السبت, 21 يوليو 2018

هزم إسبانيا 4 مرات وتحالفت معها فرنسا لهزيمته ومات بمصر.. في ذكرى اندلاع ثورة الريف تفاصيل عن قائدها عبدالكريم الخطابي

في 12 يوليو/تموز عام 1920 قام الريفيون شمال المغرب بقيادة محمد عبد الكريم الخطابي بإعلان الثورة على الاحتلالين الإسباني والفرنسي لمدة 6 سنوات كبدهما الكثير من الخسائر قبل أن يستسلم وينفى إلى مصر.

المشهد السياسي والاجتماعي المغربي في تلك الآونة كانت فيه علاقة الريف المغربي بالسلطة المركزية دائمة التوتر، فهي المنطقة التي تنحسر فيها سلطة المركز أمام السلطة المحلية التي كانت متجسدة آنذاك في القبائل التي كانت تتناحر فيما بينها من أجل الوصول للسلطة.

ونتيجة الحروب بين القبائل ووجود ثغرتي سبتة ومليلية المحتلتين من قبل إسبانيا، أضحى الريف المغربي في مواجهة مفتوحة مع الاستعمار الأوروبي، وفي ظل هذا السياق ظهر رجال القبائل الذين تعاملوا بشكل مباشر مع المستعمر الإسباني وكان الخطابي أحدهم.

الأب جهز أولاده لطرد المستعمرين

ظهر رجال القبائل الذين قاوموا المستعمر الإسباني وكان الخطابي أحدهم.

ولد محمد عبد الكريم الخطابي في بلدة أجدير الواقعة في منطقة الريف الأمازيغية شمال شرق المغرب عام 1882 م، وكان محمد الابن الأكبر لعائلة ذات ثقل اجتماعي في الريف المغربي، إذ كان والده رئيس القبيلة الريفية إلى جانب عمله قاضياً مما مكنه من تكوين علاقات سياسية متشابكة مع أصحاب النفوذ والسلطة في ذلك الحين.

سعى والد الخطابي من البداية لتجهيز أبنائه من أجل إصلاح حال الريف المغربي ودرء الاستعمار، ولهذا فقد أرسل محمد ابنه الأكبر لدراسة القضاء والفقه في جامعة القرويين في فاس، وأرسل الأصغر إلى إسبانيا من أجل تعلم الهندسة وعلوم التقنية، وبذلك تنهض المغرب عبر العلوم الحديثة وتحقيق الهوية الدينية والثقافية.

وقد شغل محمد الخطابي في بداية حياته العملية الكثير من الوظائف، إذ درّس اللغة العربية في المدرسة الأهلية وأشرف على القسم العربي في إحدى الجرائد المحلية وقبل أن يتم عامه الثلاثين عُين قاضي قضاة بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الحقوق في جامعة سلمنكا الإسبانية ليسير على نفس خطى والده؛ فقد كان عبد الكريم الخطابي شديد الارتباط به فتلقى على يديه علوم الفقه والدين كما تعلم منه الوطنية والسياسية.

سممت السلطات الإسبانية والد الخطابي في أغسطس/آب 1920؛ بسبب مقاومته ومكانته الكبيرة بين قبائل الريف، وقبل وفاته بأيام قليلة أوصى ابنه بالحفاظ على بلاده ومقاومة المحتل الإسباني.

الخطابي يشعل المقاومة

سعى والد الخطابي لتجهيز أبنائه من أجل إصلاح حال الريف المغربي

عقدت بريطانيا وفرنسا اتفاقية 1904 م في 8 أبريل/نيسان من ذلك فيما عرف باسم «الاتفاق الودي» وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول انضمت إسبانيا للاتفاق، وأقرت تلك الاتفاقية بالتقسيم الاستعماري إذ تسيطر بريطانيا على مصر في مقابل اعترافها بالنفوذ السياسي الفرنسي الإسباني في المغرب، وبهذا بقيت القوات الإسبانية والفرنسية متواجدة بشكل كثيف في المغرب محاولة التوسع كل فترة لضم أراضٍ جديدة.

