كأس العالم بنكهة إفريقية.. منتخبات أوروبية بثقافات متعددة جعلت من مونديال روسيا انتصاراً لحُلم المهاجرين
الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

كأس العالم بنكهة إفريقية.. منتخبات أوروبية بثقافات متعددة جعلت من مونديال روسيا انتصاراً لحُلم المهاجرين

عربي بوست، ترجمة

يستعد المنتخب الفرنسي لمواجهة نظيره الكرواتي الأحد في نهائي كأس العالم، في مواجهة تظهر للوهلة الأولى أنها أوروبية «خالصة»، لكن بمجرد الاطلاع على التركيبة البشرية لمنتخب «الديكة» سيتضح أن القارة الإفريقية «حاضرة» بقوة، من خلال المهاجرين، وهو جعل مسألة «هوية المنتخبات الأوروبية» حاضرة بقوة في المونديال.

وفي تقرير لصحيفة The Washington Post الأميركية، ذكر أن الكثير من المنتخبات الأوروبية، كما نعلم، تضم لاعبين كُثراً قادمين من مجتمعاتٍ مهاجرة، وفي ذلك شهادةٌ ليس فقط على التعددية الثقافية بالمجتمعات التي يمثِّلونها، بل أيضاً على شجاعة وعزيمة المهاجرين في أوروبا، وتحقيقهم النجاح في وجه المِحَن والتمييز المتفشي ضدَّهم.

المونديال قبلة الرؤساء والمشاهير.. وحتى حلف «الناتو»

قبيل عقد مباريات نصف نهائي بطولة كأس العالم، كان هناك قدرٌ لا بأس به من الصياح الأوروبي بخصوص الهُوية القارِّية للاعبي الفرق الأربعة المتبقية، وهي فرنسا وبلجيكا وإنكلترا وكرواتيا.

فقد شجَّع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منتخب بلاده من المدرَّجات خلال مباراة فرنسا ضد بلجيكا يوم الثلاثاء 10 يوليو/تموز. كذلك سافر المغنِّي ميك جاغر، أيقونة الروك البريطاني، إلى روسيا ليشهد هزيمة منتخب إنكلترا أمام كرواتيا في المساء التالي في موسكو. ودفعت جولة نصف النهائي الأوروبية الخالصة حتى حلف شمال الأطلسي (الناتو) لنشر تغريدةٍ احتفالية عبر موقع تويتر من مقرَّه البرَّاق الجديد في مدينة بروكسل، مُشيداً بالبطولة التي ستفوز بها بالتأكيد الآن دولة عضو بالحلف. وبدا أنَّ أوروبا تستمتع بحفلتها الكروية.

وكُتِب في تغريدة الحساب الرسمي للناتو: «الفرق الأربعة المتبقية الآن في بطولة كأس العالم لكرة القدم هي جميعاً من دول الناتو. نتمنى حظاً موفقاً لكل الفرق! #كأس_العالم».

لكن الواقع، كما تؤكِّده لك مدونة «Today’s WorldView» التابعة لصحيفة The Washington Post الأميركية بعد النصر الساحق الذي حقَّقته فرنسا أمام المنتخب البلجيكي بمدينة سانت بطرسبرغ، أنَّ كأس العالم هذا العام لا تخضع للفكرة الضيقة المتمثلة في الهُوية الأوروبية. إذ اجتذبت المباراة، التي تنافست فيها دولتان أوروبيتان، مشجِّعين قادمين من دولٍ أخرى، إذ أحصى مراسلنا وجود أعلام لدول أميركا اللاتينية أكثر من تلك الأوروبية.

نصف لاعبي منتخبي فرنسا وبلجيكا من أصول إفريقية

إذ تضُم الكثير من المنتخبات الأوروبية، كما نعلم، لاعبين كُثراً قادمين من مجتمعاتٍ مهاجرة، وفي ذلك شهادةٌ ليس فقط على التعددية الثقافية بالمجتمعات التي يمثِّلونها، بل أيضاً على شجاعة وعزيمة المهاجرين في أوروبا، وتحقيقهم النجاح في وجه المِحَن والتمييز المتفشي ضدَّهم.

