السبت, 21 يوليو 2018
العالم

استبداد الشعب.. كيف صنع المجتمع الروسي بوتين؟

حظيت سيكولوجية بوتين، وأيديولوجية نظامه، وأجهزة الدولة الروسية وجيشها، باهتمام بالغ في الغرب، لكنَّ الشعب الروسي ما زال غير مفهوم تماماً

عربي بوست، ترجمة

لا أمل في التحالف مع روسيا، ففكرة الغزو تشكل الطموح السري لهذه البلاد.

هكذا وصف روسيا الأرستقراطي الفرنسي أستولف لويس ليونور -المعروف بـ «الماركيز دي كاستين»- في عام 1839، عندما سافر إلى هذه البلاد كي يفهم «إمبراطورية القيصر».

والآن مازالت ملاحظات الماركيز دي كاستين، صالحة لفهم هذا البلد بعد مرور نحو 180 عاماً على كتابتها، حسب تقرير لمجلة Foreign Affairs الأميركية.

بارعون في الخضوع وليس لديهم أي شيء في الواقع

ألَّف كاستين، في منافسة مع دراسةٍ ألَّفها مواطنه ألكسيس دو توكفيل عن الديمقراطية الأميركية، دليل سفرٍ كان في الوقت ذاته تحليلاً لـ»روسيا الخالدة». اعتقد كاستين أنَّ الروس بارعون في الخضوع. كان المعارضون يُبعثون إلى سيبيريا، التي تُعَد منطقةً تابعةً لا غنى عنها لحضارة موسكو».

وأثار الطغيان في الوطن رغبةً في توسُّع الإمبراطورية في الخارج. ليكتب كاستين «إن فكرة الغزو تشكل الطموح السري لروسيا».

كان مما أثار اهتمام كاستين أكثر من أي شيء آخر تكلُّفَ روسيا الإمبريالية. وأضاف آنذاك: «الروس لديهم كل شيء نظرياً، وليس لديهم أي شيء في الواقع».

كما أَنهم يستفيدون من الجواسيس أفضل من أي بلدٍ آخر في العالم

مذيعة روسية تعبر عن حبها لبوتين بطريقتها

بدأ كاستين الفرنسي المحافظ رحلته باعتباره مؤيداً لتحالف فرنسي روسي، وهو بمثابة اتحاد للاستبداديين المسيحيين.

ولكنه بعد رحلته وصف أمراءها بـ»الزائفين والماكرين»، واعتبر أن البلاد «تستفيد من الجواسيس أفضل من أي بلدٍ آخر في العالم».

وغيَّرت الرحلة رأيه حول القوى الرئيسية التي يجب أن تصادقها فرنسا، إذ قال: «كل شيء يميل إلى التعجيل باتفاق تام بين السياسات الفرنسية والألمانية سيكون نافعاً».

تبدو عديدٌ من الاستنتاجات التي توصل إليها كاستين في محلها ضمن التحليلات الأميركية والأوروبية المتعلقة بروسيا المعاصرة. إذ أنَّ سياسات الاتحاد الأوروبي الحالية تجاه موسكو، التي تستند إلى التحالف الفرنسي الألماني الذي أيده كاستين، تفترض بدقةٍ وجود الازدواجية والخطر الروسيين الذي وصفه في كتاباته.

واليوم مازال التاريخ السبيل الوحيد لفهم الطغيان في روسيا البوتينية

على خطى كاستين، ولعله عن غير قصد، يسير سيراي بلوخي وشون ووكر وماشا جيسن، مؤلفو ثلاثة كتب حديثة عن روسيا.

 إذ يعتمد ثلاثتهم على التاريخ والملاحظة لتفسير روسيا الخالدة ورسم خارطة لألغاز دولتها، وسياستها الخارجية، ورئيسها فلاديمير بوتين.

يستكشف المؤلفون وصفة الطغيان الخاصة ببوتين، المعتمدة على الآتي: استحضار ماض روسي مجيد من تحت أنقاض السوفييت وتاريخ ما قبل الثورة، وتقديم نفسه على أنه أعلى قامات هذا الماضي، وممارسة سلطاته باعتباره حاكماً قوياً قُدِّر له أن يكون مباركاً.

لكن مازال هناك أمر يتجاهله الكثيرون.. الشعب الروسي

بيد أن جميع الكتب الثلاثة، بقدر الحماسة والبصيرة التي هي عليها، تتجنب المشكلة التي كانت السبب الأكبر في تكدير السياسة الغربية منذ 2014. حظيت سيكولوجية بوتين، وأيديولوجية نظامه، وأجهزة الدولة الروسية وجيشها، باهتمام بالغ في الغرب.

