النظام السوري شيد في دمشق حديقة من نواع خاص تكريما لمؤسس كوريا الشمالية
الخميس, 16 أغسطس 2018

حديقة خارجة عن المألوف وسط دمشق.. شيَّدها النظام السوري تكريماً لـ«ديكتاتور» سابق، فأصبحت ملاذاً لأبناء «الأغنياء الجدد»

خلال سنة 2015، وفي خضم الحرب الأهلية، افتتح النظام السوري حديقة عامة في العاصمة دمشق تكريماً لمؤسس دولة كوريا الشمالية. وإلى جانب غرابة هذا المكان، فإنه يتعذر على عامة الناس الدخول إليه، ناهيك عن أن النظام السوري لا يزال يحتفظ به لأنه يرمز للعلاقة السرية التي تربط بين «الدكتاتوريتين»، يقول تقرير لصحيفة Le Monde الفرنسية.

منطقة «محرمة» على غير أبناء «الأغنياء الجدد»

وتوضح الصحيفة أن هذه الحديقة العامة تقع  في تنظيم «كفر سوسة» الواقع في الجنوب الغربي من دمشق وهي على مقربة من مبنى تابع لوزارة الشؤون الخارجية، ومركز «شام سيتي سنتر» الذي يعد من أكبر المراكز التجارية في العاصمة السورية. وتمثل هذه الحديقة مكاناً يلتقي فيه أبناء الأغنياء الجدد، الذين يعيشون في أبراج سكنية شاهقة. وفي المساء، تُضاء واجهة الفندق الزجاجية العالية التي تطل على شرفة مزدحمة بالزوار، حيث اعتاد الشباب على تناول مشروب «بولو» باهظ الثمن، الذي يتكون من عصير الليمون والنعناع الطازج، ويدخنون النرجيلة.

خلال صيف 2017، ومع احتدام الحرب الأهلية، غطت سماء المدينة نيران المدفعيات، ومع ذلك ظلت هذه الحديقة العامة بعيدة نوعاً ما عن مرمى النيران. وبعد مضي سنة، أزيحت الحواجز الأمنية التي تغلق شوارع دمشق رغم تواصل الحرب.

ولا أحد يريد أن يعرف مكانها من العامة!

وعندما تسأل أحدهم عن هذا المكان ليدلّك على موقع حديقة كم إل سونغ، سترى كيف ترتفع الحواجب استغراباً من هذا السؤال. كما أن متساكني هذا الحي الدمشقي يجهلون هذه الشخصية. وتقع هذه الحديقة في شارع يطل على مبنى مركز «شام سيتي سنتر» التجاري. وحسب ما يوحي به اسم الحديقة والشارع المتاخم لها، أنشئت هذه الحديقة تكريماً لكم إل سونغ مؤسس كوريا الشمالية، الذي حكمها من سنة 1948 حتى سنة 1994، ليتسلم المشعل حفيده كيم جونغ أون ويرتدي حلة الدكتاتور.

بل يصعب حتى تحديد موقعها في دمشق

 يوم 31 أغسطس/آب من سنة 2015، تم افتتاح الحديقة العامة بحضور نائب وزير الشؤون الخارجية السوري، فيصل مقداد، ومسؤولين آخرين من كلا الدولتين. وعلى الرغم من أن الوكالة العربية السورية للأنباء أصدرت بياناً عن الافتتاح معتبرة أنه قد جاء في لحظة هامة، إلا أنه مازال من الصعب تحديد موقع حديقة كم إل سونغ في دمشق.

قبل بضعة أشهر، بدا الأمر وكأنه لا شيء. وبعد التجول في شوارع دمشق بحثاً عن الحديقة لمعرفة موقعها على غير هدى نظراً لشح المعلومات والمؤشرات، وجدنا في النهاية أثراً لها. ولكن الغريب في الأمر، أنه إذا بحثت عن موقع الحديقة وأنت في فرنسا عبر موقع «خرائط جوجل»، ستجد أن موقع حديقة كم إل سونغ الجغرافي على بعد خطوتين من مركز «شام سيتي سنتر» التجاري.

