمه المستمرة منذ 15 عاماً، شهدت تركيا تسديد مليارات الدولارات من قروض صندوق النقد الدولي، وعزَّزت
تدريجياً احتياطات البلاد من النقد الأجنبي.

وقال أردوغان يوم السبت 11 أغسطس/آب 2018، وهو يجول بخطبه السياسية منطقة مسقط رأسه المُطِلّة على البحر الأسود، والتي طالما كانت معقلاً سياسياً مؤيداً لموقفه تعليقا على أزمة الليرة: "هذا يعني أنَّنا نستطيع، وأنَّنا سننهض من حيث سقطنا".

لكنَّ تحديه لم يتمكن من إخفاء القلق المتصاعد بعد أسبوعٍ صاخب بلغ ذروته بخسارة الليرة التركية أكثر من 14% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي الجمعة الماضي 10 أغسطس/آب 2018.

وقالت الصحيفة البريطانية تعليقا على أزمة الليرة إن الكثيرين يتملَّكهم الخوفُ، ونقلت عن مستشار أعمال في إسطنبول قوله : "الأمر مخيف ومرعب للغاية".

وعود رسمية بضبط الاسعار في أزمة الليرة مع تخوفات من جانب المواطنين

وقالت الفايننشيال تايمز إن بعض المحللين يحذرون من أنَّ عجلة الاقتصاد ربما تتوقف، بسبب أزمة الليرة وأنَّ تركيا مُقبِلة على حالة ركود.

وهناك مخاوف متزايدة بشأن الضغوط على البنوك، وسط مخاوف من أنَّ المستهلكين والشركات المُثقلة بالديون قد يتخلَّفون عن سداد القروض.

وقد أضافت التلميحات بشأن إمكانية فرض أنقرة بعض الصور من الضوابط على رأس المال، حالةً من عدم الارتياح.
ويقول محللون إنَّ أي خطوة من هذا القبيل ستكون كارثية بالنسبة لاقتصادٍ يعتمد على تدفقات رأس المال الأجنبي.

وقال عطا الله يشيل آدا، المعلق التركي البارز في مؤسسة GlobalSource Partners، والذي انتقد كثيراً الموقف الاقتصادي للرئيس أردوغان: "الناس في الشارع خائفون للغاية.

ذهبتُ أنا وزوجتي إلى مركز للتسوق يوم الجمعة واستوقفنا 8 أشخاص مختلفين، يسألون ما إذا كان ينبغي لهم سحب أموالهم من البنوك".

وأضاف يشيل آدا: "قلتُ لهم (لا)، لا أعتقد أنَّه ستكون هناك ضوابط على رأس المال. وجدتُ نفسي أدافع عن أردوغان، إنَّه وضعٌ غريب".

وفي تجمُّعاتٍ يوم السبت 11 أغسطس/آب 2018، جدَّد الرئيس أردوغان دعوته للأتراك لبيع دولاراتهم وحيازاتهم من الذهب وشراء الليرة في المقابل، مشيراً إلى أنَّه يأمل الاستفادة من أكثر من 100 مليار دولار من العملة الأجنبية تحتفظ بها العائلات التركية، في الوقت الذي تعاني فيه أنقرة لاحتواء الأزمة.

وأشار يشيل آدا إلى أنَّ الاقتصاد التركي في طريقه للتوقف، "ببساطة؛ لأنَّك لا تستطيع القيام بأي عملية تسعير. ضع نفسك مكان مستورد لديه طلب للتسليم في غضون 30 يوماً. كيف يمكنك تحديد سعر؟".

ووعد وزير المالية التركي الجديد وصهر أردوغان، بيرات ألبيرق، يوم الجمعة 10 أغسطس/آب 2018، بـ"نموذج اقتصادي جديد" لتعزيز الثقة.

لكن، لم يسهم ذلك في تهدئة خوف المستثمرين، قائلين إنَّ هناك ببساطةٍ حاجة إلى حزمة إجراءات جذرية لتسوية الأزمة، من ضمنها رفع كبير في أسعار الفائدة، ووضع حدٍّ للإنفاق الحكومي الذي غذَّى التضخم الاقتصادي.

وهناك مطالب أيضاً بإصلاح العلاقات المتدهورة مع واشنطن

وقالت الصحيفة البريطانية إن معدل التضخم يتجاوز 15% ويستمر بالتصاعد، في حين طلبت العديد من التكتلات التجارية رفيعة المستوى في الأسابيع الأخيرة من البنوك إعادة هيكلة القروض.

ويقول محللون وفقاً للتقرير، إنَّ أنقرة بحاجة أيضاً إلى إصلاح العلاقات المتدهورة مع واشنطن.

إذ أضاف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى مشكلات تركيا بإعلانه يوم الجمعة، أنَّه سيفرض رسوماً جمركية أعلى على صادرات الصلب والألومنيوم التركية إلى الولايات المتحدة.

غير أنَّ البنوك والشركات التركية، والبلد ككل، تعتمد على تدفقات الدولار. وتعاني تركيا عجزاً كبيراً في الحساب الجاري، وتعتمد بدرجة كبيرة على النفط الأجنبي.

