النظام السوري يستعد لمهاجمتها والأتراك يعتبرونها خطاً أحمر.. إدلب معقل المعارضة الأخير الذي قد يتحول لمأساة إنسانية
السبت, 18 أغسطس 2018

النظام السوري يستعد لمهاجمتها والأتراك يعتبرونها خطاً أحمر.. إدلب معقل المعارضة الأخير الذي قد يتحول لمأساة إنسانية

إدلب معقل المعارضة الأخير في سوريا، قد يشهد مأساة إنسانية مروعة،  ففيما يُكمل نظام الأسد فرض سيطرته على جنوب غربي سوريا، يتحوَّل الانتباه إلى شمال غربي البلد، وعلى الأخص محافظة إدلب، أصبح السؤال المقلق للكثيرين هو متى سيشنّ النظام وداعموه الروس والإيرانيون الهجومَ على المحافظة، بدلاً مما إذا كانوا سيشنون الهجوم أم لا، بحسب تقرير نشره موقع War On The Rocks الأميركي.

يوجد ما يُقدَّر بنحو 2.5 إلى 3.3 مليون شخص، ومن بينهم 1.2 مليون نزحوا داخلياً، حالياً في المنطقة التي يغلب عليها الطابع الريفي، وتشكل فقط ما بين 3 إلى 4% من مساحة سوريا.

وقبل عام 2011، كانت إدلب موطناً لـ750 ألف نسمة فقط.

وأصبح شمال غربي سوريا، الذي ظلَّ لفترة طويلة مرتعاً للمقاومة المسلحة ومركزاً للعمليات المرتبطة بتنظيم القاعدة، ملجأً أخيراً بالنسبة لمقاتلي المعارضة المهزومين وعائلاتهم من كل مكانٍ من البلد.

ويوجد حالياً 70 ألف مسلح على الأقل في إدلب والمناطق المحيطة بها، وفقاً لأحد التقديرات، وتنتمي أقليةٌ منهم لا يمكن الاستهانة بها إلى جماعاتٍ كانت أو لا تزال مرتبطة بالقاعدة.

وفي حال ما إذا شنَّ النظام ما سيكون حتماً حملةً عسكرية وحشية على إدلب، فسيكون المدنيون هم من سيعانون بصورةٍ تفوق التقدير، وبأعدادٍ أكبر من أي وقت مضى، حسب التقرير.

ستبدو كل الأحداث الأخرى في سوريا كما لو أنّها نقطةٌ في محيط بالنسبة لما قد يحدث في إدلب. ومع ذلك، يبدو أنَّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكل حلفائهما في المنطقة غير مهتمين على الإطلاق.

خط أحمر بالنسبة لتركيا.. ولكن هل يستطيع الروس وقف نظام الأسد؟

أعلنت تركيا محافظة إدلب «خطاً أحمر»، وتبدو عازمةً على نفاذه كذلك، على الرغم من أنَّه لا يزال غير واضحٍ ما إذا كان ذلك الموقف سيكون كافياً لوقف الحملة التي يقودها النظام.

وتُصرّ روسيا على أنَّها تعارض أي تصعيد للأعمال العدائية في إدلب، لكن بالمثل، فالأدلة مع قدرتها على كبح جماح نظام الأسد وإيران حقاً محدودة في أفضل الأحوال.

تركيا تعتبر إدلب خطا أحمر ورورسيا لن توقف الأسد

 ويجب على الولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهما الاعتراف على وجه السرعة بأهمية استمرار الهدوء النسبي، الذي يسود حالياً شمال غربي سوريا، لتجنب سلسلةٍ من التحديات والمخاطر التي قد تنجم عن تصعيدٍ كبير في القتال.

قد يبدو الوضع في إدلب معقل المعارضة الأخير معقداً وفوضوياً، لكنْ هناك نوع من النظام في هذه الفوضى، على الأخص بسبب استثمار تركيا المحفوف بالمخاطر في محاولة توحيد المعارضة السورية في شمال غربي سوريا، وتهميش المتطرفين فيها تأكيد سيطرتها على مختلف أطراف المعارضة، حسب وصف الموقع الأميركي.

وفي حال ما سُمِح باستئناف العمليات العدائية، فالخراب الناجم عنها سيكون غير مسبوق في هذه الحرب المستمرة منذ سبعة أعوام، وستكون التداعيات واسعة النطاق.

أين ذهبت مناطق خفض التصعيد في سوريا، التي وعدت بها روسيا في اتفاق أستانا؟

قبل عام، ضمّت سوريا أربع «مناطق لخفض التصعيد»، جرى التفاوض عليها على المستوى الدولي، وهي مناطق وافق الفاعلون المحليون والدول الخارجية على عدم الانخراط في أعمالٍ قتالية فيها أو دعمها، بهدف السماح بإحلال الهدوء المطلوب إلى حدٍّ كبير وتقديم المساعدة الإنسانية لمئات الآلاف من الأشخاص المحتاجين.

