الأربعاء, 18 يوليو 2018

تصالح مع المعارضة وأعاد الأرض التي سرقتها بلاده للجيران.. من هو رئيس وزراء إثيوبيا المولود من أب مسلم  و أم مسيحية؟

سارع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد من وتيرة برنامج الإصلاح الجذري الذي من شأنه قلب السياسات في هذا البلد الإفريقي الكبير الذي يتمتَّع بأهميةٍ من الناحية الاستراتيجية، حسب تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية، قال إنه حصل على إعجاب شعبه بفضل أسلوبه غير الرسمي وجاذبيته والطاقة التي يتمتَّع بها، منذ تولى منصبه في أبريل/نيسان 2018.

بدأ بالتصالح مع خصوم الداخل والخارج

يبلغ آبي 42 عاماً وقد تولى منصبه في أعقاب استقالة مفاجئة قدَّمها سلفه هايلي مريام ديسالين، وحتى الآن قام بإعادة تنظيم مجلس وزرائه، وفَصَلَ مجموعةً من الموظفين الحكوميين المُحصَّنين والمثيرين للجدل.

كما مدَّ الجسور مع خصومه وأعدائه في الدول المجاورة، كذلك رفع الحظر عن مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام الأخرى، وأطلق سراح الآلاف من السجناء السياسيين، وأمر بتطبيق الخصخصة الجزئية على الشركات الكبيرة التي تملكها الدولة، إضافة إلى إلغاء حالة الطوارئ التي فُرِضَت من أجل قمع الاضطرابات واسعة النطاق.

وها هو يحاول إنهاء الخصومة مع إثيوبيا

في الأيام الأخيرة، أقال آبي رئيس مصلحة السجون إثر مزاعم متكررة حول تعذيبٍ واسع النطاق في السجون، وحَذَفَ ثلاث جماعاتٍ مُعارِضة من قوائم المنظمات «الإرهابية».

وفي يوم الأحد 8 يوليو/تموز 2018، التقى العسكري السابق برئيس إريتريا أسياس أفورقي في محاولةٍ لإنهاء أحد أطول النزاعات أمداً في إفريقيا.

وتعانق الرجلان وقضيا وقتاً ممتعاً في أجواء كان لا يمكن تصوُّرها قبل أشهر قليلة.

وقال أحمد سليمان، خبير سياسات الشرق الأوسط بمعهد تشاتام هاوس الواقع في لندن: «لا نريد المبالغة، ولكن بالنسبة لإثيوبيا، وهي الدولة التي اعتادت على تنفيذ كل شيء بطريقةٍ توجيهية وبطيئة ومنظمة للغاية، فإن تلك التغيرات لم يسبق لها مثيل.

ويضيف قائلاً » تتمثَّل مهمة آبي الرئيسية في تلبية كافة التوقُّعات لدى مختلف الفئات في بلدٍ ضخم ومُتنوِّع. إنه شيءٌ مستحيل، ولكنه يحاول تحقيقه ببعض الحماس».

ويواجه أزمة اقتصادية وعجزا في سوق العمل

بالرغم من توقُّع صندوق النقد الدولي أن تكون إثيوبيا هي صاحبة الاقتصاد الأسرع نمواً في إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى عام 2018، ولكن حتى الرسمية في البلاد قد أقرَّت بالصعوبات الخطيرة التي تواجهها البلاد.

ووَصَفَت صحيفة The Reporter في أديس أبابا هذه الصعوبات بـ»شبح الكارثة الجاثم فوق إثيوبيا»، وناشدت رئيس الوزراء الجديد لإنقاذ الأمة من «على حافة الهاوية».

إذ تواجه إثيوبيا نقصاً حاداً في العملة الأجنبية، وهي مشكلةٌ وصلت إلى حلٍّ مؤقَّت عن طريق ضخِّ الأموال من الإمارات العربية المتحدة.

