قصة قرية جزائرية عانت من التهميش والإرهاب حتى أصبحت "باريس الصغيرة"
الجمعة, 17 أغسطس 2018

عانت التهميش والإرهاب حتى أصبحت «باريس الصغيرة».. قصة القرية الأمازيغية التي باتت رمزاً للحرية بالجزائر

عكس بعض القرى المحاذية لها، نجحت تيفردود في ملائمة نظامها القديم المعتمد على الإدارة الذاتية مع متطلبات الحياة الحديثة. قرية جزائرية توجد في منطقة القبائل الأمازيغية، يُطلق عليها أيضاً «باريس الصغيرة» ، وتتمتع بِحُرية تعبير فريدة من نوعها في الجزائر .

ويمتد موكب من السيارات على طول المنحدر الحاد، في الوقت الذي يصدر فيه من قمة إحدى التلال هزيجُ احتفالاتٍ تختلط فيه أصوات زمامير السيارات بالضحكات العالية والآلات الإيقاعية. ويصف تقرير لصحيفة Jeune afrique الفرنسية، كيف يكافح ثلة من الزوار في متاهة الأزقة هناك للعثور على طريق يشقونه بين البيوت الحجرية. وتعليقاً على ذلك، قالت إحدى نساء هذه القرية، والتي ترتدي فوطة تقليدية مزيَّنة بخطوط حمراء وسوداء وصفراء تربطها حول خصرها، مبتسمةً: «لقد عشت طيلة حياتي في تيفردود ولم أرَ هذا العدد من الناس قَط!».

تهميش الدولة وهجرة الشباب

وتدين تيفردود بهذا التجمع السياحي غير المسبوق إلى مهرجان Raconte-Arts (راكونت آر) المتنقل والمستقل. وعلى امتداد أسبوع، اهتزت أعلى قرية في منطقة القبائل، التي يصل ارتفاعها إلى 1200 متر وتبرز ضمن أعلى مرتفعات سلسلة جبال جرجرة، على وقع العروض الثقافية. وقد أوردت مُدرّسة للغة الفرنسية، تُدعى غنية، أن «تيفردود هي العاصمة الثقافية للجزائر لمدة أسبوع».

على بُعد خطوات قليلة، وتحديداً داخل محل لبيع الهدايا تم ترتيبه خصيصاً لهذه المناسبة، يُؤكد الحرفي الهادي سدادي أن «الوضع الذي وصلت إليه تيفردود الآن يُعد تتويجاً لسنوات من الجهود لإعادة إحياء القرية».

في الحقيقة، عاشت تيفردود، التي سُميت على اسم نوع من الزهور، سنوات قاسية عديدة. وإلى غاية مطلع العقد الأول من القرن الحالي، عانت هذه القرية، على غرار العديد من القرى المجاورة لها، موجة نزوح سكاني. ويتذكر مهندس متقاعد يُدعى ماسينيسا، أنه «لم نكن نتمتع لا بغاز المدن ولا بخدمة الإنترنت، كما كنا مهدَّدين من قِبل الإرهاب الإسلامي. أما بين سنتي 1998 و2002، فقد عشنا ظروفاً أصعب من كل هذا، خاصة مع مغادرة نحو 50 شاباً القرية سنوياً». وفقدت تيفردود قرابة ثلث سكانها، ولم تعد تضم اليوم سوى 1500 نسمة تقريباً.

إلا أنهم سرعان ما نهضوا من جديد

ومنذ 5 سنوات، بدأ السكان بتطوير قريتهم بأنفسهم، بشكل ذاتي، دون انتظار تدخُّل السلطات العامة. وأفاد نافح أويدير، الذي حصل على إجازة خلال المهرجان لإدارة المشرب المخصص بالسياح، بأن «أوضاع القرية كانت تتدهور شيئاً فشيئاً. ولم تتم صيانة منازلها أو مرافقها العمومية قَط؛ لذلك لم يكن من الممكن مواصلة العيش فيها حقاً. لهذا، شمرنا جميعاً عن سواعدنا لتحسينها». وتقف لجنة القرية وراء عملية إحياء تيفردود. وتتولى هذه الجمعيةُ الشعبيةُ، المكونة من «حكماء» يُمثلون السكان، إدارة الشؤون الحالية للقرية.

ويوضح ماسينيسا، وهو عضو في هذه اللجنة، أن «تجمُّع الحكماء هذا يُعد منظمة اجتماعية ورثناها منذ القدم، وقد قاومت جميع المحتلين في الماضي، كما حاول كل المستعمرين إخضاعها. وقد أسس الفرنسيون لجاناً بديلة عنها، انقلبت في نهاية المطاف ضد النظام الاستعماري».