بالنسبة لمعظم الدول التي لها مصالح في ذلك الوضع، يبدو أنَّ ذلك المخطط، الذي صمَّمته روسيا بنسبةٍ كبيرة، يُحرك الأمور تجاه وضعٍ يبدو قريباً من الاستقرار. أو على الأقل هذا ما أقنعوا به أنفسهم. وساعدت المنفعة الإنسانية الفورية الناتجة عن تهدئة الصراع في تبرير الدعم الغربي لمناطق «خفض التصعيد».

وباختيار تمديد دعمها العلني، جنَّبت العواصم الغربية نفسها الاضطرار إلى فعل المزيد، أو في الواقع فعل أي شيء، لحل قضايا أخرى أكثر تأصلاً.

قوات الأسد استغلت خفض التصعيد ف لإعادة تنظيم صفوفها وترتيب أولوياتها

هكذا استغلَّ الأسد الفكرة للاستفادة من قوة جيشه المحدودة

غير أنَّه سرعان ما اتضح أنَّ نظام الأسد كان يستغل هذا المخطط لخفض التصعيد لأغراضٍ خبيثة. وكون النظام عانى لفترةٍ طويلة من عواقب الاضطرار إلى نشر قوةٍ محدودة من جيشه لقتال المعارضة المدعومة جيداً على عدة جبهات، فقد وفّر خفض التصعيد فرصةً للنظام لإعادة تنظيم صفوفه وترتيب أولوياته.

فقد اعتدى التحالف الموالي للنظام السوري بصورةٍ منهجية على مناطق خفض التصعيد نفسها، وشرع في حملات الأرض المحروقة الهادفة إلى التعجيل بالاستسلام الجماعي للمعارضة.

وفي الفترة بين يناير/كانون الثاني وأواخر يوليو/تموز من العام الجاري 2018، أعاد النظام السوري السيطرة عسكرياً على ثلاث مناطق لخفض التصعيد من أصل أربعة (المنطقة المحيطة بحمص، والغوطة الشرقية في دمشق، ومحافظتا درعا والقنيطرة في الجنوب الغربي).

وأثناء ذلك، وقف العالم صامتاً حرفياً. فقط تسبب هجوم كيماوي للنظام على الغوطة الشرقية في رد فعلٍ عقابي تمثّل في ضربةٍ جوية مشتركة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لكن حتى ذلك لم يكن سوى عقاب خفيف.

وحالياً يقوم الأسد بحشد قواته حول إدلب

والآن، لم يبق في قبضة المعارضة سوى منطقة خفض التصعيد في الشمال الغربي، ولا يبدو مرةً أخرى أنَّ المجتمع الدولي على الأرجح سيقف في طريق نظام الأسد. وبالفعل، وصلت تعزيزات جديدة موالية للنظام إلى غربي إدلب معقل المعارضة الأخير (في قرى كنسبا وعين القنطرة بمحافظة   اللاذقية)، وإلى شرقيها (في أبوالظهور ومحيطها)، وإلى جنوبها (في ريف حماة الشمالي).

قوات الأسد تحشد صفوفها لهجوم واسع في إدلب

وقال قائد بارز في حركة تحرير الشام المرتكزة في إدلب للموقع الأميركي: «شهدنا مؤخراً تحركات كبيرة للميليشيات الإيرانية والتابعة للنظام… قواتنا على الجبهات تقول إنَّ العدو ضاعف قواته المواجهة لإدلب على مدار الأسبوعين الماضيين، في كلٍّ من حلب واللاذقية، وشوهدت أيضاً العديد من الأسلحة الثقيلة والمدفعية».

ولكن الروس يستبعدون حدوث هجوم.. ولكن هكذا يناقضون أنفسهم

على الرغم من إصرار المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا، أنَّ «أي عملية واسعة النطاق في إدلب هي أمرٌ مستحيل»، فقد أشار الأسد بنفسه وسفيره لدى الأمم المتحدة علانيةً إلى تصميمهما على استعادة شمال غربي سوريا بالقوة.

وفي واقع الأمر، بدا أنَّ وزير الخارجية الروسي نفسه يناقض مبعوث بلاده الخاص يوم الخميس الماضي 2 أغسطس/آب، عندما أصرَّ على أنَّه من «الضروري توجيه ضربة أخيرة إلى الإرهابيين» في شمال غربي سوريا.

ولفترة طويلة صورَّت روسيا نفسها على أنَّها تعارض أي هجوم عسكري واسع النطاق في إدلب.

