رغم العقوبات إيران أنتجت طائرات نفاثة وأخرى بدون طيار، لكن حلم امتلاك "الشبح" لا يزال بعيد المنال، فهل يتحقق؟
الأربعاء, 15 أغسطس 2018

رغم العقوبات إيران أنتجت طائرات نفاثة وأخرى بدون طيار، لكن حلم امتلاك "الشبح" لا يزال بعيد المنال، فهل يتحقق؟

حققت صناعة الطيران الإيرانية إنجازاتٍ تتباهى بها، برغم أنَّها تعمل في ظل عقوباتٍ شديدة منذ ما يقرب من 40 عاماً. إذ نجحت في الإبقاء على ما كان سابقاً أحدث طراز من الطائرات أميركية الصنع، وهي طائرة «إف-4 فانتوم» ومقاتلات اعتراضية من نوع «إف-14 توم كات«، في حالةٍ تشغيلية لمدة عقود، من بينها 9 سنوات من الحرب الجوية المحتدمة مع العراق، وذلك على الرغم من أنَّ الولايات المتحدة منعت تزويد طهران بقطع غيار هذه الطائرات.      

وكشف تقرير لمجلة The National Interestالأميركية، أن إيران عملت على تجديد الحطام الصدئ لطائراتٍ قديمة من طراز «إف-5 فريدوم فايتر»، وحولتها إلى مقاتلات «الصاعقة» لها ذيل مزود بموازن رأسي ثنائي، ومصممة بالهندسة العكسية لمحركات الطائرات الأميركية النفاثة «جيه85″، وأنتجت كذلك مجموعةً قوية وفعالة من الطائرات بدون طيار.

إيران كانت قريبة من «خداع» العالم

لكن كل هذه الإنجازات المستميتة من صناعةٍ تمر بظروفٍ صعبة كانت بعيدةً كل البعد عن تطوير طائرة شبح ناجحة. وروسيا، التي تمتلك صناعة طيران عسكري متطورة، نفضت يديها تماماً من برنامجها لصنع الطائرات النفاثة طراز «سوخوي 57» (على الأقل على المدى القريب)، لأنَّ تكاليف البرنامج والتحديات التقنية التي صاحبته كانت كافيةً لردعها عن استكماله. وهناك دول أكثر ثراءً بكثير، مثل فرنسا وألمانيا والهند واليابان والمملكة المتحدة، لا تزال في المراحل الأولى من تطوير طائراتٍ مقاتلة من صنعها.

إيران تفتخر بصناعة طائرات حربية متطورة

لكن كانت إيران ستنجح في خداع العالم ليصدق أنَّها طورت سراً طائرتها النفاثة منذ زمنٍ بعيد في 2 فبراير/شباط 2013، حين أزاحت الستار عن واحدةٍ خلال احتفالات «عشرة الفجر»، ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، في حضور الرئيس الإيراني آنذاك أحمدي نجاد.     

بدت الطائرة المقاتلة «قاهر-313″، وهي من صناعة منظمة صناعات الطيران الإيرانية، ضئيلة ومعدلة هندسياً، حتى أنَّها كانت لتبدو رائعة في أفلام الإثارة. تميز تصميمها بصفاتٍ واضحة من طائرات «إف-5 فريدوم فايتر»، لكنَّها مزودة بموازناتٍ رأسية متحركة مثل تلك الموجودة في المقاتلة الشبح «إف-22 رابتور»، وأجنحة مرتدة للخلف تعيد للأذهان طائرات ميكويان جيروفيتش الروسية طراز «ميغ 17» من فترة الخمسينيات، وأطراف الأجنحة مقلوبة تشبه فكرة طائرات الطيور الجارحة لشركة بوينغ Boeing Bird of Prey التي تخلت عنها الشركة، وجنيحات إضافية تشبه أجنحة الوطواط ملتصقة بجانبي قمرة القيادة.

قبل أن ينكشف أمرها بخصوص «طائرة الشبح»

وفي ضربةٍ قاضية أسطورية، قال الصحفي ديفيد سنيكوتي مؤسس موقع The Aviationist إنَّ «قاهر-313» لم تبدُ وكأنها قادرة على التحليق فعلاً؛ معللاً ذلك بأسبابٍ كثيرة، منها أنَّ قمرة القيادة أصغر من أنَّ تستوعب شخصاً متوسط الحجم، إلا إذا كان هذا الشخص قزماً، وأنَّ الطيار سيضطر إلى ضم ركبتيه أمامه لكي يتسع في القمرة. وبالمثل، حجم مقدمة الطائرة أصغر بكثير من أنَّ يتسع لجهاز رادار.        

بعد أن استعملت معدات بدائية في قمرة القيادة

توضح إحدى الصور التي التُقطت للطائرة أنَّ لوحة التحكم ذات تقنية بسيطة نسبياً؛ مما يرجح أنَّها مأخوذة من طائرة مدنية خفيفة. وأحد أدلة ذلك أنَّ أقصى سرعة في مؤشر السرعة بلوحة التحكم هي 260 عقدة، أي أعلى بقليل من نصف السرعة القصوى تحت الصوتية للطائرات المدنية.    