كما تعاني البلاد من اللامساواة المتزايدة، وعجزاً في توظيف أعداد هائلة من الخريجين، وأضراراً بيئية كبيرة، وتوتراتٍ عرقية، وتشهد تعطُّشاً للتغيير.

اعتذر عن الانتهاكات وقام بتغيير مسؤولي الأمن

اتحدت مجموعاتٌ مختلفة المصالح معاً في السنوات الأخيرة للتعبير عن السخط المتزايد، إلى جانب احتجاجاتٍ واسعة يقودها الشباب ضد الحكومة، علماً بأن 70% من السكان على الأقل تقل أعمارهم عن 30 عاماً.

قال بيفيكادو هيلو، وهو مدون يبلغ 37 عاماً سُجِنَ مراراً بسبب كتاباته المطالَبة بالديمقراطية: «إن الشباب هم القوة النشطة وراء نمو البلاد. يجب أن يكون هناك نموذجٌ جديد الآن من شأنه أن يجعل إثيوبيا تتقدَّم اقتصادياً عن طريق خلق فرص عمل جديدة للشباب مع احترام الحقوق السياسية والمدنية».

واعتذر آبي عن الانتهاكات السابقة ووعد بإنهاء للقمع.

وقال هيلو: «لطالما عشت مُحاصراً بالخوف ولكنني أشعر بخوفٍ أقل من السابق حين أكتب حالياً. لا يقتصر الأمر على أنه ألقى خطاباً فقط.. إنما في نفس اللحظة التي كان يلقي فيها كلماته جرى تغيير موظفي الأمن وصولاً إلى المستويات المحلية».

لكن مجهودات آبي لا تلقى تأييداً من الجميع

فقد أُلقِيَت قنبلةٌ يدوية الصنع على مسيرة منظمة لإظهار الدعم الشعبي للإصلاحات في ميدان ميسكل الواسع بأديس أبابا، في يونيو/حزيران الماضي 2018، وخرج فيها عشرات الآلاف من المؤيدين يرتدون ملابس عليها صورة رئيس الوزراء الجديد ويحملون لافتات تقول «حب واحد، إثيوبيا واحدة».

لقي شخصان مصرعهما وأُصيبَ أكثر من 150 إثر الانفجار والتدافع الذي أعقبه.

وقال آبي في خطابٍ ألقاه بعد وقتٍ قصير من الهجوم: «الحب يفوز دائماً، بينما قتل الآخرين ما هو إلا دليل على الهزيمة. إلى كلِّ من أراد تقسيمنا، أود أن أخبرك أنك لم تنجح في ذلك».

وكشف مسؤولون عن جهودٍ رمت إلى إعاقة المسيرة، انطوت على قطع التيار الكهربائي وفصل جزئي لشبكة الهاتف. ورداً على ذلك اعتُقِل على الأقل 30 مدنياً و9 من ضباط الشرطة.

وهناك معارضون له داخل الأجهزة الأمنية

منذ أن تولى آبي منصبه وهناك «محاولات منظمة ترمي إلى الإضرار بالاقتصاد، وخلق تضخم، وإعاقة المؤسسات العامة عن تقديم الخدمات».

قد يكون عنصرٌ مُتشدِّدٌ داخل الأجهزة الأمنية القوية في إثيوبيا هو من يقف وراء هذه المشكلات، إذ جاء آبي بمدنيين ليحلوا محلَّ الرؤساء العسكريين، وأقرَّ بانتهاكات حقوق الإنسان في الماضي.

وقد تكون جماعاتٌ معارضة للجهود المبذولة من أجل التصالح مع إريتريا سبباً آخر في هذه المشكلات.

وقال مركز ستراتفور، وهو مركز للاستشارات الأمنية والاستراتيجية بالولايات المتحدة، إنَّ مرتكبي هذا الهجوم «الأحمق» من المُرجَّح أن يكونوا من إحدى المناطق المضطربة في إثيوبيا.