ونظراً للتضاريس الجبلية، والسكان المنتشرين على نطاقٍ كبير وغالبيتهم من أهل الريف، وحجم أعداد المعارضة المسلحة ومدى تداخل الجهاديين المخضرمين معهم، والحجم الهائل للمدنيين والسكان النازحين داخلياً، فأي حملة لاستعادة إدلب بالقوة قد تتطلب على الأرجح جهداً عسكرياً من روسيا، أكبر من أي شيء أقدمت عليه موسكو حتى الآن في سوريا.

وعلاوةً على ذلك، فإنَّ الخطر على الروس ومعداتهم الثقيلة، فضلاً عن تشويه سمعة موسكو الناجم عن الخسائر المحتملة المصاحبة لأي حملة على إدلب، يجعل خيار الهجوم أقل جاذبية بالنسبة لروسيا.

وبالرغم من أهداف الروس أو ما يقولونه، فكما كُشِفَ للجميع على مدار الأسابيع الأخيرة القدرة المحدودة لروسيا على كبح جماح إيران في جنوبي سوريا، فقدرة موسكو على منع نظام الأسد والميليشيات المرتبطة بإيران من الشروع في صراعٍ كبير في إدلب هي على الأرجح غير كافية على نحوٍ مماثل.

ولكن يبدو أن معركة إدلب سوف تكون مختلفة بالنسبة للنظام

في حالة ما إذا شنَّ النظام حملةً عسكريةً على الشمال الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة، سيقحم النظام نفسه في بيئةٍ معقدة على نحوٍ كبير.

تضم إدلب وضواحيها مختلف مجموعات المعارضة المناوئة للأسد، بدءاً من الجيش السوري الحر الأكثر اعتدالاً، مروراً بالجماعات التي تتسق أيديولوجيتها مع جماعة الإخوان المسلمين، وآخرين ممن يعتنقون المعتقدات السلفية الأكثر تشدداً (لكن لا يزالون قوميين)، ووصولاً إلى تنظيم القاعدة.

وفي الأشهر الأخيرة، برزت أيضاً شبكة يتزايد انتشارها من الخلايا النائمة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بعد أكثر من أربع سنوات من طرد فصائل المعارضة للتنظيم الجهادي.

وهذا التنظيم بات الأقوى في المحافظة

على مدار العام الماضي 2017، أكدت جماعة مسلحة بعينها بشكلٍ عنيف تفوقها العسكري في شمال غربي سوريا، وهي هيئة تحرير الشام، التي كانت في السابق الجماعة الرئيسية التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا تحت اسم جبهة النصرة، ودأبت منذ ذلك الحين على إعادة التأكيد على تركيزها الاستراتيجي على سوريا، على حساب علاقتها بالقاعدة.

ويتحدث الآن قادة تنظيم القاعدة الجهادي العالمي، بما في ذلك زعيم الحركة أيمن الظواهري، عن هيئة تحرير الشام باعتبارها حركةً منفصلةً تماماً، وينتقدها بحدة، لانتهاكها قَسَم ولائها وتخليها عن القضية العالمية.

وبعد تحقيقها الهيمنة في المنطقة بفضل سلسلة من الحملات العسكرية ضد منافسيها الرئيسيين من المعارضة، سعت هيئة تحرير الشام إلى توسيع جهودها السياسية والإدارية، بتنسيقها عن طريق «حكومة إنقاذ» يديرها مدنيون.

سعت كل التنظيمات المسلحة إلى توسيع مناطق نفوذها في المنطقة

ووسعت الجماعة مبادراتها وأنشطتها لتوفير الخدمات الأساسية، بدايةً من التعليم والرعاية الصحية ووصولاً إلى الكهرباء والمياه. وأُعيدَ تنظيم بعض الوحدات العسكرية السابقة لتصبح قوات شرطة محلية، وربما كانت أبرز مبادراتها تلك إعادة هيكلة مكتب سياسي جرى تقييده سابقاً، والآن منح سلطة إجراء اتصالاتٍ مع الحكومات الأجنبية.

وقال قياديان وعدة مسؤولين حكوميين رفضوا الإفصاح عن هوياتهم، إنَّ هيئة تحرير الشام الآن لديها علاقات سياسية نشطة مع دولتين إقليميتين على الأقل، في حين أنَّ العديد من الحكومات الأوروبية أخذت بعين الاعتبار إمكانية إقامة علاقة رسمية مع «حكومة الإنقاذ» وقادتها السياسيين.