 لكنَّ الشعب الروسي ما زال غير مفهوم تماماً. وتماماً كالعديد من المحللين الغربيين (وكاستين قبلهم)، يرتكز بلوخي ووكر وماشا على فكرة أن روسيا مكانٌ لا يوجد به شيء حقيقي، فهي قرية وهمية مُشيَّدة على الأساطير القديمة ومعتقدات ما بعد الحداثة، حيث يجب أن تكون الأمة قد جاءت إلى الوجود عن طريق الدولة.

لقد عرَّفت تصوراتهم روسيا بأنها قبضة الدولة على المجتمع. ولكن فاتهم أن المجتمع نفسه لديه قبضة على الدولة. ففي مستقبل روسيا، سيكون التسليم بذلك هو العامل الحاسم.

روما الثالثة.. المملكة الأوكرانية الغامضة التي تحرك الأطماع الروسية  

مدينة كييف الأوكرانية أو روما الثالثة عند روسيا

يبحث بلوخي، في كتابه Lost Kingdom، الطريقة التي أسست بها روسيا إمبراطوريةً عن طريق خدعة أيديولوجية. ففي بدايات العصر الحديث، احتاجت روسيا إلى تبرير توسعها المتجه غرباً، لذا اخترعت «خرافة الأصول» التي زعمت أن موسكو هي وريثة روس الكييفية التي كانت اتحاداً سلافياً مسيحياً أرثوذوكسياً غامضاً، وأطلقت على مدينة كييف (عاصمة أوكرانيا حالياً) لقب روما الثالثة، بعد روما الأولى والقسطنطينية.

وتنطبق حدود مملكة «روس» المفقودة هذه تقريباً على المناطق التي تُعرَف حالياً ببيلاروسيا، وشرق أوكرانيا، والأراضي الروسية الواقعة غرب جبال الأورال. وعندما امتدت إمبراطورية كاثرين العظيمة في القرن الثامن عشر حتى بولندا، تطورت هذه الأسطورة لتصبح سياسة لتوحيد قسري. إذ اعتُبر السكان الأصليون البيلاروس والروس والأوكرانيون جميعاً شعباً واحداً، ذا دينٍ مسيحي أرثوذوكسي مشترك وتاريخ واحد.

يؤكد بلوخي أنَّ إحياء روس الكييفية كان قضية خاسرة منذ بدايتها. ومع أنَّ الروس ذوي النزعة السلافية كانوا عازمين على استيعاب النزعة القومية لدى الروس البيض (البيلاروس) والأوكرانيين، لم يكن صانعو السياسية الخارجية الروسية راغبين في ذلك.

فقد فرض السعي وراء إمبراطورية متجانسة خياراً على البيلاروس والأوكرانيين: إمَّا أن تُصبحوا من الروس أو تبنوا هوية بيلاروسية أو أوكرانية مستقلة.

ويذكر بلوخي في كتابه أنه نظراً إلى أنَّ الأوكرانيين كانوا «الأكثر ديمقراطية ومناداةً بالمساواة من بين السلاف»، كانوا متقبلين عقد شراكة مع روسيا ولكن ليس مع الهيمنة الروسية. تسببت الحملة الإمبريالية نحو التجانس في إذكاء القومية الأوكرانية، حتى وقعت الحرب العالمية الأولى.

وبالفعل أدرك لينين خطورة الشوفينية الروسية.. ولكن ستالين استخدمها

بعد أن أطاحت الثورة البلشفية بالسلالة القيصرية وأنهت الإمبراطورية الروسية في عام 1917، خلُص فلاديمير لينين إلى أن التهديد الأكبر على وحدة الدولة السوفيتية تمثَّل في الشوفينية الروسية.

واقترح نقل السلطة من موسكو إلى جمهوريات سوفيتية مؤسسة حديثاً على أراضي الإمبراطورية السابقة، باحثاً عن «اتحاد شعوب اختياري» لاستيعاب الشعور القومي غير الروسي.

وعندما مات لينين في عام 1924، تبنى خليفته جوزيف ستالين هذا النموذج من الناحية النظرية. ولكن من الناحية العملية، أدخل شوفينية روسية إلى الإمبراطورية السوفيتية الجديدة، ليكوِّن اتحاداً على الورق ولكنه ليس كذلك في الواقع.

ولهذا السبب وجود دولة أوكرانيا المستقلة يزعجهم

تمثال القائد السوفييتي الراحل لينين في قلب موسكو

وبقدوم ثمانينيات القرن العشرين، كانت ثقافة جميع أراضي الاتحاد السوفيتي ولغتها في طريقهما نحو «الروسنة» غير أن رؤية لينين كان لها آثار باقية.

ونظراً إلى أن الاتحاد السوفيتي لم يكن دولة روسية واحدة ونظراً إلى أنها لم تكن إمبراطورية روسية من حيث المسمى، كان على الروس أن يستحدثوا هوية «منفصلة عن الهوية الإمبريالية»، حسبما ذكر بلوخي. إذ يضيف: «أصبح لينين، على نحو افتراضي تقريباً، أبا الأمة الروسية الحديثة».