وغياب أدنى معايير «الشبح» الأميركية

لا توجد بها فوهات تحمي المحرك من الانصهار حين تعمل أجهزة زيادة قوة الدفع به، إضافةً إلى أنَّ المُدخِلات التي تسحب الهواء تبدو صغيرةً جداً.  

تحمل الطائرات الشبح بصفة عامة الأسلحة في فجوات داخلية للحفاظ على مقطع عرضي راداري منخفض. ولكن كان واضحاً غياب هذه الفجوات الداخلية، أو حتى أية إمدادات لتزويدها بأسلحة خارجية أو أجهزة استشعار. وزعمت إيران كذلك أنَّ طائرة «قاهر» الصغيرة تتسع بصورةٍ ما لحمل قنبلتين زنة الواحدة منها تزيد على 900 كغم، إضافةً إلى 6 صواريخ «جو-جو»، لكنَّ هيكل الطائرة ببساطة لا يتسع لحملها جميعاً.

وبدت الطائرة وكأنَّها مصنوعة من بلاستيك لامع، دون استخدام أية مسامير حلقية دائرية أو براغي. وبدت كذلك القبة الزجاجية أعلى قمرة القيادة وكأنَّها مصنوعة من زجاجٍ شبكي مغيم غير مزود بقفل أمان.  

على الرغم من الهالة الإعلامية التي صاحبت ذلك

ونشرت وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية فيديو من المفترض أنَّه يعرض طائرة «قاهر» أثناء طيرانها. غير أنَّ إلقاء نظرة واحدة على المقطع كفيلة بتوضيح أنَّها نسخة مطابقة للطائرة لكن بحجمٍ أقل من الطبيعي وتعمل بجهاز تحكم عن بعد.   

وعقب هذه الانتقادات، أوضح الإعلام الإيراني أنَّهما كانتا في الحقيقة طائرتين مختلفتين بدون طيار صُنعتا بحجمٍ صغير لاستخدامهما في التجارب.    

وبدت كذلك صورة درامية أخرى لطائرة «قاهر» وهي تحلق وسط خلفيةٍ من الجبال وكأنَّها من صنع برنامج الفوتوشوب.  

إجمالاً، كانت طائرة «قاهر» نموذج محاكاة بلاستيكياً غير مقنع تماماً مصمم لأغراضٍ دعائية بحتة، ولهذا السبب سخرت منها وسائل الإعلام الدولية.    

فحاولت طهران تدارك الأمر من خلال الجيل الثاني من «قاهر»

اختفت ما زُعِم أنَّها طائرة الشبح لمدة سنوات، لتظهر بعدها في صورةٍ أكثر إقناعاً بقليل في أبريل/نيسان 2017، حين استُعرِضَ النموذج رقم «8» أمام الرئيس حسن روحاني وسُجِل مقطعٌ لها وهي تسير ببطء على ممشى للطائرات. لكنَّ هذه المرة، أقر الإعلام الإيراني بأنَّ الطائرة لاتزال بحاجة للمرور باختبارات تحليق.         

تمتلك الطائرة الجديدة قمرة قيادة تتسع لطيار بالحجم الطبيعي، وهي مزودة بمحركين نفاثين وفوهات عادم حتى لا تنصهر، بالإضافة إلى مدفع يعمل بالأشعة تحت الحمراء أسفل مقدمتها، لكنَّه على الرغم من فائدته سيضر بالمقطع العرضي الراداري لها. ويُعتقَد أنَّ محركات الطائرة نفاثة من طراز «جيه85″، وهو نوع أمريكي الصنع يعود لفترة الخمسينيات نجحت إيران في تطبيق آليات الهندسة العكسية عليه. ويبلغ باع الجناح (المسافة بين طرفي جناحي الطائرة) 11 متراً فقط، ويصل طولها إلى 16 متراً.                

إلا أن بعض العيوب تجعلها «طائرة عادية»

ومع ذلك، لا يزال جسم الطائرة غير التقليدي يبدو مليئاً بأخطاء حركية-هوائية ونقاط ساخنة عاكسة لموجات الرادار. ولاحظ المحلل ثاقب النظر غالين رايت أنَّ ميكانيكياً إيرانياً طبع على مؤشر ضغط الإطارات في «قاهر» قيمة 50 رطلاً لكل بوصة مربعة. وعلى سبيل المقارنة، يصل ضغط الإطارات في طائرة «إف-16» خفيفة الوزن إلى 300 رطل لكل بوصة مربعة؛ مما يشير إلى أنَّه حتى نموذج «قاهر» الأكثر واقعية من سابقه أخف بكثير من أنَّ يكون طائرة مقاتلة حقيقية تعمل بكفاءة.     