وقال أحد الشخصيات الإسلامية، الذي يعمل عن كثب مع قيادة هيئة تحرير الشام لموقع War On The Rocks الأميركي: «على الرغم من أنّها (هيئة تحرير الشام) لديها الكثير من المشكلات مع آخرين، لكن لا أحد يمكنه تجاهل نفوذها… لقد قامت بالكثير من العمل لإصلاح صورتها، وبإذن الله سيعترف الناس بذلك وسيدعمون رؤيتنا، لأنَّ ذلك هو أفضل مسار لهم… نرغب أيضاً في التحدث إلى الحكومات الأجنبية، ما داموا صادقين في نواياهم».

من داعش إلى «هتش»

غير أنَّ الوضع ليس بسيطاً إلى هذه الدرجة، إذ إنَّ هيئة تحرير الشام تحظى الآن بسمعةٍ سيئة للغاية في الشمال الغربي.

ولكن مشكلتها الكبرى ليست مع القوى الخارجية، بل مع رفاق السلاح السابقين، حتى إنهم أطلقوا عليها لقباً غريباً.

فالطريقة التي حقَّقت بها الهيئة الهيمنة العسكرية في إدلب، على حساب الكثير من جماعات المعارضة المحلية الأكثر شعبية، أفسدت علاقاتها مع السكان المدنيين وحركة المعارضة الأوسع، التي أمضى أسلاف هيئة تحرير الشام (أسلافها مثل النصرة) سنواتٍ في بنائها.

ويشير كثيرون في إدلب إلى هيئة تحرير الشام بـ»هتش»، وهو تلاعب بالأحرف الأولى من اسم الحركة على غرار «داعش»، كنايةً عن تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي أحد الاجتماعات التي حضرها مراسل الموقع الأميركي في أواخر عام 2017، تحدَّث حسان صوفان قائد جماعة أحرار الشام بصراحة عن التهديد الذي يفرضه تطرف جماعة «هتش»، الذي قارنه هو نفسه بذلك الخاص بتنظيم داعش.

وفي وقتٍ سابق من الأسبوع الجاري، أعرب عضو قيادي بمجلس شورى أحرار الشام عن إحباطٍ مماثل، قائلاً للموقع الأميركي: «هاجمت (هتش) الفصائل (المعارضة الأخرى) لأنَّنا أسسنا علاقاتٍ مع تركيا والمجتمع الدولي، بهدف تحقيق مصالح الثورة والشعب السوري. (هتش) اتهمت الفصائل باستخدام خطابٍ سياسي ضعيف، وحشدت مقاتليها مستخدمةً هذه الأفكار، لكن اتضح لاحقاً أنَّها تفعل الشيء نفسه تماماً! إنَّها تدفع الآن ثمن التناقضات بين لغتها الخطابية وأفعالها واعتداءاتها على الفصائل والشعب».

وخضعت معظم مجتمعات الشمال الغربي إلى سادتها الجهاديين الجدد على مضض. وعلى الرغم من أنَّ هذا الموقف أبعد ما يكون عن المثالية، فهو أفضل من الوضع الذي يلوح في الأفق، إذ إنَّ التهديد بهجومٍ كبير للنظام على الشمال الغربي لسوريا يمكنه فقط أن يغير المعادلة ويعيد الناس إلى كنف هيئة تحرير الشام.

الوجود العسكري التركي يتعزَّز، ومواجهة المسلحين الأكراد هو هدفه الأول

في حقيقة الأمر اللاعب الأهم في شمال غربي سوريا ليس هيئة تحرير الشام، لكنَّها تركيا. كون أنقره مارست نفوذاً قوياً لفترةٍ طويلة على الأطراف المعارِضة في شمال غربي سوريا، فقد توسَّع دور تركيا منذ تدخلها العسكري في شمالي حلب، في أغسطس/آب في عام 2016.

وأسس الجيش التركي، وجوداً عسكرياً بعد أن سيطر على 150 كيلومتراً من الأراضي الممتدة من عفرين شرقاً إلى جرابلس على الضفة الغربية لنهر الفرات، مدفوعاً بالأساس بإصرارٍ على منع زيادة توسع وحدات حماية الشعب الكردية، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني خصم تركيا الذي تصنّفه كتنظيم إرهابي منذ القديم.

يبقى الأتراك أقوى الأطراف الحاضرة في إدلب

وأقام الجيش التركي، بصفته الضامن الرئيسي لمنطقة خفض التصعيد في المشال الغربي، 12 «نقطة مراقبة» تطوَّق الأراضي الخاضعة للمعارضة، بدءاً من غربي حلب جنوباً، مروراً بإدلب وغربي حماة، وعبر الحدود الغربية لإدلب مع اللاذقية.