عُقد فيما بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء في 16 يناير/كانون الثاني 1906 بمشاركة 12 دولة من أجل تقسيم بلاد المغرب، فسيطرت فرنسا على القسم الجنوبي ووسط المغرب وحصلت إسبانيا على أقصى الجنوب فيما عُرف باسم الصحراء الغربية والساحل الشمالي للمغرب وهي منطقة الريف المغربي، بينما بقيت مدينة طنجة على البحر المتوسط تحت الحماية الدولية.

بعد ذلك فرضت فرنسا الحماية على المغرب في 30 مارس/آذار 1912 م فيما عُرفت بمعاهدة فاس، التي بمقتضاها تنازل سلطان المغرب المولى عبد الحفيظ عن سيادة بلاده لصالح فرنسا، وبعد أيام قام المغاربة بثورة عارمة في فاس بزعامة المجاهد أحمد هبة الله الذي توفي بعد تحقيق عدد من الانتصارات، لكن المقاومة الفعلية بدأت على يد «أحمد الريسوني» الذي حمل راية المقاومة بداية من عام 1911 م في المدن الجبلية في المغرب، وخلال عام 1920 م احتل الأسبان مدينة شفشاون التي تعد واحدة من أهم المدن الجبلية في المغرب.

أشعل عبد الكريم الخطابي فتيل الثورة في الريف المغربي عام 1920م بسبب محاولة الجنرال الإسباني مانويل سلفستري إنزال جيشه في منطقة الحسيمة تمهيداً للاجتياح البري لمنطقة الشمال، بعدما هجم الإسبانيون بـ 12 ألف جندي في جبل مرموشة الريف لكنهم لم يستطيعوا مواجهة المجاهدين فقد أحبط الخطابي تلك المحاولة.

استغل الخطابي معرفته الدقيقة بجبال الريف ليبدع خططا عسكرية عبقرية

ومن أجل التزود بالسلاح كان رجال الخطابي يتسللون إلى المعسكرات التي يحاصرونها وهم عراة وقد دهنوا أجسادهم بالزيت حتى لا يحدثوا أي صوت ويستحوذوا على كل السلاح الموجود في المخازن، ومن العوامل التي مكنت المجاهدين من سهولة اقتحام معسكرات العدو هي إلمامهم القوي بالجغرافيا ولذلك فإن الثورة التي قادها الخطابي تميزت بأنها كانت عملية عسكرية حقيقية وراءها تخطيط.

اشتهر الخطابي بقدرته الفذة على تخطيط التكتيكات العسكرية فكان قائد حرب من الطراز الأول، وفي المرحلة الأولى من القتال كان الخطابي يرتكز على مبدأ الهجوم إذ يبدأ بمحاصرة المعسكرات ويستنزف طاقتها كأن يترك المحاصرين يعطشون لأيام متواصلة بمنعهم من الاقتراب من مصادر المياه ثم يهاجم أعداءه المنهكين، كما أبدع وسائل جديدة في حروبه مثل إشعال النار في الأرانب وإطلاقها ليلاً لرصد مواقع الجيش الإسباني.

معركة أنوال التاريخية

نتيجة تزايد قوة ثورة الريف المغربي على يد عبد الكريم الخطابي ارتأت القوات الإسبانية ضرورة القضاء على تلك الثورة، لهذا كلفت الجنرال الإسباني مانويل فرنانديز سلفستري بمواجهة الخطابي.