ولا مكان شاهد على ذلك أكثر من سانت بطرسبرغ يوم المباراة. فسبعة عشر لاعباً من أصل 23 لاعباً بالمنتخب الفرنسي هم أبناء الجيل الأول من المهاجرين. وتعود أصول نصف لاعبي منتخبي فرنسا وبلجيكا لقارة إفريقيا، وهذه نسبة تفوق كثيراً نسبة المهاجرين في البلدين.

المنتخب البلجيكي الذي أقصي في دور نصف النهائي

إذ أن كيليان مبابي، الفتى الفرنسي العبقري البالغ من العمر 19 عاماً، والمولود لأبٍ كاميروني وأم جزائرية في ضواحي باريس سيئة السمعة. وتلألأ مبابي في لحظاتٍ من المباراة وخفت بريقه في أخرى، لكنَّ حركته السريعة ولمساته الدقيقة للكرة لاقت من الجمهور نفس الاستحسان الحماسي الذي لاقاه الفتى طوال البطولة. ومبابي ليس إلا أحدث نتاج لنبعٍ من المواهب من المجتمعات المهمَّشة، وهو النبع الذي جعل من فرنسا منتخباً مُرشَّحاً دوماً للفوز في كبرى البطولات لقرابة عقدين من الزمن.

كان اللاعب الأكثر بروزاً حقاً بين لاعبي فرنسا في مباراة يوم الثلاثاء هو لاعب خط الوسط المخضرم والمثابر بليز ماتويدي، المولود بمدينة تولوز الفرنسية لأبٍ أنغولي وأم كونغولية، والذي كافح وتحمَّل عرقلاتٍ عنيفة وإصابة محتملة بارتجاجٍ دماغي كي يتصدى لهجمات الفريق البلجيكي.

وبطلا المباراة بلا منازع كانا هما الثنائي الفرنسي المدافع صامويل أومتيتي، المولود بالعاصمة الكاميرونية ياوندي، ورافاييل فاران، الذي أتى والده إلى فرنسا من جزيرة مارتينيك بالبحر الكاريبي. ضيَّق فاران الخناق على نجم بلجيكا المهاجم روميلو لوكاكو، فيما حجز أومتيتي مكاناً لفرنسا في نهائي يوم الأحد القادم 15 يوليو/تموز بهدفٍ سجَّله برأسية بارعة.

وهو ما يجعلها منتخبات «متعددة الثقافات»

وفي الوقت نفسه، فإن أحدث المنتخبات متعددة الثقافات في أوروبا هو منتخب بلجيكا التي يبلغ تعداد سكانها 11 مليون نسمة فقط. وقد شاركت في البطولة بتشكيلة تضم العديد من أبناء المهاجرين من الجيل الأول من الكونغو والمغرب وبوروندي ومالي وغيرها.

وبات التطور الحالي في الفريق البلجيكي يمثل التحول الأكثر حداثة لما يعرف بأبناء الجيل الأول للمهاجرين، حيث بدأ هذا التحول في أوائل الألفية الحالية بالتركيز على المهارات الفنية وتنمية الشباب على مستوى الدولة.

وتزامن ذلك مع برنامج وطني لاستخدام كرة القدم للمساعدة في دمج المهاجرين الجدد وثبت نجاح هذا البرنامج في إنتاج ما يعرف حالياً «بالجيل الذهبي» لبلجيكا حيث يلعب هذا الجيل دور البطولة في البطولات المحلية الأوروبية الكبرى حالياً.

ونجح الفريق البلجيكي المشهور بلقب «الشياطين الحمر» في تحويل تأخره بهدفين نظيفين أمام اليابان في دور الستة عشر إلى فوز بثلاثة أهداف في دور الستة عشر حيث حافظ الفريق على ثباته وسجل ثلاثة أهداف خلال نصف ساعة مجنونة ولا شك أن هذه المباراة ستخلد في ذاكرة «كرة القدم الجميلة».