بدأت هذه النقاط باعتبارها نقاط مراقبة ثانوية، لكنَّها تنامت لما يشبه قواعد عسكرية لتوفير الدعم للأهداف والتكتيكات الاستراتيجية، محاطةً بأسلاك شائكة وبصورةٍ متزايدة بالجدران الخرسانية المسلحة، وأساطيل من المركبات المدرعة وغيرها من الأسلحة الثقيلة.

تركيا تريد أن يتم حل هيئة تحرير الشام

وحتى الآن، تعايشت هيئة تحرير الشام مع الوجود العسكري التركي في إدلب، رغم الذعر الكبير ضمن صفوف هيئة التحرير والانتقادات الحادة من كل الدوائر الموالية لتنظيم القاعدة لذلك، بهدف منع حملة النظام السوري التقدم لمناطقهم بالتنسيق مع الأتراك.

وتمارس تركيا ضغطاً قوياً على هيئة تحرير الشام لحل نفسها والاندماج في كيانٍ معارض أوسع وأكثر شمولية، ربما امتداداً «للجيش الوطني» المدعوم من تركيا، ومقره شرقاً في شمالي حلب.

وألمحت عدة شخصيات إسلامية مقربة من هيئة تحرير الشام، أثناء حديث مراسل الموقع الأميركي معها، خلال الأيام الأخيرة، إلى أنَّ الهيئة لن يكون أمامها في نهاية المطاف خيار سوى الاندماج في كيان مدعوم من تركيا بصورة واضحة. وكما قال أحدهم: «الاندماج أو الموت».

وهذا ما تريده تركيا من المعارضة السورية فوراً.. توحّدوا كي تواجهوا هذه القوى

وبحسب العديد من قادة المعارضة، فقد واصلت تركيا التعامل مع أطراف أخرى من المعارضة في منطقة الشمال الغربي، وأحياناً أعادت المياه إلى مجاريها فيما يخص الدعم العسكري، رداً على هجماتٍ بالغة شنَّتها القوات الموالية للنظام، وتقوم بدعم كبير لقوى المعارضة.

ومارست تركيا ضغوطاً على فصائل المعارضة الرئيسية لتوحيد قواهم، سلكي تشكل تحدياً أكبر للميول العدوانية لهيئة تحرير الشام، وسيسهل التعامل مع مثل هذه القوى أكثر من هيئة تحرير الشام، وبإمكانها كذلك ردع هجوم النظام بشكلٍ أكثر فاعلية.

خضع معظم الشمال الغربي إلى سادته الجهاديين الجدد على مضض

وبناءً عليه، ففي فبراير/شباط من العام الجاري 2018، اندمجت حركتا أحرار الشام ونور الدين زنكي لتشكيل جبهة تحرير سوريا (SLF)، وفي أواخر مايو/أيار الماضي، اتحدت 10 فصائل من الجيش السوري الحر لإنشاء الجبهة الوطنية للتحرير(NLF). وفي هذه الأثناء، واصلَ ما يعرف بـ»الجيش الوطني» نشر قواته وسلطاته إلى جانب قوات الشرطة العسكرية والمدنية منفصلة، وجميعها قوات دربها وجهزها الجيش التركي.

وليس سراً أنَّ تركيا لطالما أرادت جمع كل هذه القوات (الجيش الوطني، والجبهة الوطنية للتحرير، وجبهة تحرير سوريا، هيئة تحرير الشام) لكي تتحد كلها معاً.

وهذا ما سيفعلونه لو هاجم النظام إدلب

ووفقاً لسبعة من أبرز شخصيات المعارضة المعنية، ففي يوليو/تموز، توسَّطت تركيا في محاداثٍ مُكثَّفة -عُقدت في شمالي إدلب وشمالي حلب وأنقرة وضمت هيئة تحرير الشام- ترمي بشكلٍ واضح إلى تحقيق هذا الهدف. وأخيراً، وافقت الجماعات على أن تنضم جبهة تحرير سوريا، وصقور الشام، وجيش الأحرار إلى جبهة التحرير الوطنية (وهو ما أُعلن عنه في الأول من شهر أغسطس/آب  الجاري).

ونصَّت اتفاقيةٌ ثانية على أنَّه في حال شنِّ النظام لهجوم كبير على إدلب، ستُشن غرفة عمليات واحدة دفاعاً مشتركاً، جامعةً بين جهود الجبهة الوطنية للتحرير، وجبهة تحرير سوريا، وهيئة تحرير الشام، وبوضوح لعدد من الجماعات الموالية للقاعدة.

قد يُشكل مثل هذا النوع من اتحاد الجهود نقطة تحول رئيسية؛ نظراً إلى الانقسامات المريرة والعدائية في أغلب الأحيان بين تلك الأطراف الفاعلة.

