منذ أعوامٍ خمسة لم يكُن هنا شيء.. الدقم، المدينة المُنبعثة من رمال الصحراء في عُمان
الإثنين, 15 أكتوبر 2018
الشرق الأوسط

منذ أعوامٍ خمسة لم يكُن هنا شيء.. الدقم، المدينة المُنبعثة من رمال الصحراء في عُمان

عربي بوست، ترجمة

في الدقم، وهي مدينة ناشئة تبعد نحو 300 ميل (480 كيلومتراً) من العاصمة العمانية مسقط، رُصِفَت شبكة الطرق السريعة الأساسية لتوِّها، وبدأ الميناء وحوض السفن الجاف بالعمل مؤخراً، وتستعد معامل تكرير البترول للاشتغال، وقد افتتح فُندقان فارهان بالمدينة.

كانت قريةً لصيد الأسماك قبيل عام 2011، عندما أعادت عُمان تصميم المدينة، هي وساحلها المتَّصل والمخيَّمات البدوية، كمنطقةٍ اقتصادية خاصَّة جديدة.

حمد سعيد الرواحي يقود بسرعةٍ على امتداد طريق سريع مرصوف حديثاً في الصحراء، يقول إنه «قبل أعوامٍ خمسة لم يكُن هناك شيء». يعيش بالدقم منذ بضع سنواتٍ ويعمل في حوضِ السفن بالمدينة، التي تغيَّرت كلياً، كما يصف في تقرير نشرته The Guardian، فالآن هناك فنادق مصنَّفة بـ5 نجوم وفيلَّات، ومحلاتٌ ومتاجر سوبر ماركت، وأماكنٌ يمكنك ارتيادها وزيارتها.

ومن المقدَّر أن تكون المدينة موطناً لـ111 ألف شخصٍ خلال عامين مِن الآن.

 بث الحياة في صحاري الدقم

هذا المشروع هو الأحدث ضمن سلسلةٍ مطوَّلة من المخطَّطات التي تعود لثمانينيات القرن الماضي، بهدف تطوير المناطق القاحلة من دولة عمان وإسكانها. يقطن نحو 70% من تعداد سكَّان البلاد في شريطٍ ساحلي يبلغ 150 ميلاً (241 كيلومتراً) شمال البلاد قرب مسقط. الآن تنظُر الحكومة إلى مئات الكيلومترات من ساحِلها غير المستخدم باعتبارها حبلى بالإمكانات الاقتصادية.

تتبع الخطة الكُبرى الموضوعة لمدينة الدقم قواعد التنمية الموجَّهة حول وسائل النقل بحذافيرها تقريباً. يُستخدَم الميناء البحري ليكون بذرةً أولى لمنطقةٍ اقتصادية خاصَّة متَّسعة، وتلك بدورها تُستَخدم كدافعٍ اقتصادي لبناء مدينةٍ كُبرى جديدة كلياً.

ستُبنَى في الدقم التشكيلة الكاملة لما قد يقدِّمه المشهد المديني: مناطق صناعية، ومعامل ضخمة لتكرير البترول، ومطار جديد، ومراكز تعليمية، وتراكيب متشابكة ومترامية الأطراف من المساكن المعاصرة، ومنطقة سياحية.

تقوم الفكرة هنا على أنَّ هذه المشروعات المختلفة ستعمل بشكلٍ تكافلي بعضها مع بعض: ستخلق الحركة البحرية في الميناء طلباً على الصناعات الموجودة في المنطقة الاقتصادية الخاصة، وتلك الصناعات بدورها ستخلق حاجةً لإسكان الموظفين والمستثمرين، وهؤلاء السكَّان الجدُد سيريدون ترفيهاً، ومحلات، ومدارس، ورعاية صحية. وهذا نظرياً فقط.

إغراءات للعُمانيين بالانتقال

ويُنتوَى أيضاً أن تكون الطبيعة المخطَّط لها لمدينة الدقم تسمح بوجود بيئةٍ اقتصادية أكثر تحرراً، من شأنها أن تؤدي إلى قيام المزيد من الصناعات الخاصّة، وخَلق أنواعٍ جديدة من فرص العمل، واجتذاب الاستثمار الأجنبي، وهذا كله في حين تُغري العمانيين بالانتقال إليها، فضلاً عن مسقط.