ولكن انتهى هذا الترتيب غير المستقر بتفكك الاتحاد السوفيتي، وهو ما أدى إلى استقلال بيلاروسيا وأوكرانيا.

غير أن وجود دولة أوكرانية بالنسبة للروس كان دليلاً غير مريح على أن مملكتهم المفقودة فُقدَت حقاً. فلا يمكن لروسيا أن تصبح إمبراطورية بدون أوكرانيا. ويشير بلوخي إلى أن ذلك هو السبب الذي دفع بوتين للاستيلاء على القرم وغزو شرق أوكرانيا في 2014  بعد الاحتجاجات التي أطاحت بالحكومة الأوكرانية التي كانت تميل ناحية روسيا.

والآن تبدو غريزة التوسع غير قابلة للتوقف.. وهكذا استغل بوتين الصدمة

روسيا لن تتوقف هناك، حسبما يعتقد بلوخي، إذ يرى أنَّ غريزة موسكو الإمبريالية تُنذر بمزيدٍ من الصراع «وتهدد استقرار شرق أوروبا كلها».

يقدم ووكر، وهو صحفي في صحيفة The Guardian البريطانية، تشخيصاً مشابهاً للإمبريالية الروسية في كتابه The Long Hangover.

وجاء في كتابه أن الانهيار السوفيتي صدم الشعب الروسي، وبدلاً من معالجة الصدمة، استغلها بوتين وحكومته «باستخدام الخوف من الاضطراب السياسي من أجل سحق المعارضة، ورهن «الوطنية» بدعم بوتين، واستخدام الرواية المبسطة للحرب العالمية الثانية للإيحاء بأنَّ روسيا يجب أن تتحد مرة أخرى ضد التهديد الأجنبي».

هذا هو حالهم لأنهم تجنبوا هذه المراجعة التاريخية الضرورية لخلق دولة ليبرالية طبيعية  

يُفصِّل ووكر عديداً من الطرق التي لم يسلكها أحد نحو تحقيق دولةٍ روسية كان من الممكن أن تكون أكثر استيعاباً لليبرالية الغربية.

وتمثَّل أحد هذه الطرق في الفشل الروسي في الشروع في حسابٍ واسع النطاق لجرائم عصر ستالين. عملت حكومة بوتين لمحو الغولاغ (معسكرات الاعتقال السوفيتية) من الذاكرة الشعبية، وهي التي شكلت الإرهاب الكبير لستالين، وتواطؤ الروس العاديين في عمليات القتل.

وتجنبت كذلك تحمل مسؤولية جرائم الاتحاد السوفيتي الأخرى، مثل الترحيل الجماعي لتتار القرم خلال الحرب العالمية الثانية، أو الفساد السوفيتي في شرق أوروبا.

ولما كانت الدولة غير قادرة على التعامل مع ماضيها الحقيقي، تحولت إلى أسطورة يُحتفى بها. ففي عام 2005، صنعت وكالة الأنباء الحكومية RIA Novotsi شريط القديس جاورجيوس ذي اللونين الأسود والبرتقالي، استناداً إلى أعلى وسامٍ عسكري في روسيا الإمبريالية بهدف إحياء انتصار الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، وروَّجت له.

وفي عام 2008، أحيت الحكومة عروضاً عسكرية على النمط السوفيتي باستعراض الأسلحة الثقيلة. ويخشى ووكر من أن تكون روسيا قد تخلصت من دوار ما بعد الاتحاد السوفيتي باحتساء الشراب من كأس الحنين إلى العصر السوفيتي.

وها هو بوتين يخلق حربه الخاصة، فالانتصار الخارجي ضرورة للوحدة الداخلية

ستجد الكثير من هذه القمصان المحتوية على صور بوتين بوصفه قائداً شجاعاً في روسيا

تقود تلك النظرية ووكر إلى تفسيرٍ للحرب في أوكرانيا يتعارض مع تفسير بلوخي. فبينما يؤكد بلوخي رومانسية الإمبراطورية والوحدة السلافية الشرقية، يضع ووكر «تشاؤم الكرملين» في مقدمة تفسيره.

ففي ظل تعويد الشعب الروسي مرة أخرى على الفكرة التي تفيد بأن الانتصارات الخارجية كانت ضرورية لتماسك روسيا، لم يستطع بوتين أن يكتفي بانتصار ستالين في الحرب العالمية الثانية. واحتاج هو الآخر إلى انتصار يحققه بنفسه. واستطاع بوتين أن يحقق أمنيته بضم شبه جزيرة القرم.