وقال أحد الشخصيات البارزة في المجتمع الإسلامي المعارض في إدلب للموقع الأميركي: «في حال اضطُررنا لذلك، سيكون لكل مقاتل (بغض النظر عن انتمائه لأي من تلك الجماعات) أهمية، وستزول اختلافاتنا».

ولكن رغم الاتفاق على التوحيد فلا أحد يستعد لقتال النظام فعلياً.. إلا هذه الجماعة

وبرغم الاتفاق على توحيد القوى، لا يبدو أنَّ جماعات المعارضة الرئيسية في إدلب قد خصّصت أي جهدٍ للتركيز على التدريب والاستعداد لأي استئناف لأعمال القتال.

ولكن في المقابل، استثمرت هيئة تحرير الشام الكثير، وفقاً لثلاثة من القادة العسكريين في المجموعة، جميعهم تحدَّثوا للموقع شريطة عدم الكشف عن هويتهم.

واستناداً لما قالوه، فقد حشدت هيئة تحرير الشام أعضاءً متوسطي ورفيعي المستوى ممن لديهم خبرة عسكرية مهنية سابقة لإدارة معسكرات تدريبية مُكثَّفة، في تكتيكات الوحدات الصغيرة لمواجهة أي هجوم محتمل للنظام.

حشدت هيئة تحرير الشام عناصر لديها خبرة عسكرية لإدارة معسكرات تدريبية

وقال قادة عسكريون للموقع الأميركي، إنَّه جرى تدريب وحدات مُتخصصة في تصنيع العبوات الناسفة المُبتكرة، وإنَّ عدد المقاتلين الذين لديهم الاستعداد لشنّ عملياتٍ انتحارية، والتضحية بأنفسهم، يتنامى بوتيرة سريعة.

وأيضاً، استخدمت هيئة تحرير الشام «أول شركة خاصة في سوريا للمقاولات العسكرية الجهادية» والمعروفة باسم «ملحمة تاكتيكال«، التي يُشرف عليها جنود النخبة السابقون الذين يتحدَّثون الروسية، ويقدمون دورات تدريبية مُفصَّلة بخصوص الأسلحة الخفيفة والثقيلة وغيرها من الإرشادات التكتيكية.

وفي حين أن تركيا لديها علاقات قوية مع جماعات المعارضة التقليدية فإن هيئة التحرير مستعدة للقتال ضد النظام السوري، أفضل من أكثر جماعات المعارضة المفضلة لدى تركيا.

فهيئة تحرير الشام قد فعلت ما هو أكثر من الاستعداد للقتال، ما يوحي بأنَّه في حال اندلاع هجوم من قبل النظام، فقد يكون المتطرفون على الرغم من كل شيء هم المُجهزين بشكلٍ أفضل للرد.

لماذا وكيف تعرقل القاعدة وداعش محاولة ترويض هيئة تحرير الشام؟

هناك أيضاً الكثير من العناصر المُفسدة في مجتمع إدلب المعقد، بما فيهم الشبكة المتنامية من الخلايا النائمة لتنظيم داعش، والتي تبدو وكأنَّها عازمة على مفاقمة إثارة الانقسامات بين المعارضة أو مفاقمتها.

كما أسفرَ عزم الموالين لتنظيم القاعدة على إظهار رفضهم اتفاق التهدئة -وهو اتفاق تفاوضت للوصول إليه القوى الأجنبية- عن عددٍ من الاعتداءات المُسلحة المميتة على مواقع موالية للنظام في اللاذقية، التي تُستخدم فقط في تبرير رغبة النظام في ِشنّ هجوم على الشمال الغربي.

ومؤخراً شهدت المنطقة حوادث خطيرة هي شنّ نحو 20 هجوماً جوياً بطائرات من دون طيار من طراز «كاميكازي-kamikaze»، انطلقت من مدينة إدلب الغربية، مُستهدفةً مقر القيادة العسكرية الروسي في قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية. وبإمكان هذه الهجمات أن تُقنع روسيا المُتشككة بضرورة دعم حملة النظام لقمع المعارضة في إدلب.

ولكن ماذا سيحدث لو نجحت القاعدة في أهدافها؟

في حال فشل هذه الجهود التركية قد يُفتح الباب أمام احتمالية إعادة سيطرة القاعدة على الآلاف من المقاتلين، الذين فقدتهم حين واصلت هيئة تحرير الشام مسارها المُنفصل.

وتؤدي موسكو دوراً رئيسياً في ردع شركائها في دمشق وطهران عن السعي وراء حل عسكري صارم في إدلب. ولكن لا يوجد دليل من التطورات التي شهدتها أماكن أخرى من سوريا، على أنَّ روسيا بإمكانها مضاهاة عباراتها المُقيدة بقيود فعلية.