وخلال هذه المباراة قفز المهاجم روميلو لوكاكو، المولود من أبوين من الكونغو، أعلى الكرة لتصل إلى زميله المندفع من الخلف ناصر الشاذلي، ابن المهاجرين المغاربة، ليسجل هدف الفوز في الوقت المحتسب بدل الضائع بينما سجل مروان فيلاني، ابن المهاجرين المغاربة أيضاً، هدف التعادل في وقت سابق من ضربة رأس.

حتى وصل بالبعض إلى وصفهما بـ» فريقين إفريقيين»

جعلت تشكيلة المنتخبين الفرنسي والبلجيكي عشَّاق كرة القدم في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، ومن بينهم كاتب هذا المقال، يشيرون إلى أنَّ المنتخبين يُعدَّان فريقين «إفريقيين» بشكلٍ ما أيضاً. وفي حين أنَّ ذلك بيانٌ بالتضامن والفخر من ركنٍ بعيدٍ من العالم، فإنَّ هذه العاطفة لاقت رفضاً غاضباً من جانب بعض الفرنسيين. فكتب السفير الفرنسي لدى الولايات المتحدة جيرار آرو، في تغريدةٍ نشرها في وقتٍ سابق من الأسبوع الجاري، أنَّ وصف المنتخب الفرنسي بـ»الإفريقي» هو تقليدٌ «كريه» لفِكر اليمين المتطرف، الذي ألقى باللوم في إخفاقات الفريق السابقة على خلفيات اللاعبين الفرنسيين الأجنبية.

فجاء في تغريدة لشخص يُدعى شيفشانكار مينون: «على لسان صديق: فرنسا هي المنتخب الإفريقي الوحيد المتبقِّي في بطولة كأس العالم.

لاعبو المنتخب الفرنسي هُم:

1) بريسنيل كيمبيبي – الكونغو

2) صامويل أومتيتي – الكاميرون

3) بول بوغبا – غينيا

4) كيليان مبابي – الكاميرون/نيجيريا

5) عثمان ديمبيلي – السنغال/مالي

6) كورنتان توليسو – توغو (لها تكملة)».

وغرَّد آرو عبر حسابه الرسمي على موقع تويتر، رداً على التغريدة السابقة، قائلاً: «بصراحة، أرى أنَّ هذه التغريدة كريهة. (أولاً) إنَّها خاطئة؛ فجميع هؤلاء اللاعبين وُلِدوا في فرنسا وهُم مواطنون فرنسيون مثلي تماماً. (ثانياً) وإن يكن؟ هل توجد مشكلة في لون بشرتهم؟ لِمَ تدعمون سردية اليمين المتطرف؟»

لكنَّ آخرين يجادلون بأنَّ فرنسا ما زالت في حاجة لتقبُّل «إفريقيتها» بشروط إفريقيا. فكتب الأكاديمي فرنسي المولد غريغوري بييرو، مشيراً لتاريخ فرنسا الطويل والمُظلِم من الاستغلال الاستعماري، والظُلم الذي تلاه في عصر ما بعد الاستعمار: «كانت فرنسا سوداء لقرونٍ. وإذا كان هذا الفريق مِن شأنه أن يثبت أمراً ما، فربما هو أنَّه لا يجب السماح لفرنسا بادِّعاء الاختلاف والانفصال عن إفريقيا بهذه السهولة، لأنَّ فرنسا تدين لإفريقيا بكلِّ شيء».

لكن هذا لا يمنع من تعزيز الروح الوطنية لدى البلجيكيين.

لم يصبح المنتخب البلجيكي مجرد رمز متعدد الثقافات يشبه إلى حد كبير الفريق الفرنسي في أواخر تسعينيات القرن الماضي لكنه أصبح قوة وحدة كبيرة في البلاد التي تشتهر بتعددها اللغوي والعرقي.