ونقلت "الفايننشيال تايمز" عن كارلوس هاردنبرغ، شريك مؤسس في شركة Mobius Capital Partners المالية، قوله إنَّ إجمالي الديون التركية يبلغ نحو 330 مليار دولار، منها 105 مليارات دولار مستحقة على القطاع الخاص، باستثناء البنوك.

وتدين البنوك بنحو 95 مليار دولار، ولديها احتياجات تمويلية بقيمة نحو 60 مليار دولار على مدى الأشهر الـ12 القادمة.

وأضاف هاردنبرغ: "لذلك، السؤال الكبير المطروح الآن هو: لماذا -بحق السماء- تفعل هذا في حين أنَّك تعتمد على الأجانب لتمويل نموذجك الاقتصادي؟!.

 

تأزم العلاقات بين أنقرة وواشنطن
تأزم العلاقات بين أنقرة وواشنطن

هذا سيكلف البلاد ثمناً باهظاً، وسينتهي الأمر بالتأكيد بركودٍ واضح وذي مغزى كبير".

وأوضح هاردنبرغ أنَّ العديد من الشركات التركية كانت "مستعدة بشكل جيد" لأزمة كانوا يتوقعونها. لكنَّه أعرب عن قلقه من أن يشهد قطاع العقارات ركوداً، ومن أنَّ بعض شركات البناء عُرضة للتضرر.

وقال: "هذا -التخلُّف عن سداد القروض العقارية وبعض القروض المأخوذة من جانب وسطاء وبعض شركات البناء- شيء يمكن أن يدمر البنوك. لكنّي لا أعتقد أنَّ هذا يكفي لإحداث أزمة شاملة".

مع ذلك، أضاف هاردنبرغ أنَّه يمكن أن يكون هناك "نوع من تأثير أحجار الدومينو إذا تعرَّض أحد البنوك لتعثُّر كبير في القطاع العقاري، من شأنه التأثير على الآخرين كلهم".

وتتمتع البنوك التركية بنسب جيدة من رأس المال، لكن هناك تحذيرات من احتمال حدوث زيادة في القروض المتعثر سدادها.

وقال غرانت ويبستر، مدير التمويل في شركة Investec Asset Management، إنَّ البنوك التركية ستعاني لمجابهة انسحاب رأس المال الأجنبي.

لكن رغم إجراءات البنك المركزي فإنها تفشل في تهدئة مخاوف أزمة الليرة

صحيفة The Guardian البريطانية عرجت على الأزمة، واستعرضت موقف البنك المركزي التركي، وقالت إن البنك صرح بأنه سيقوم بمراقبة عمق السوق وتشكيلات الأسعار من كثب، واتخاذ جميع التدابير اللازمة للحفاظ على الاستقرار المالي عند الضرورة، وتعهَّد البنك، الذي مقره أنقرة، بتقديم "كل السيولة التي تحتاجها البنوك".

وتقول الصحيفة: "ومع ذلك، فإنَّه لم يُقرر رفع أسعار الفائدة، وهو ما يقول بعض الخبراء الاقتصاديين إنَّه ضروري لتخفيف حدة الأزمة؛ لأنَّه سيحدُّ من التضخم ويمنع المستثمرين من بيع الليرة".

وحذَّر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من زيادة تكاليف الاقتراض. وأعلن البنك في وقتٍ متأخر من ليلة الأحد 12 أغسطس/آب 2018، أنَّه سيحدُّ من قدرة بنوك البلاد على مبادلة الليرة بالعملة الأجنبية.

ويشعر المستثمرون بالقلق إزاء تأثر البنوك الأوروبية، وضمن ذلك بنك BBVA الإسباني، وبنك UniCredit الإيطالي، وبنك BNP Paribas الفرنسي، التي لديها تعاملات كبيرة في تركيا.

وتراجعت أسهم البنوك الأوروبية بنسبة 2% في وقتٍ مبكر من بداية التعاملات، الإثنين 13 أغسطس/آب 2018.

وانخفض مؤشر FTSE 100 البريطاني بنحو 0.5% صباح الإثنين، كما تراجع مؤشر Dax الألماني بنسبة 0.7%. كذلك سجَّل مؤشر CAC الفرنسي انخفاضاً بنسبة 0.4%.

وفقدت سوق الأسهم التركية 2.5%، وعانت أسهم بعض البنك انخفاضاً بأكثر من 10%. وانخفض الروبل الروسي والدولار الأسترالي والراند الجنوب إفريقي والبيزو المكسيكي والأرجنتيني، وهي عملات ناشئة أخرى يمكن أن تكون في خطر.

وقال كونور كامبل، المحلل المالي في منصة التداول "Spreadex": إنَّ "إحدى نقاط الخلاف الرئيسية هي تعنُّت الرئيس أردوغان -الذي ألقى تعيينه صهره وزيراً للمالية والخزانة بظلالٍ من الشك على استقلال البنك المركزي التركي- بشأن  إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، على الرغم من ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير والخسائر الثقيلة لليرة".