وفي حال بدأت التصريحات الروسية في التركيز بصورةٍ موسَّعة على وجود «جماعات إرهابية»، في إشارة بالتحديد إلى دور هيئة تحرير الشام وتنظيم القاعدة، فعلى المرء أن يفترض وجود حملة عسكرية محتملة.

السؤال الأكثر تعقيداً ماذا ستفعل تركيا إذاً هوجم خطها الأحمر في إدلب؟

ويظل السؤال الأساسي هو: ماذا ستفعل تركيا في حال بدأ هجومٌ يبدو وشيكاً؟ لطالما أصرَّت أنقرة على أنَّ إدلب خطٌّ أحمر، لكن لم يتضح بعد كيف هو ذاك اللون الأحمر بالضبط.

إنَّ السماح لإدلب بالسقوط من شأنه أن يُشكِّل سابقة خطيرة، بما يفتح الطريق سريعاً لاندلاع حملة مُؤيدة للنظام لإعادة السيطرة على مناطق أخرى من شمالي سوريا، خاضعة حالياً لسيطرة تركيا بشكل أكثر مباشرة.

وبالنسبة لتركيا نفسها، يضع هذا السيناريو وحدات حماية الشعب الكردية في قلب المعادلة، وبالأخص في ضوء التعليقات الأخيرة الصادرة عن كبار المسؤولين الأكراد، التي تُشير إلى أنَّ وحدات حماية الشعب ستكون على أهبة الاستعداد لمساندة النظام في هجومه على إدلب.

وإلى جانب هذا التهديد، شرع الكيان السياسي الأوسع المسؤول عن حملة وحدات حماية الشعب الكردية ضد داعش، والمعروفة باسم مجلس سوريا الديمقراطية، قبل أيامٍ فقط، في إجراء حوارٍ رسمي مع نظام الأسد في دمشق، ما زادَ بدوره من المخاطر التي تهدد أنقرة.

المعارضة طلبت من أنقره إمدادها بالسلاح الذي يمكن أن يردع الروس

ربما تكون تركيا مُستعدة لخوض مخاطر استثنائية لمنع النظام من بدء الأعمال العدائية، وهو أمرٌ قد تكون روسيا على علمٍ به على الرجح.

هذا وقد اقترح ممثلو المعارضة في محادثاتٍ سرية، أن تزودهم تركيا قريباً بأنظمة الدفاع الجوي المحمولة.

يكاد يكون من المؤكد أنَّ تلك الشائعات تستهدف طرفاً واحداً فقط هو روسيا، التي ستكون بالغة الحساسية تجاه أي تهديد متزايد لأصولها الجوية. وكذلك، فإنَّ المفاوضات المُكثَّفة مؤخراً بشأن اتحاد المجموعات المُسلحة في الشمال الغربي، والزيادة الملحوظة مؤخراً في التعزيزات العسكرية التركية، والتحسينات الدفاعية والهيكلية في نقاط المراقبة والرصد الخاضعة لها في إدلب، كلها تُشير إلى شعور بالحالة الملحة.

وأفادت تقارير أنَّ تركيا أشارت أيضاً إلى أنَّها ستنسحب من محادثات السلام بأستانا تماماً، وستستأنف دعمها الكامل لمجموعة كاملة من وكلاء الجماعات المسلحة في شمالي سوريا، إذا تعرَّضت إدلب للتهديد.

وهكذا قد يستغل النظام الوساطة الروسية

أصبح مسار الصراع الحتمي لصالح النظام. ولكن السؤال المطروح الآن يتعلق بهول الكارثة الإنسانية التي يمكن أن تنتج عن شن حملة عسكرية بإمكانها أن تكون مُدمِّرة إلى حدٍّ بعيد.

فقد أجبَرَت مداهمة النظام لجنوبي سوريا في الأسابيع الأخيرة، ما يزيد عن 330 ألف شخص على ترك منازلهم، في أكبر عملية نزوح حدثت على مدى 7 سنوات من الصراع. وبإمكان حملة عسكرية مستدامة على إدلب تخطّي هذا الرقم بقدر كبير.

ربما تحاول روسيا التوصل لتسوية مع تركيا والأسد وإيران، بحيث ستكون المناطق الخارجية ذات القيمة الاستراتيجية للتحالف الموالي للنظام (مثل شمالي حماة، وجسر الشغور، وجبل التركمان) مستهدفة بهجوم النظام، تاركين قلب إدلب مُؤمَّناً.

وفي نهاية المطاف، حتى لو كانت روسيا موشكة على طرح مثل هذه المساومة، فسيظل من المستحيل فعلياً تخيُّل القوات الموالية للنظام السوري تتوقف عند منتصف الهجوم.