ويقول مانيشانكار براساد، وهو باحثٌ محلي عمل بإجراء تقييمات الوَقع البيئي والثقافي للمدينة الجديدة، إنَّ «الدقم مدينةٌ صناعية ضخمة تُبنَى من العدم. وهي بالأساس ستبدِّل تركُّز النشاط الاقتصادي عن المناطق الشمالية بالبلاد، وهي مناطق ممدَّنة بشكلٍ مكثَّف. إنَّ ترك هذه الرقعة الجغرافية الفسيحة نادرة السكان والنشاط الصناعي دون استغلالٍ ليس هو السبيل الأمثل للتقدُّم».

يُستخدَم الميناء البحري ليكون بذرةً أولى لمنطقةٍ اقتصادية خاصَّة متَّسعة

وعلى الصعيد العالمي، فإنَّ الدقم ليست ظاهرةً غريبة. نحن الآن في منتصف عصر المدن الجديدة؛ إذ تُشيَّد الآن أكثر من 200 مدينةٍ جديدة. تُمدَّن الآن صحراواتٌ نائية في مختلف مناطق شرق آسيا، والشرق الأوسط، وبعض إفريقيا.

هُناك مدينة نوركنت في كازاخستان، وأيلات بأذربيجان، ومدينة كابول الجديدة في أفغانستان، وبغداد الجديدة بالعراق، وروابي في فلسطين، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية بالسعودية، والقاهرة الجديدة في مصر، كذلك تعمل المغرب على بناء 9 مدنٍ جديدة، والكويت على بناء 12 مدينة.

وفي حين تختلف هذه المدن الجديدة بين إحداها والأخرى من حيث حجم مخطَّط كلٍّ منها وتعقيده، صُمِّم معظمها لتحقيق أهدافٍ متشابهة: إعادة تشكيل اقتصاد دولتها، وإعادة تصنيف البلاد باعتبارها بلداً متقدِّماً تكنولوجيّاً وذا اقتصادٍ مستدام؛ لكونها أنيقة، وعصرية، وعالمية.

اقتصاد عُماني جديد

تتوق عُمان إلى تنويع نشاطاتها بعيداً عن اعتمادها على النفط والغاز. ويصنَّف البحث الذي أجرته إدارة معلومات الطاقة الأميركية احتياطات النفط الخام المُعلَنة لدى عُمان بمقدار 5.6 مليار برميل. وفي حين أنَّ هذا كافٍ ليضع البلاد في المركز الـ21 على العالم، يعتمد اقتصادها عليه بشكلٍ غير متناسب؛ إذ يمثِّل النفط والغاز نحو نصف الناتج المحلِّي الإجمالي في عُمان، و70% من الصادرات، وما بين 68% و85% من عائدات الحكومة العمانية.

تنبَّأ صندوق النقد الدولي في عام 2016 بأن تكون عُمان إحدى عدة دولٍ شرق أوسطية مُعتمدة على النفط قد ينفد مالها قبل نهاية العقد الجاري. هذا التنبُّؤ، ومعه صدماتٌ أخرى مثل انهيار سعر النفط في عام 2014، قد جعل ضرورة التنويع رسالةً وصلت بأوضَح ما يكون لدولة عمان.

احتياطات النفط الخام المُعلَنة لدى عُمان بمقدار 5.6 مليار برميل

استجابت حكومة عُمان للرسالة تلك بأن أعلنت أنَّ حصَّة مشتقَّات الهيدروكربون من ناتجها المحلِّي الإجمالي ستُخفَّض إلى النصف بحلول عام 2020. ولتحقيق هذه الغاية، خُصِّص 106 مليارات دولار لتطوير قطاعات السياحة، والنقل، والعقارات، وتضاعفت الجهود المبذولة لإخراج مشاريع مثل الدقم للنور.

وتقول سارة موزر أستاذة الجغرافيا بجامعة ماكغيل ومؤلِّفة أطلس يصدر قريباً للمدن الجديدة: «تُشيَّد الآن عشراتٌ من المدن الجديدة في الشرق الأوسط، ويحدث هذا بشكلٍ أساسي بغية الانتقال بعيداً عن صناعة البترول تجاه عددٍ متنوع من الصناعات الأخرى، ومن بينها السياحة، والتصنيع، والتعليم، والتكنولوجيا المتقدِّمة.

وتتوق عدة دولٍ منتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط إلى عولمة اقتصادها وجذب المستثمرين الدوليين، وخاصةً في ظلِ ترقُّبهم للعالم بحقبة ما بعد النفط (ما بعد نفاد مخزون النفط). تقدِّم المُدن الجديدة سبيلاً لتدشين هذا الانتقال الاقتصادي، وكذلك يُنظَر إليها على أنَّها وسيلةٌ لبدايةٍ جديدة تتجنَّب الفساد، والبيروقراطية، والتشابكات السياسية المتأصِّلة جميعاً في المدن القديمة».