وكان «سلفستري» يقود جيشاً كبيراً قوامه 24 ألف جندي مجهزين بكل الأسلحة الأوروبية الحديثة، فانطلقت القوات الإسبانية من سبتة ومليلية متوجهة صوب تطوان وأجدير، ولما لم يجد الجنرال أية مقاومة قرر التقدم إلى إبران وسط الإقليم، ورغم مجيء تحذير من العاصمة الإسبانية مدريد إلى «سلفستري» بعدم التقدم إلا أنه أصر على متابعة المعركة وملاحقة المجاهدين حتى وصل أنوال إذ لم يدر أن الخطابي كان يستدرجه إلى المناطق الجبلية الوعرة ليقضي عليه تماماً.

فور وصول الإسبان إلى أنوال شن الخطابي هجومه مستخدماً خطة حرب العصابات غير النظامية، واستدرج القوات الإسبانية إلى الجبال المحاطة بالتضاريس الوعرة فوجد الإسبانيون أنفسهم محاصرين من كل جانب، إذ قُطعت عنهم كافة طرق الإمداد وقُضي على معظم الجيش الإسباني وانتحر القائد «سلفستري» هروباً من الهزيمة، واعترف الإسبان بأنهم خسروا في تلك المعركة 15 ألف قتيل و570 أسيراً.

اعترف الإسبان بأنهم خسروا في معركة أنوال 15 ألف قتيل و570 أسيراً

يُفصل الخطابي نتيجة المعركة في مذكراته قائلاً: «عاد علينا الانتصار في معركة أنوال بـ200 مدفع من عيار 75 و65 و77، وأزيد من 20000 بندقية وأعداد لا تُحصى من القذائف، وملايين الخراطيش وسيارات وشاحنات، وتَمويناً كثيراً يتجاوزُ الحاجة وأدوية وأجهزة للتخييم، فأصبح لدينا كل ما  يعوزنا لنجهز جيشاً ونشن حرباً كبيرة، بالإضافة لأننا أخذنا 700 أسير، وفقد الإسبان 15000 جندي ما بين قتيل وجريح».

اندلعت معركة حربية كبيرة أخرى بعد معركة أنوال وهي موقعة عريت، التي انهزم فيها الجيش الإسباني انهزاماً كبيراً ووصل مجاهدو الريف إلى مليلية معقل الإسبان في الشمال الغربي، لكن الخطابي تراجع عن دخول مليلية تجنباً لإثارة تعقيدات دولية ولأنه ارتأى أن جيشه العسكري ما زال في طور النشوء، إلا أنه ندم بعد ذلك أشد الندم على عدم دخول مليلية.

جمهورية الريف المستقلة

يوم 19 سبتمبر/أيلول 1921 أعلن الخطابي استقلال الريف وتأسيس الجمهورية

بعد الانتصار الساحق الذي حققه الخطابي في معركة أنوال دعا قبائل الريف لاجتماع عام في معسكره يوم 19 سبتمبر/أيلول 1921 م، وقرر ترسيخ مبدأ المقاومة الشعبية الريفية معلناً استقلال الريف وتأسيس حكومة دستورية جمهورية، عاصمتها أجدير ولها لغتان رسميتان هما العربية والأمازيغية، وتتغنى بنشيد وطني يبجل زعيم الثورة وبطل مقاومة الريف.

وقد وضع الخطابي وزعماء قبائل الريف ميثاقاً وطنياً تضمن عدة مبادئ منها: عدم الاعتراف بأي معاهدة تمس حقوق البلاد المغربية وخاصة معاهدة 1912 م المعروفة باسم الحماية الفرنسية على المغرب، كما نص الميثاق على جلاء الإسبان عن منطقة الريف المغربي عدا سبتة ومليلية، والاعتراف بالاستقلال التام للدولة الريفية الجمهورية الحديثة.