«استقلال ذاتي» وتدبير خاص لشؤون القرية

ومع مشروع التحضر الشامل، قطعت بعض القرى مع هذا التقليد. أما في تيفردود، فقد تم تجديد هذا الهيكل، حيث أفسح القدماء المجال أمام الجيل الشاب. وصرح حسين، مُعلم وعضو في هذه اللجنة منذ 3 سنوات، بأن «الوافدين الجدد من الشباب إلى هذه اللجنة يمتلكون مهارات مثيرة للاهتمام. فمن أطباء ومهندسين معماريين، جلب هؤلاء معهم ديناميكية جديدة إلى إدارة القرية».

وكل يوم جمعة، يجتمع 30 عضواً، من الرجال فقط، في الساحة الرئيسية للقرية. ويروي نافح أويدير: «إننا نلتزم بجدول أعمال، ونصوّت عن طريق رفع الأيدي، وتفوز الأغلبية على أثر ذلك. وفي معظم الأحيان، نخوض في نقاشات إلى أن نتوصل إلى الإجماع».

ولا يرى ماسينيسا أي تنظيم آخر يُمكن أن يتلاءم مع إدارة القرية، ويفيد بأن «اللجنة تُعتبر شكلاً من أشكال الديمقراطية التشاركية؛ إذ تُعين كل عائلة عضواً يُمثلها، ويُشرف رئيس القرية على إدارة الخزينة. ولا يُعد هذا الرئيس أعلى مرتبة أو أكثر نفوذاً من البقية؛ لأن القرار جماعي». ويُواصل قائلاً: «تُعد هذه اللجنة مَدرسة تُعلِّمك أسس المواطنة أيضاً؛ إذ يستمع الأطفال الذين يحضرون اجتماعاتنا إلى أمور لا يُمكن أن يتعرضوا لها في أماكن أخرى. نحن نتمتع بحرية تعبير فريدة من نوعها في الجزائر، ويمكننا القول إنها تُعتبر شكلاً من أشكال مقاومة سلطة استبدادية».

أنظف قرية جزائرية

في سنة 2016، قرر سكان قرية تيفردود بأعالي جبال جرجرة في تيزي وزو الجزائرية، رفع التحدي ورفع سقف المنافسة عالياً للتتويج بجائزة باتت تقليداً سنوياً، تُمنح لأنظف قرية. وسريعاً أضحى الحلم حقيقة.

ورغم شهادة حسين آيت أحمد -أحد قادة الثورة الجزائرية- عن القرية التي قضى فيها سنوات من طفولته متعلماً ودارساً في مدرستها الفرنسية أيام ثورة التحرير- فإن «تيفردود» لم تحظَ بالشهرة إلا بعد تتويجها، في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، بجائزة «أنظف قرية» في نسختها الخامسة، بعد أن نافست على اللقب 78 قرية مشارِكة.

التحدي الذي رفعه السكان تحقق حينما أصروا على جعل قريتهم مثالاً يُحتذى به في النظافة والجمال، وبحسب الحاج إسماعيل -الذي أخذ إجازة 6 أشهر وعاد من فرنسا التي يقيم بها إلى قريته؛ للمشاركة في هذا التحدي- فإن «80% مما أنجزه السكان كان بأموالهم وتبرعاتهم الخاصة».

الجائزة التي ترعاها سنوياً السلطات المحلية لولاية تيزي وزو تخضع لعدة بنود؛ أهمها إعادة الاعتبار للمساحات العمومية والنافورات، واستحداث مساحات خضراء، وتجميل المحيط والشوارع، وصيانة المقابر وتنظيم عملية جمع النفايات.

مستفيدين من أبناء القرية بالمهجر

تتعدد مسؤوليات اللجنة من المهام اليومية إلى أشغال التنمية والتطوير. ويُفسر حسين هذا الأمر قائلاً: «إننا جمعية ذات صبغة اجتماعية. فنحن نعتني بالأسر الفقيرة، كما يُمكننا دفع تكاليف الرعاية الصحية للمحتاجين، أو شراء اللحوم في الأعياد الدينية. ونُشرف أيضاً على تسوية الخلافات بين الجيران».

وقد شاركت اللجنة في إحداث تغييرات جذرية وسريعة في القرية من خلال تجديد الواجهات وبناء العديد من البنى التحتية. وخلال 5 سنوات، تم تجهيز تيفردود برصيف مصقول، وملعب كرة القدم وقاعة متعددة الأغراض. وقد تم تمويل كل هذه الإنجازات بفضل التبرعات الإلزامية. وحيال هذا الشأن، أفاد نافح أويدير بأن «كل رجل تجاوزت سنُّه 20 عاماً يجب أن يدفع 50 ديناراً شهرياً، في حين أن الذين يعيشون في الخارج يدفعون 100 دينار شهرياً».
ولم تقطع الجاليات المهاجرة علاقتها بالقرية وظلت تقوم بواجباتها تجاه مسقط رأسها، كما لم تقتصر إسهاماتهم على تقديم الدعم المالي للقرية. وفي فرنسا، حيث يوجد عدد كبير من المهاجرين من تيفردود، وباعتبارهم من بقية سكانها، تحافظ إحدى الجمعيات على روابط هذه الجالية بالقرية. وفي هذا السياق، أوضح خالد آية هادي، الذي غادر تيفردود سنة 1994، أن «هناك لجنة تُعنى بشؤون القرية تجتمع في باريس بصفة منتظمة».