وأضاف كامبل: "هذا يعني أنَّ مختلف الإجراءات، المُعلن عنها الإثنين، ولا تشمل رفع أسعار الفائدة لتحقيق الاستقرار في العملة -وضمنها التعهُّد بتوفير كل السيولة التي تحتاجها البنوك- من المرجح أن تكون ذات تأثير محدود".

تراجعت كذلك أسواق الأسهم الآسيوية، حيث خسر المؤشر الرئيسي لسوق الأسهم اليابانية "نيكاي" 1.7%، وكذلك تراجع مؤشر بورصة هونغ كونغ بنسبة 1.8%، وشنغهاي بنسبة 1.7%، وسيدني بنسبة 0.5%، كما خسر المؤشر التايواني 3%.

وتسبَّبت الليرة المتراجعة في ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة، وضمنها الدولار الأميركي والفرنك السويسري والين. وقفز مؤشر Vix الذي يقيس الاضطراب في الأسواق المالية ومستوى قلق المستثمرين -المعروف أيضاً باسم مؤشر الخوف- بنسبة 16%.

وتساءلت الصحيفة إذا ما كان ينبغي للجميع القلق بسبب الليرة

وقالت "الغارديان": "تعاني العملة التركية هبوطاً حاداً، وتواجه صادراتها عقوبات أميركية، ويرتفع معدل التضخم؛ ورغم كل ذلك، يقف الرئيس التركي متحدياً!

فما الذي يحدث في الدولة، البالغ تعداد سكانها 80 مليون نسمة والحليف الرئيسي بحلف شمال الأطلسي (الناتو)؟".

وكشفت الصحيفة البريطانية أسباب انخفاض الليرة وقالت إنها انخفضت أمام الدولار بنسبة 20% خلال الأسبوع الماضي وحده.

ومع ذلك، فقد كانت الليرة قبل الأزمة الحالية أسوأ عملات العالم من حيث الأداء، حيث انخفضت بنحو 50% أمام الدولار خلال الأشهر الـ12 الماضية.

وقالت: "يواجه اقتصاد تركيا بعض القضايا الصعبة. ويعاني عجزاً في الحساب الجاري، علاوة على ارتفاع معدلات الدين بالقطاع الخاص وزيادة التمويل الأجنبي بالنظام المصرفي.

فقد وصل التضخم السنوي إلى نسبة 15.9% خلال شهر يوليو/تموز -أي أكثر من 5 أضعاف نظيراتها بالدول الغنية- وارتفع الاقتراض الحكومي بالعملة الأجنبية ارتفاعاً كبيراً.

وهناك أيضاً مخاوف من إفلاس قطاع البناء بعد سنوات من النمو الهائل، ما جعل البنوك تعاني ديوناً متزايدة".

وعن الأسباب الحقيقية لكل ما حدث لليرة، قالت "الغاريان" إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن الجمعة 10 أغسطس/آب 2018، عزمه مضاعفة الرسوم الجمركية على الواردات التركية من الحديد والألومنيوم. وفيما وراء النزاع التجاري تكمن المواجهة بشأن قيام تركيا باعتقال القس المسيحي أندرو برانسون.

 القس الأميركي أندرو برانسون
القس الأميركي أندرو برانسون

ويواجه القس اتهامات بالتجسس في أعقاب الانقلاب الفاشل عام 2016، وقد تبنى المحافظون الدينيون هذه القضية بالولايات المتحدة.

وتشير التقارير في تركيا إلى أن الولايات المتحدة قد حددت موعداً نهائياً لإطلاق سراح برانسون هذا الأسبوع، رغم أن واشنطن لم تؤكد ذلك من جانبها.

ويرى صندوق النقد الدولي أن تركيا تمتلك أقل معدل للاحتياطي باقتصاديات الأسواق الناشئة الكبرى، ما يجعلها عرضةً لاعتداءات المضاربة.

ومع ذلك، فقد أبدى أردوغان مقاومة شديدة لرفع أسعار الفائدة؛ من أجل حماية العملة والقضاء على التضخم، ومن الأرجح أن يتردد في طلب المساعدة من المجتمع الدولي.

وفي غضون ذلك، هناك مخاوف بشأن التدخل السياسي في شؤون البنك المركزي "المستقل".

وفي نهاية تقريرها قالت "الغارديان" إن انخفاض الليرة يعني أن تكلفة السياحة في تركيا ستكون قليلة. ووفقاً لموقع نامبيو الإلكتروني حول تكاليف المعيشة، فقد انخفض سعر البيرة في بودروم من 2.60 إلى 1.60 جنيه إسترليني، في حين يستطيع أي زوجين الاستمتاع حالياً بتناول وجبة كاملة مقابل أقل من عشرات جنيهات في مطعم متوسط.

ويستطيع صانعو العطلات البريطانيون، الذين كانوا يصرفون الجنيه الإسترليني مقابل 6.4 ليرة، صرف الجنيه نفسه مقابل 8.1 ليرة.

تحميل المزيد