الثلاثاء, 17 يوليو 2018

إذا لم تصلهم سيارة النفايات سينهارون من الجوع.. "حلم أوروبا" يُلقي بمهاجرين في شمال المغرب وسط الجحيم

ينبش يوسف في النفايات المتراكمة تحت شمس حارقة، بحثاً عما يسد به رمقه في مكبّ للنفايات على الساحل المتوسطي شمال المغرب، حيث استقر به المقام مثل كثيرين من رفاقه المهاجرين الحالمين بالوصول إلى أوروبا.

ويبدو «الحلم الأوروبي» على مرمى حجر من هذا الجحيم الذي تجمع فيه عشرات من المهاجرين، بينهم قاصرون، ضاق بهم العيش في بلدان انعدمت فيها فُسحة الأمل تحت وطأة الفقر، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية.

ويتذكر يوسف (20 سنة) المهاجر من غينيا والدتَه، ويقول متحسراً: «لا شك أنها ستمرض إذا رأت هذا المشهد». ويضيف وقد حاصرته ورفاقه مشاعر العار والبؤس: «نعيش وضعاً صعباً، لا نملك عملاً، ونقتات من النفايات».

ولا يملك هؤلاء المهاجرون حيلة للبقاء على قيد الحياة غير النبش في هذا المكبّ المطلّ على مدينة الفنيدق، في منأى عن مصطافين يستمتعون بزرقة مياه شاطئ متوسطي، تفصله بضعة كيلومترات عن المنتجع الذي يقضي فيه العاهل المغربي محمد السادس عُطلته الصيفية.

ويطل هذا المرتفع على مشارف جيب سبتة الإسباني، المحطة النهائية بالنسبة لآلاف المهاجرين الذين يصلون إلى أوروبا بعد أشهر، وأحياناً سنوات من التيه في «مجاهل» القارة السمراء.

«اتجار بالبشر»

ووصل يوسف إلى المغرب قبل خمس سنوات في ختام رحلة طويلة ومحفوفة بالمخاطر، عبر مالي والجزائر. وحاول مراراً اختراق السياج الحدودي الذي يفصل سبتة عن المغرب، ويفصل هؤلاء المهاجرين عن أحلامهم.

وأضاف: «بيننا مَن يحلم بالدراسة أو العمل أو احتراف كرة القدم، أنا أحلم بالدراسة في إسبانيا»، بينما يواصل اثنان من رفاقه تقليب النفايات بواسطة آلة حفر يدوية.

ويستطرد فينتور (22 سنة)، القادم من مالي، ويقول: «عائلاتنا لا تعلم كيف نعيش هنا، يتملكنا شعور بالعار». ويحلم فينتور بدوره بالوصول إلى إسبانيا «لاحتراف كرة القدم أو أي عمل آخر».

محاولات من المهاجرين محفوفة بالمخاطر للانتقال من شمال المغرب إلى أوروبا

في تلك الأثناء تصل شاحنة نفايات لإفراغ حمولتها، فيسارع فينتور ورفاقه لالتقاط ما أمكن قبل أن تأتي مركبة مهمة دفن النفايات تحت الأرض.

وقبل أن يجرب حظه هنا سبق لفينتور أن مرّ عبر ليبيا، لكنه لم يملك ما يكفي من المال لدفع كُلفة العبور. كما أن العبور من المغرب نحو إسبانيا عبر البحر المتوسط أو المحيط الأطلسي جنوباً يحتم الدفع لحجز مكان في أحد «قوارب الموت»، في إشارة الى الخطر المحدق بركابها، فضلاً عن سوء المعاملة التي يتلقاها المهاجرون من محترفي شبكات الاتجار بالبشر.

ويقول تقرير للخارجية الأميركية صدر مؤخراً: إن المهاجرين «هم أكثر عرضة لأن يتم الاتجار بهم في المغرب»، مشيراً إلى «جهود محدودة» تبذلها الحكومة المغربية «لملاحقة جرائم تهريب البشر» وتحديد هويات «الضحايا».  

وكشفت وثيقة للوكالة الأوروبية لمحاربة الجريمة «يوروبول» جانباً من أساليب شبكة لتهريب البشر كانت تنشط في إسبانيا، وجرى تفكيكها في أبريل/نيسان، لافتة إلى أنها كانت تجني «ما بين الفين وثمانية آلاف يورو» لتهريب مهاجرين قاصرين.

وعندما وصلوا إلى الضفة المقابلة احتجز هؤلاء القاصرون رهائن، واضطرت عائلاتهم إلى دفع فديات باهظة للإفراج عنهم، كما توضح الوثيقة.

ورغم كل المخاطر، اجتذبت الطريق البحرية بين المغرب وإسبانيا مزيداً من المهاجرين وباتت بمثابة البوابة الرئيسية للعبور الى «الجنة» الأوروبية. فعبر هذه «الطريق الغربية» كما تسمى، وصل منذ مطلع هذه السنة 17522 مهاجراً إلى إسبانيا مقابل 16452 وصلوا عبر إيطاليا و13120 عبر اليونان، بحسب أرقام المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة.

الحلم: نادي برشلونة

ولا يملك يوسف وأصدقاؤه ثمن العبور من طريق البحر، فيعلقون آمالهم على اجتياز الأسلاك الشائكة التي تحيط بجيب سبتة، لكن هذا الخيار لا يقل خطورة.

ويبسط أبوبكر (18 سنة) يديه ليظهر آثار الجروح التي خلفتها تلك الأسلاك جراء محاولاته المتكررة اختراقها. ويقول الشاب الغيني، الذي يعيش وسط غابة غير بعيدة من السياج الحدودي:  «تمكنت من العبور ثلاث مرات، لكنهم طردوني، مع ذلك ما زلت مصمماً على تكرار المحاولة»، ويتابع: «إن شاء الله سأصل إلى إسبانيا وسأتدرب في نادي برشلونة لكرة القدم».

وفي انتظار اليوم الذي قد يحقق فيه حلمه، يأسف أبو بكر لاضطراره إلى البقاء أسابيع بدون استحمام، وقال: «أعرف أن هذا يضر بصحتي، لكنني لا أملك خياراً آخر، لا بد من أن أتمكن من العبور».

وبالإصرار نفسه، وعلى بُعد 80 كيلومتراً غرباً، تستعد مجموعة من المهاجرين السنغاليين في حي شعبي بمدينة طنجة للعبور بواسطة قارب مطاطي صغير تقاسموا ثمن شرائه؛ لعجزهم عن تحمل كُلفة العبور بواسطة شبكات التهريب.

يعرف عبدالله (28 سنة) جيداً المخاطر المحدقة بهذه المغامرة، لكنه لا ينوي التراجع، ويقول: «ليس لديَّ ما أخسره».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
إذا لم تصلهم سيارة النفايات سينهارون من الجوع.. "حلم أوروبا" يُلقي بمهاجرين في شمال المغرب وسط الجحيم