وللنساء دور كبير في ذلك

وبفضل هذه الجهود الجماعية، التي سمحت لتيفردود بأن تصنف كأنظف قرية في منطقة القبائل خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018، تمكن المواطنون من قلب الكثير من الموازين المتعلقة بهذه القرية. وعلى الرغم من أن اللجنة كانت تشكيلاً يضم الكثير من الرجال، فإنها لم تتجاهل آراء ومواقف المرأة، حيث تتم استشارة بعض المتحدثات باسمهن بشأن نظافة القرية، أو تنظيم بعض الأحداث أو الفعاليات، من بين أمور أخرى.
وصرحت نائبة رئيس جمعية كمال أمزال، منية آية حمادوش، قائلة: «عندما كنت صغيرة في السن، لم أكن أتجرأ حتى على الذهاب إلى الاجتماعات؛ خجلاً من رؤية عيون رجل. أما اليوم، فأشارك في الاجتماعات، وأستمع إلى ما يقولونه وأحترمهم». وأضافت منية: «أرحب بأولئك الذين عادوا إلى قريتهم الأصلية لتغيير الكثير من الأمور فيها» بعد أن قضت عدة سنوات في الجزائر العاصمة.

بالإضافة إلى هذه الاجتماعات، تعقد قرية تيفردود اجتماعاً عاماً مع جميع السكان في آخر يوم جمعة من كل شهر. وقد أفادت منية بأن «النساء والرجال يشاركون على قدم المساواة في هذا الاجتماع». ومن خلال هذه الاجتماعات المختلطة، تعتبر تيفردود استثناء في منطقة القبائل. وقد أوضحت مُدرّسة اللغة الفرنسية، غنية، قائلة: «نحن محافظون، ولكننا لسنا رجعيين. لقد أظهرت قريتنا دائماً درجة عالية من التفتح. فهنا لا يتم حجب النساء في المنزل، حيث نجتمع بالعديد من النساء المتعلمات والأطباء والمُدرّسين. كما تلقب قريتنا بـ(باريس الصغيرة’)».

وسكان «باريس الصغيرة» لا ينسون «ضحايا» الإرهاب

يرتبط اسم تيفردود ارتباطاً وثيقاً باسم كمال أمزال، حيث ما زالت صورته تغطي جدران قرية جزائرية إلى يومنا هذا، وهو يعد من أول ضحايا الإرهاب. وقد قُتل الطالب كمال أمزال في الجزائر العاصمة بوحشية،  وذلك طعناً بالسيف، في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1982، من قِبل الإرهابيين؛ انتقاداً له على التزامه بالقضايا الديمقراطية التي تُعنى بالأمازيغية.
وكان كمال أمزال يدير حملة لانتخاب لجنة تابعة لمدينة بن عكنون الجامعية، حيث كان يقيم. وعشية مقتله، كان قد انتهى لتوّه من نشر ملصقات تدعو إلى إجراء انتخابات. وقد أحيا مهرجان Raconte-Arts «راكونت-آر» ذكراه، في حين اجتمعت الناشطة من أجل استقلال الجزائر، جميلة بوحيرد، مع مجموعة من المتعاطفين الديمقراطيين، عند قبره.

وأفادت نائبة رئيس الجمعية الثقافية التي تحمل اسم هذا الناشط، منية آية حمادوش، بأن «استضافة مهرجان Raconte-Arts (راكونت-آر) في تيفردود يعد انتصاراً متأخراً لكمال أمزال، الذي كان سيفخر به لو كان حياً».


اقرأ أيضا

قضية «الجزار» الذي أسقط كبار جنرالات الجزائر.. استمرار الإعفاءات ومؤشرات على دخول الجيش سباق الانتخابات

بطل الجزائر القومي تجاهلت الدولة وفاته.. وسكان ولايته يردُّون بالتظاهر والتهديد بمقاطعة الانتخابات المقبلة

الجزائريون يلجأون إلى طريقة ذكية لبيع الأضاحي.. وأسعارها أعلى من الطريقة العادية

اقتراح تصحيح
عربي بوست، ترجمة
الجزائر تدعم السعودية في الأزمة الدبلوماسية مع كندا رغم خلافاتهما
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
عانت التهميش والإرهاب حتى أصبحت «باريس الصغيرة».. قصة القرية الأمازيغية التي باتت رمزاً للحرية بالجزائر