وحتى الاعتقاد بأنَّ نموذج الطائرة «قاهر» بالحجم الطبيعي مزود بمقطع عرضي لا يمكن رصده بالرادار يثير الشكوك؛ إذ تفتقر إيران على الأرجح لما يتطلبه صنع ذلك من مواد تمتص الأشعة الرادارية وتكنولوجيا الهندسة الدقيقة.

طائرة تجسس إيرانية

جديرٌ بالذكر أنَّ وكالة «فارس» للأنباء وصفت النموذج الجديد من «قاهر» بأنَّه «طائرة لوجستية» (أياَّ كان ما يعنيه هذا، فمن الواضح أنَّها ليست طائرة شحن) ووصفتها كذلك بأنَّها «طائرة مقاتلة خفيفة لأغراضٍ عسكرية وتدريبية». وهذا يشير إلى أنَّه إذا ما حدث وبنت إيران بالفعل طائرة «قاهر» قادرة على الطيران، فلن تكون مصممة للعمل على الجبهات الأمامية. ربما تكون بمثابة نموذجٍ أولي، أو وسيلة لاختبار رصد هيكل طائرة شبه قادر على التخفي.

ما جعل مسؤولين إيرانيين محل «استهجان»

ورددت مصادر إيرانية، بما في ذلك نائب وزير الدفاع، مزاعم مثيرة للاستهجان بأنَّ طائرة «قاهر» مصممة لإسقاط طائرات الهليكوبتر، بناءً على سلسلة من الحجج المشكوك بها. إذ تستند إلى الافتراض بأنَّ التهديد الذي تشكله أسراب الزوارق الإيرانية المزودة بصواريخ مضادة للسفن خطيرٌ بما يكفي ليدفع البحرية الأميركية إلى اللجوء إلى طائرات هليكوبتر هجومية لتدميرها. لكن يمكن أنَّ تُسقِط المقاتلات بسهولة هذه الطائرات، ما دامت هذه المقاتلات مزودة بتقنيات تخفٍّ تكفي للهرب من صواريخ «سطح-جو» التي تطلقها السفن، وفقاً لمزاعم المصادر الإيرانية.

لكن هذا لن يمنع صناعة الطيران الإيرانية من امتلاك طائرة «الشبح»

قد تتمكن صناعة الطيران الإيرانية في نهاية المطاف من تصميم طائرة نفاثة حقيقية تشبه النماذج بالأحجام الطبيعية التي حاولت تمريرها على أنَّها طائرات حقيقية، لكن حتى في تلك الحالة على الأرجح ستكون هذه الطائرة الجديدة مجرد اختبار ونموذج تستعرض به. ويمكن للمرء اليوم أن يستشير خبرات الولايات المتحدة والصين وروسيا لكشف ما يستلزمه برنامج الطائرات المقاتلة الشبح لتكون حقيقية.

وبالمقارنة، فإنَّ جهود إيران لا تبدو ذات مصداقية. ويجب على المرء أيضاً أن يأخذ بعين الاعتبار أنَّه في عام 2003، كشفت إيران النقاب عن مقاتلة شبح تحت صوتية مزيفة لكن أكثر إقناعاً تُسمى «شفق»، واتضح في عام 2014 أنَّها نموذجٌ بالحجم الطبيعي مصنوع من الخشب.

بالتأكيد هناك أسباب تقف وراء رغبة إيران في امتلاك طائرة شبح، إذ تخشى من تعرضها لهجومٍ من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل، اللتين تمتلكان بعضاً من أقوى الأسلحة الجوية على هذا الكوكب. أضف إلى هذا أنَّ إيران تنافس على الهيمنة الإقليمية ضد دول عربية عدة مُسلَحة بكمٍ هائل من مقاتلات رافال وتايفون طراز «إف-15» و»إف-16″، التي تنتمي للجيل 4 و4.5 من الطائرات المقاتلة.       

ومع ذلك، فمحاولة تطوير طائرة شبح تعمل بكفاءة من الصفر هي على الأرجح الحل الأكثر تكلفة والأقل عملية لمواجهة هذه التحديات. وفي الوقت نفسه، يبرهن ولع طهران بتزييف أدلة هشة على قدراتها العسكرية على وجود إحساسٍ راسخ لدى الدولة الثائرة بعدم الأمان.


اقرأ أيضا

حسناً، الإدارة الأميركية فرضت عقوبات جديدة على إيران.. لكن حلفاء لروحاني يبحثون دفع ديونهم أكياساً من الشاي والأرز البسمتي لتجنب عقوبات ترمب

5 أسباب تجعل استيلاء الحرس الثوري الإيراني على السلطة قريباً جداً

السر الحقيقي وراء انشغال نتنياهو الدائم بإيران

 

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
رغم العقوبات إيران أنتجت طائرات نفاثة وأخرى بدون طيار، لكن حلم امتلاك "الشبح" لا يزال بعيد المنال، فهل يتحقق؟

قصص ذات صلة