وهو ينتمي لجماعة عرقية كانت مهمشة رغم أنها الأكبر

وتشهد الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (EPRDF)، وهي ائتلاف المتمردين الذي أطاح بالحكومة العسكرية المؤقتة في إثيوبيا (نظام الديرغ العسكري) في عام 1991، انقساماتٍ بسبب معارك فصائلية بين الأحزاب الأربعة المُكوِّنة للجبهة والقائمة على أساس عرقي، بالإضافة إلى منافسةٍ شرسة بين المؤسسات والأفراد.

وتُشكِّل جماعة تيغرايان، وهي جماعة عرقية متمركزة في شمالي إثيوبيا، حوالي 6% من السُكَّان، لكنَّها تُهيمن عادةً على النخبة السياسية والتجارية بشكل عام.

وكان يُنظر إلى آبي نسبياً باعتباره دخيلاً سياسياً قبل أن تختاره اللجنة التنفيذية للجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية رئيساً للائتلاف. فهو أول زعيم من أكبر جماعة عرقية في أثيوبيا، أورومو، التي عانت على مدى عقود من التهميش الاقتصادي والثقافي والسياسي.

والقراءة الأولى لتحليل نتائج التصويت على الرجل داخل المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية الثورية تفيد بأنه لم يصوت للدكتور آبي أحمد أي  أحد من بين 45 عضواً من أعضاء جبهة تحرير شعب تيغراي (الحزب الأقوى والحاكم الفعلي خلال السنوات الماضية)، وجاء ترجيح كفته بأصوات الأمهريين، ومجموعة من حزب الشعوب الجنوبية بقيادة رئيس الوزراء المستقيل ديسلين.

ووصوله للمنصب يحمل آفاقاً باحتمال ولادة إثيوبيا جديدة

فمنذ تأسيسها ينتمي حكام إثيوبيا للشمال المسيحي ديناً، والتيغراوي والأمهري عرقاً، وهو المكون الذي درج على تعريف الدولة ضمن موروثه الثقافي والديني، وسعى إلى خلق كيان وحدوي مركزي، وحاول، لقرن ونصف، إذابة جميع الفوارق اللغوية والدينية في بوتقة واحدة، وخلق هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية.
ورغم محاولة النظام الحاليّ إعادة تعريف الدولة الإثيوبية بالاعتراف بكل مكوناتها فإنه لم يتخلص من عقدة الهيمنة الشمالية سياسياً واقتصادياً، وفي هذا السياق يمكن فهم السيطرة الكاملة لجبهة تحرير تيغراي على التحالف الحاكم وتوجيهها لدفة الحكم خلال 27 سنة الماضية رغم كونهم أقلية عرقية.

ولم يكن سهلاً ولا متصوراً للحرس القديم في المشهد السياسي الإثيوبي القبول بانتقال السلطة من الشمال الحاكم والمهيمن تقليدياً إلى الجنوب المقاوم والثائر تاريخياً.
لذا فإن اختيار الدكتور آبي، وبغض النظر عما سيواجه مهمته من صعوبات أو تسهيلات، فإنه اختيار له ما بعده، وإثيوبيا اليوم ليست إثيوبيا الأمس، حسب وصف تقرير لموقع نُون بوست.

خبراته متنوعة: استخباراتية عسكرية إسلامية مسيحية

انضم آبي، الذي وُلِدَ في غربي إثيوبيا، للمقاومة ضد نظام منغستو هايلي ماريام  العسكري في سنِّ المراهقة قبل التحاقه بالقوات المسلحة، حيث وصل إلى رتبة عقيد.

حصل على شهادة الدكتوراه في دراسات السلام والأمن، ثم دخل السياسة قبل ثماني سنوات بعد أن قضى فترةً طويلة في إدارة خدمة الاستخبارات السيبرانية في إثيوبيا، وترقَّى بسرعة داخل صفوف فصيل أورومو في الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، التي كانت تاريخياً على خلاف مع تيغرايان.