حسب ما أفادت به السلطات السورية، تمتد الحديقة على مساحة 9 آلاف متر مربع، وهي محاطة بسياج، مع بوابة ضخمة بابها دائماً موصد، ومن المستحيل الدخول إليها ما لم يكن معك المفتاح، وهذا دليل على أنها ليست متاحة لجميع الزوار.

وأبوابها مغلقة كامل السنة

عبر أحد نخب دمشق، دون أن يكشف عن اسمه، عن امتعاضه من عدم تمكنه من دخول الحديقة على الرغم من أنه يقطن في إحدى البنايات التي لا تبعد كثيراً عن حي كفر سوسة. وقد علق هذا الشخص قائلاً «إنها فعلاً حديقة خارجة عن المألوف.. ولكن الغريب في الأمر أن أبوابها مغلقة كامل السنة، كما أن تخطيط هذه الحديقة جاء على شكل حرف «U» ويتوسطها منزل آهل بالسكان».

لقد تبين أن سكان هذا المنزل القديم لا يمكنهم زيارة الحديقة، وعليهم أن يسلكوا طريقاً صغيراً للوصول إلى باب منزلهم، ولا يمكنهم اختراق السياج المحيط بالحديقة. ولا عجب في أن طبوغرافيا هذه الحديقة تشمل الاختلاط بين السكان المحيطين بها. وبالنسبة للنظام السوري، تكتسي هذه الحديقة أهمية كبرى باعتبارها رمزاً للصداقة مع كوريا الشمالية. وفي هذا السياق، قال أحد المنتمين إلى النخبة في دمشق إن «الأشياء الغريبة ليست ما ينقص سوريا في هذه اللحظة».

لمعرفة المزيد عن هذه الحديقة، يجب تخطي مدخل البوابة. وعلى الجانب الآخر، لاحظ محدثنا وجود حديقة خضراء يلعب فيها بعض الأطفال الذين قاموا مثله بتجاوز جدار الحديقة، وعندما لاحظوا وجوده كانت الحيرة واضحة على وجوههم، وهو ما جعلهم يتساءلون عن هوية الشخص البالغ الذي أوقف مباراتهم داخل الحديقة التي ليس مسموحاً لهم باللعب فيها؟

وحتى البستاني الوحيد الذي يعمل داخلها، لا يعلم عنها شيئاً

يتخذ تصميم حديقة كيم إل سونغ مساراً يشبه شكل حدوة الحصان. وبغض النظر عن هذا الممر الممهد بمساحة خضراء تمت العناية بها جيداً، لا يوجد داخل الحديقة مقعد للجلوس عليه وإنما بعض الأشجار المقطوعة ومساحة من الأزهار التي يمكن أن تستلقي عليها.

إن «خالداً» هو البستاني الوحيد الذي يعمل في هذه الحديقة، ويتلقى أجره من بلدية دمشق، مع العلم أنه لا يعلم شيئاً عن هذه الحديقة التي يعمل فيها يومياً بداية من الساعة الخامسة صباحاً حتى الساعة السادسة مساء، حيث يقوم بسقي مساحة النباتات التي تعاني من حر الصيف. ولمعرفة المزيد عن هذه الحديقة، توقفنا أمام نصب حجري أمام طريق قريب، الذي كان بدوره محاطاً بسياج مطلي باللونين الذهبي والأسود.  

لكن نصباً تذكارياً قد يشرح كل شيء

بين النقوش التي كتبت على هذا النصب باللغة العربية، رُسم على الرخام الأبيض صورة زهرة السحلبية ذات اللون البهيج، وتحديداً زهرة كيميلسانغيا لأن اسم هذا النوع من الأزهار يشبه اسم كيم إل سونغ، وهو نفس نوع الأزهار الذي اعتمده مواطنو كوريا الشمالية خلال حفل تكريم زعيمهم السابق.