الصينيون أول المستثمرين

تطلُّ الدقم على بحر العرب قرب مضيق هرمز، وهو المَدخَل المؤدي إلى الخليج، وصِمام إمداد النفط الأهم في العالم أجمع. حالياً يمر نحو خُمس نفط العالم عبر هذا المضيق، المعرَّض دوماً للاضطرابات. إذا ما نجح مشروع الدقم، فسيكون بمقدور صناعة شحن النفط أن ترسو على أبواب الشرق الأوسط دون الحاجة للتعمُّق في المنطقة.

وكان موقعها الإستراتيجي ذاك هو ما جذب اهتمام «طريق الحرير البحري» الخاص ببكين والمُعلَن عن قُرب تنفيذه؛ إذ يتَّجه ثلاثة أرباع صادرات النفط الخام العماني مباشرةً إلى الصين.

وفي العام الماضي (2017)، تملَّك «وانفانغ عُمان» -وهو اتحادٌ من شركاتٍ صينية خاصة- حصة قيمتها 10.7 مليار دولار على امتداد 11 كيلومتراً مربَّعاً في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم. لقَّب الاتحاد -في خطوةٍ نفعية- القطاع المملوك له من مدينة الدقم باسم «المدينة الصناعية الصينية-العمانية»، وتخطِّط لبناء معملٍ لتكرير النفط به، ومصنع لإنتاج الميثانول، ومنشأة لإنتاج معدَّات الطاقة الشمسية، ومصنعٍ للسيارات، ومصنعٍ لمواد البناء، ومنطقة سياحية بقيمة 200 مليون دولار، ومنازل تَسعُ إسكان 25 ألف شخصٍ بالمنطقة.

وفي حين لا يأتي المال الذي يُضخُّ في هذه الجهود رسمياً من الحكومة الصينية، فإنَّه من الواضح أنَّ «وانفانغ عمان» يحظى بدعمٍ سياسيّ كامل من جانب بكين، ويتضمَّن هذا الدعم موافقةً من لجنة الصين الوطنية للتنمية والإصلاح، التي قد أعلنت كون المشروع «مجمَّعاً صناعياً بارزاً في الخارج».

منطقة سياحية بقيمة 200 مليون دولار، ومنازل لإسكان 25 ألف شخصٍ

وقد مهَّد هذا الدعم السياسي من أعلى المستويات الطريق لتجارب صينية اقتصادية أخرى في عُمان، مثل القرض الضخم البالغة قيمته 3.6 مليار دولار والمقدَّم إلى مسقط العام الماضي (2017).

استثمرت دولٌ أخرى في مدينة الدقم كذلك، ومن بينها الكويت، واليابان، والسعودية، وكوريا الجنوبية. وفي فبراير/شباط 2018، أُعلِن أنَّ الهند ستُعطَى حق الدخول إلى الميناء وحوض السفن لأغراضٍ تجارية وعسكرية.

البدو يرفضون الانتقال

وفي حين أنَّ الدقم لم تكن يوماً ذات كثافة سكانية عالية، فإنَّ نحو 3 آلاف بدوي -ومعظمهم صيَّادون ورعاة غنمٍ شبه مرتحلين- عدُّوا هذا المكان موطناً لهم قبل قدوم الجرَّافات إليه.

الآن أُزيلَت هذه القرى وقد بَنت الحكومة العُمانية لهم بلدةً جديدة معاصرة؛ لينقلوا الرِّحال إليها. تبدو منازل البلدة الجديدة كما لو نُقِلَت بالحَرف عن مدينة مسقط؛ إذ إنَّها مبانٍ بيضاء ناصعة من طابقين ذات مرآبٍ للسيارات وبواباتٍ مزخرفة. ويوجد مسجدٌ في وسط البلدة.

بنوا للبدو منازل أنيقة مجهزة لكنهم رفضوها وفضلوا الخيام

تنتصب تلك المنازل خاوية على عروشها. يفضِّل البدو المحلِّيون أسلوب حيواتهم التقليدي، ويريدون مساحاتٍ يمكنهم فيها تربية الجِمال.

لا يريدون السكن في محلّ الإقامة الذي وفَّرته لهم الدولة؛ لأنَّهم يرونه منافياً للطبيعة. لكن الحداثة ستُدرِكهم أخيراً… سواء أرادوا ذلك أم لا..

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
منذ أعوامٍ خمسة لم يكُن هنا شيء.. الدقم، المدينة المُنبعثة من رمال الصحراء في عُمان