ولكن لماذا على الغرب التحرك لإنقاذ إدلب معقل المعارضة الأخير؟

قد يكون حقيقياً أنَّ الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها لهم مصالح مباشرة ضئيلة في إدلب، لكن السماح للموقف هناك بالتدهور بشكل ملحوظ إلى تلك الدرجة سيضمن حدوث سلسلة من الآثار الثانوية الخطيرة، ستهدد المصالح الغربية لبعض الوقت، حسب كاتب التقرير، الذي يقول إن التهديد الإرهابي للعالم النابع من شمال غربي سورياً لم يكن يوماً حقيقياً مثل الآن، رغم أنَّه على الأقل لا يزال صغيراً في الوقت الراهن.

ومع ذلك، لو تفجَّرت الأعمال العدائية من قبل النظام السوري، سيزداد هذا التهديد الإرهابي بصورةٍ كبيرةٍ. ليس ثمة ضرورة لذكر الأعداد غير المتوقعة من النازحين، وإمكانية حدوث أزمة اللاجئين، والدمار، والعنف، والخسائر الجسيمة في الأرواح، وسيخلق هذا كله تربة خصبة للتطرف لسنوات مقبلة.

وتعد خيارات اتخاذ إجراءات دولية محدودة، لكن الدبلوماسية يجب أن تؤدي دوراً محورياً، بدءاً من الاعترافات العلنية بأهمية الحفاظ على حالة من الهدوء النسبي في شمال غربي سوريا.

ويتحدث التحالف الموالي للنظام السوري كثيراً عن تصميمه على تخليص سوريا من الإرهاب، لكن الواضح أنَّ الفوضى والدمار يغذيان جذور التطرف. جلب القتال إلى إدلب وإلى الملايين من سكانها لن يقضي على الإرهابيين، بل سيعطيهم فرصة لا تقدر بثمن للبقاء على المدى الطويل.

أي توتر جديد سيؤدي إلى أزمة نازحين، والدمار، والخسائر الجسيمة في الأرواح

إذا كانت روسيا تعارض حقاً أي تصعيد في الأعمال القتالية في شمال غربي سوريا، كما تدعي، فيجب على الولايات المتحدة وحلفائها الحفاظ على بقاء موسكو على ذلك الموقف.

ويضيف صاحب التقرير أنه يجب على الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والحلفاء الإقليميين أن يقدموا اقتراحاً جماعياً بتنظيم مؤتمر دولي يسعى إلى إعادة التفاوض بشأن آلية تهدئة أكثر استدامة في شمال غربي سوريا.

وأن يُقدّر إجراء كهذا أهمية الحفاظ على جيب واحد أخير من الأرض السورية في قبضة المعارضة، خاصةً الجيب الذي هو في القبضة الحديدية للدولة الضامنة بموجب اتفاق أستانا (تركيا). بهذه الطريقة ستساهم الولايات المتحدة الأميركية وحكومات أجنبية أخرى بنشاط في استمرار وموثوقية الجهود السياسية المستمرة، سواء كانت اللجنة الدستورية الجديدة التابعة للأمم المتحدة وغيرها من مجموعات العمل المعنية، أو عمليات السلام الناشئة في فيينا وجنيف.

الجهود الدولية الجماعية يجب أن تتضمن أيضاً استمرار المساعدات الإنسانية والاستقرار في شمال غربي سوريا، ويفضل أن يكون ذلك من خلال الحكومة السورية المؤقتة المعترف بها دولياً، والمدعومة من تركيا، التي يحتاج وجودها الهش على أرض الواقع إلى مساعدة لتوسيع نطاق سلطته.

ويقول كاتب التقرير إنَّ نجاح أنقرة الأخير في ضمان عملية دمج جماعية لكل المجموعات غير التابعة لهيئة تحرير الشام تحت مظلة قيادة الجيش السوري الحر، يمكن أن يثبت أنَّه تطور مهم للغاية في التصدي للمتطرفين.

وهو بالتأكيد يزيد الضغط على مجموعات مثل هيئة تحرير الشام، لتحذو حذو تلك الجماعات بالاندماج في الجيش السوري الحر، أو تخاطر بعزل نفسها أكثر. وعلى الجانب الآخر، فالعودة للصراع الشامل غير المحكوم ستضمن أنَّ أمثال هيئة تحرير الشام وتنظيم القاعدة سيكسبون سردية الحرب، ويحافظون على أنفسهم لسنوات مقبلة.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
النظام السوري يستعد لمهاجمتها والأتراك يعتبرونها خطاً أحمر.. إدلب معقل المعارضة الأخير الذي قد يتحول لمأساة إنسانية

قصص ذات صلة