كتب على هذا النصب تاريخ 15 أبريل/نيسان سنة 1912، وهو تاريخ ولادة «الزعيم الأبدي للشعب الكوري، والصديق العزيز للشعب السوري». لكن ما يثير الدهشة هو أن تاريخ هذا النصب يعود إلى سنة 2002، وقد تم بناؤه قبل 13 سنة من افتتاح الحديقة. وقد يتساءل البعض، لماذا تعبّر دمشق في خضم الحرب الأهلية عن امتنانها لنظام بيونغ يانغ.  

وهو دليل على التعاون بين كوريا الشمالية و النظام السوري

منذ بداية النزاع في سوريا، تأكدت التكهنات المتعلقة بطبيعة التعاون بين البلدين. وخلال سنة 2007، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مفاعلاً نووياً في منطقة دير الزور، يشبه إلى حد كبير مركز يونغبيون للأبحاث النووية العلمية الواقع في كوريا الشمالية على بعد 100 كيلومتر شمال بيونغ يانغ. ومنذ سنة 2011، تم تداول عدة أدلة تشير إلى وجود تعاون بين النظامين، وقد كان أبرزها في شكل صور لأسلحة كانت بحوزة النظام صُنعت في كوريا الشمالية، على غرار الأسلحة المضادة للدبابات.

لقد أثبتت التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة وجود هذه الأسلحة، خاصة الصواريخ طويلة المدى. وقد أوضح الأستاذ في جامعة أنجيلو (في تكساس)، بروس بيشتول جينيور، أن «العلاقة القائمة بين النظامين برزت خلال حرب الأيام الستة سنة 1967″، التي ظلت متواصلة إلى حد الآن. وخلال سنة 1974، تلقى الرئيس السوري دعوة شرف من بيونغ يانغ.

وهو تنسيق يمتد لعقود خلت

ولكن، إذا كان للحرب الأهلية في سوريا دور في تعزيز التبادل العسكري بين البلدين، فإن ذلك لا ينفي حقيقة امتداد هذا التعاون والصداقة منذ زمن حتى قبل بداية الحرب، وخير دليل على ذلك الصور التي تم التقاطها في دمشق في عدة أماكن، على غرار حديقة كم إل سونغ. كما يحتوي متحف حرب أكتوبر 1973 على لوحة جدارية مذهلة تعرض صورة للديكتاتوريْن وهما يبتسمان ويتصافحان، لرسامين من كوريا الشمالية.

بغض النظر عن الدعاية التي تروّج لها كل من الوكالة الإخبارية الرسمية الكورية الشمالية KCNA ونظيرتها السورية SANA، عمل كلا البلدين على تعزيز علاقة التعاون بينهما عبر التكثيف من عدد الزيارات الرسمية، والتبادلات العسكرية بين الدكتاتوريتين. وقد شارك وفد من كوريا الشمالية في افتتاح حديقة كم إل سونغ في دمشق، على بعد مئات الأمتار من المقر الجديد لمجلس الوزراء.

خلال شهر حزيران/يونيو، أعلنت الوكالة الإخبارية الرسمية الكورية الشمالية KCNA أن الرئيس السوري بشار الأسد سيؤدي زيارة رسمية إلى كوريا الشمالية للقاء نظيره كيم جونغ أون. فهل ستساهم هذه الزيارات مستقبلاً في افتتاح المزيد من الحدائق؟.


اقرأ أيضا

برنامجها الصاروخي لم يتوقف وحاولت بيع سلاح لسوريا واليمن وليبيا عبر هذا الرجل.. كوريا الشمالية تتحدى مجلس الأمن

8 طائرات شاركت بالعملية التي استمرَّت 4 ساعات.. إسرائيل ترفع الستار لأول مرة عن تدميرها مفاعلاً نووياً للنظام السوري  

الترسانة المحرمة.. ماذا تبقى من سلاح الأسد الكيماوي وأين يخبؤه وكيف يستخدمه؟

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
حديقة خارجة عن المألوف وسط دمشق.. شيَّدها النظام السوري تكريماً لـ«ديكتاتور» سابق، فأصبحت ملاذاً لأبناء «الأغنياء الجدد»

قصص ذات صلة