جمهورية الريف المستقلة أصبحت أخيراً برئاسة الخطابي، فوضع دستوراً ينص على إبقاء السلطتين التشريعية والتنفيذية في يد الجمعية الوطنية التي يتزعمها رئيس الجمهورية، ويجب على كل قائد قبيلة تنفيذ القرارات التي تسنها الجمعية الوطنية، وبعد تقلده مفاتيح الحكم أرسل الخطابي بعثات دبلوماسية إلى مختلف عواصم أوروبا، وفي عام 1923 م كان ينوي إرسال أخيه إلى عصبة الأمم ليسمع العالم بقضيتهم، غير أن هيمنة القوى الاستعمارية على المنظمة منعت ذلك.

على صعيد آخر ألغى الخطابي الأعراف المجتمعية وحكم بالشريعة الإسلامية وأصلح قوانين الملكية، فأصدر قانون مصادرة الأرض التي يعجز مالكوها عن استثمارها وأسندها إلى القادرين على التصرف فيها وأعاد توزيع المياه بين القبائل.

طلب اللجوء في مصر

بعد هزيمته لجأ الخطابي إلى مصر وفيها توفي

تعاظمت قوة الخطابي بعد استقلال الريف؛ ففي سبتمبر/أيلول 1924 م وقعت معركتان في مدينة تطوان انتصر فيهما مجاهدو الريف مجدداً وأمام الخسارات الفادحة المتتالية للإسبان خافت فرنسا من تأثير قوة الخطابي على مصالحها في المغرب.

وتوصلت التقارير الاستخباراتية الفرنسية إلى أن الخطابي رجل يملك مؤهلات قائد يفهم مزايا الحرب المنظمة بالطريقة العصرية، لذلك اضطرت فرنسا إلى إعلان التحالف مع إسبانيا في الشمال واستخدمت عدة استراتيجيات للقضاء على الثوار، كان من ضمنها تأليب السلطان المغربي وقبائل الريف على الخطابي.

على الصعيد العسكري استخدمت فرنسا وإسبانيا كل قوتهما بما فيها السلاح الكيماوي المحرم من أجل القضاء على الخطابي ورجاله في الريف، وبحلول عام 1926 خسر الخطابي 20 ألف مجاهد وفي 26 مايو/أيار 1926 استسلم المناضل المغربي وقرر تسليم نفسه خوفاً على أهل الريف فنفته فرنسا إلى جزيرة معزولة في المحيط الهادي، وفي أثناء عودته لفرنسا عام 1947 نزل في ميناء بورسعيد طالباً اللجوء السياسي في مصر وقد قبلته الحكومة المصرية، وبقي في مصر حتى توفي بها عام 1963.

سموم إسبانيا تسبب السرطان

ارتكبت القوات الإسبانية أبشع الجرائم بحق الإنسانية في التاريخ المعاصر عندما استخدمت تسعة أنواع من الغازات السامة في حربها ضد المقاومة المغربية بقيادة المجاهد عبد الكريم الخطابي، وقد اعترف الدكتور الألماني شتوتنبرغ خبير صناعة الأسلحة الكيماوية الذي أشرف على بناء المعمل الكيميائي مدينة مليلية عام 1928 في مذكراته بذلك قائلاً: «لقد سلمت إسبانيا 110 أطنان من غاز الإيبريت أو اللوست، لاستعمالها في حرب المغرب فتم لها بذلك القضاء على التمرد الريفي».

تجدر الإشارة إلى أن إسبانيا استخدمت الغازات السامة بالطائرات لأول مرة بين عامي 1924 و1926 وهو العام الذي استسلم فيه الخطابي، وفي الوقت الحالي يشهد الريف المغربي ارتفاعاً كبيراً في معدل الإصابة بالسرطان مما حدا ببعض جمعيات حقوق الإنسان إلى اتهام القوات الإسبانية في التسبب بذلك، خاصة وأن معدلات الإصابة بالسرطان تنتشر بالأخص في منطقة ريف المغرب الشمالي.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هزم إسبانيا 4 مرات وتحالفت معها فرنسا لهزيمته ومات بمصر.. في ذكرى اندلاع ثورة الريف تفاصيل عن قائدها عبدالكريم الخطابي