يقول مُحلِّلون إن خلفية آبي التي تجمع بين المسيحية والإسلام، وطلاقته في اللغات الثلاثة الرئيسية في البلاد تسمح للزعيم الجديد بتجاوز الانقسامات الطائفية والشعبية. ومدَّ جسراً يصله بالنساء، إذ أشار بشكلٍ غير مسبوق إلى زوجته وأمه في خطاب قبوله للمنصب.

فقد ولد آبي أحمد عام 1976، لأب أورومي مسلم وأم مسيحية، في منطقة جما، إحدى السلطنات المسلمة التي ضمت لإثيوبيا الحديثة ضمن مشروع بناء الدولة، تلقى تعليمه الأساسي والجامعي في الداخل.

ورفوف الكتب عن الدين والفلسفة تملأ مكتبه

وصف يوسف تييرونه، أحد الاشخاص الذين تربطهم معرفةٌ شخصية بآبي، رئيس الوزراء الجديد، بأنَّه «يتطلع دوماً للمستقبل».

وقال تييرونه، المتخصص في مجال الاتصالات وعمل تحت قيادة آبي في وزارة العلوم والتكنولوجيا: «إنه أيضاً مستمع جيد لكنَّه متعنت قليلاً تجاه الأشخاص الذين لا ينصتون».  

وذكر تيرونه إنَّ رفوف الكتب عن الدين والفلسفة والعلوم تملأ مكتب آبي. وأضاف: «إنَّه نشيط جسدياً ومنظم بشكل جيد جداً. لم يكن لديه سكرتير لأنَّه أراد أن يكون مكتبه متاحاً. لم يُغلق باب مكتبه قط بالمعنى الحرفي للكلمة».

ولكن المشكلة أن طبيعة النظام لم تتغير

 إن آبي «ذكي جدا وسريع التعلُّم وملتزمٌ بإرساء الديمقراطية»، هكذا قال أندرغاشو تسغي، مواطن بريطاني تم العفو عنه بشكلٍ غير متوقَّع في مايو/أيَّار بعد أربع سنوات من انتظار تنفيذ حكم الإعدام بناءً على اتهاماتٍ مزعومة بالإرهاب.

وأضاف تسغي، الذي خطفته أجهزة الأمن الاثيوبية أثناء عبوره إلى اليمن قبل أربع سنوات: «دعاني آبي إلى مقابلته بعد يومين من إطلاق سراحي. تحدَّثنا لمدة 90 دقيقة وناقشنا الكثير من القضايا. لقد كان لقاء العقول. هذا الرجل يعني العمل».

لكن يشير البعض إلى أنَّ الطبيعة الاستبدادية لعملية صنع القرار في إثيوبيا لم تتغيَّر بعد، حتى لو كان آبي يستخدم صلاحياته الجديدة من أجل الإصلاح.

كما يخشى البعض أن الحرس القديم في المشهد السياسي الإثيوبي لن يقبل بانتقال السلطة من الشمال الحاكم والمهيمن تقليدياً إلى الجنوب المقاوم والثائر تاريخياً، وأنه سيلجأ إلى استخدام أدوات الدولة العميقة لوضع العصي في الدواليب؟.

في حين يرى تيغيست منغيستو، المسؤول التنفيذي في أديس أبابا، المشكلة: «أن البلاد لا تزال تُقاد بواسطة شخص واحد وحكومته».

وأضاف: «للأسف كنَّا كذلك منذ 27 عاماً ونريد تغيير ذلك. إنَّ هذا أمر سيئ بالنسبة لدولة متنوعة ومتعددة الأعراق مثل إثيوبيا».

 

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
تصالح مع المعارضة وأعاد الأرض التي سرقتها بلاده للجيران.. من هو رئيس وزراء إثيوبيا المولود من أب مسلم  و أم مسيحية؟

قصص ذات صلة