وكانت منطقة فلاندرز الشمالية التي يتكلم أهلها الهولندية قد طالبت في أكثر من مناسبة الانفصال عن بلجيكا التي تعتبر إحدى أقل الأقليات القومية في أوروبا ولا يوجد ما يوحد شعبها تاريخياً حيث تبدو البلاد دائماً على شفا الانهيار.

وكما كتب كاس مود، المتخصص في دراسة الشعوب في أوروبا في جامعة جورجيا، إن الأحزاب المنحازة لوحدة بلجيكا «كانت دائماً ما تنظر إلى الفريق الوطني باعتباره أبرز نقاط تعزيز الروح البلجيكية لدى المواطنين».

في بلجيكا، اختلط القلق التقليدي بشأن الهجرة بمخاوف الإرهاب بعد تفجيرات بروكسل التي قادها متطرفون مسلمون بلجيكيون وقتلوا 32 شخصاً في صدمة هزت البلاد خاصة أن الحي الذي ينحدر منه منفذو العملية (مولينبيك في بروكسل) مكتظ بأبناء وبنات الجيل الأول من المهاجرين من عرب شمال إفريقيا في وحال فوز أي حزب إسلامي محافظ في الانتخابات البلدية في بلجيكا المقررة الخريف المقبل سيزيد القلق في بعض الأوساط بشأن صعود الإسلام في البلاد.

لاعبوا المنتخب المصري يحتفلون بفوزهم

لن يتمكن الفريق الوطني البلجيكي وكذلك الفرنسي من حل مشاكل البلاد ولكن مع ارتفاع حدة الجدل حول الهجرة في أوروبا يمكن للفريق البلجيكي تحقيق النجاح الكامل وبجدارة ما يعزز الفخر الوطني خاصة مع تقديم كرة قدم جميلة أمام ملايين المشاهدين.

لأن رغبة الجميع في نهاية المطاف هي التكامل

وبالفعل تقدِّم شجاعة الفريق الفرنسي -التي لا شكَّ فيها- المُكوَّن من السكان الأقلية في البلاد قصةً سعيدة مفادها التكامل والسمو المجتمعي. فاللاعبون أمثال مبابي وأومتيتي ليسوا بارعين في الرياضة فقط، بل إنَّهم الآن أثرياء أيضاً، بل وحتى يُعَدُّون الآن في طليعة النخبة الثقافية العالمية، فتحولوا أبطالاً للصور الساخرة «ميمز» ويجذبون المشجعين من كل بقاع العالم.

لكن ربما لا ينعم هؤلاء النجوم بنجاحهم طويلاً. إذ كتب النجم البلجيكي روميلو لوكاكو في مقالٍ جرى تداوله على نطاقٍ واسع قبل كأس العالم: «حين كانت الأمور تسير على ما يرام، كانوا يدعونني بـ’روميلو لوكاكو المهاجم البلجيكي’. لكن حين كانت الأمور لا تسير على ما يرام، كانوا يدعونني بـ’روميلو لوكاكو المهاجم البلجيكي من أصلٍ كونغولي'».

كان ماتويدي، الذي أصبح بطلاً هذا الأسبوع، هو الآخر ضحيةً لموجةٍ محتدمة من الإساءة العنصرية من جانب مشجِّعين إيطاليين في مباريات سابقة هذا العام. ومثل كثيرين غيره من لاعبي كرة القدم الأفارقة والعرب ممَّن تعرَّضوا للتمييز العنصري في أوروبا، تخطَّى ماتويدي تعصُّب «الحاقدين» باعتباره أمراً سيُقضَى عليه نهايةً. فبالنسبة لماتويدي، إنَّ لعب كرة القدم في حدِّ ذاته فعلٌ سياسي.

وكتب ماتويدي في منشورٍ على موقع فيسبوك: «إنَّ كرة القدم سبيلٌ لنشر المساواة، والشغف، والإلهام، وهذا ما أريد فعله».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
كأس العالم بنكهة إفريقية.. منتخبات أوروبية بثقافات متعددة جعلت من مونديال روسيا انتصاراً لحُلم المهاجرين

قصص ذات صلة