لم تكن موضوعات الانتصارات الجوفاء أقل أهمية في كتاب The Future Is History لماشا جيسن. إذ يُشكِّل كتابها محاولةً شاملة للإمساك بالتاريخ الروسي للأربعين عاماً الماضية إضافة إلى كونه إحاطة شخصية.

وُلدت ماشا في روسيا وهاجرت إلى الولايات المتحدة في عمر المراهقة. وعادت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي متشوقةً إلى تغطية بدايات بلادها نحو «تبني الحرية ورحلتها نحو الديمقراطية».

وفور العودة إليها، واجهت قصة أقل إثارة وتشجيعاً تمثَّلت في «ارتداد روسيا إلى سابق عهدها في المحفل العالمي».

يتحدث الكتاب، الذي يتابع حياة سبعة أشخاصٍ روس، عن معركة أفكار. وتدور أغلب موضوعات ماشا حول ممثلين للتقدمية لا يسعون للوصول إلى الديمقراطية وحسب، بل ثقافةٍ روسية معاصرة مستنيرة بالعلوم الاجتماعية.

فبعد سقوط الاتحاد السوفيتي اشتعلت حرب أفكار في البلاد التي منعت من معرفة نفسها

المجتمع السوفيتي «مُنع من معرفة نفسه»، حسبما ترى ماشا، إذ بدأت قليل من التصدعات في الجهل الجماهيري تظهر خلال عهد تطبيق سياسة البريسترويكا والجلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) في فترة الإصلاحات المحدودة والانفتاح المحدود التي دشَّنها رئيس الاتحاد السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف في الثمانينيات من القرن الماضي.

 إذ كان غورباتشوف وإصلاحيون آخرون يسعون في أفضل حالاتهم «لاستعادة الفكر والمعرفة إلى الأرض»، وفقاً لما ذكرته ماشا.

وفي التسعينيات، جلب أبناء هؤلاء الإصلاحيين إلى روسيا استطلاعات الرأي، وعلوم الاجتماع، وعلم النفس، والدراسات المتعلقة بالمثليين والمثليات وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً.

كان هدفهم تحويل الرجال السوفيت الخاضعين -والذين كانت روحهم محاصرة بـ»الخضوع والطاعة والامتثال»- إلى مواطنين مستقلين على علم ودراية بالديمقراطية حقيقية.   

وهناك من يُؤْمِن بالمصير الفريد للشعب الروسي

وعلى الجانب الآخر، كان هناك الرجعيون من أمثال الفيلسوف ألكسندر دوغين،  وهو المؤيد الوحيد لبوتين بين موضوعات ماشا. ويتنبأ دوغين -مستلهماً أفكاره من المفكرين الأوراسيين أمثال الإثنوغرافي ليف غوميليوف، الذي روَّج لـ «الطبيعة الضرورية للجماعات الأصلية»- بمصيرٍ فريد للشعب الروسي.

إذ يرى دوغين أنَّ الانفصال التام عن الغرب يشكل سمة مُعرِّفة لروسيا. وقد دعا إلى سياسة عسكرية خارجية تسير جنباً إلى جنب مع الخطوط الحضارية. وفي عام 2012، تنبأ بسقوط بوتين إذا «استمر في تجاهل أهمية الأفكار والتاريخ»، على حد قول ماشا. إذ إن الإشراف التكنوقراطي على الاقتصاد لم يكن كافياً. فبوتين احتاج إلى إظهار قوة روسيا والتعويض عن صور الإذلال التي حدثت في الماضي.

وبقدوم عام 2014، عادت نسخةٌ من الرجال السوفييت الخاضعين. إذ استعادت الدولة الروسية المؤسسات السوفيتية الاستبدادية. واستغنى بوتين عن مبدأ الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين المتعلق بـ»الندم الوطني» على خطايا الشيوعية السوفيتية.

واستغل بوتين بمهارةٍ الانقسامات داخل روسيا بمناصرة «المبادئ التقليدية»، بما في ذلك النفور الرسمي من المثلية، وتنميط الدولة على أنها الحماية ضد الانحطاط الغربي.

كانت الإيديولوجية في صعود. وكانت العلوم الاجتماعية تؤدي دور العائق أمام الامتثال لهذا التنميط. وقالت ماشا في استنتاجٍ لها: «روسيا كان لديها دولة مافيا تحكم مجتمعاً استبدادياً».

والآن هذه الأعمال التي تقوم بها موسكو تذكرنا بعمليات هتلر

إحدى المظاهرات في أوروبا المنددة بضم بوتين للقرم

يؤكد بلوخي وماشا أنَّ الدولة الروسية تتحرك نحو الفاشية. فبعد ضم القرم، أكَّد بوتين أنَّ انهيار الاتحاد السوفيتي جعل الروس شعباً «منقسماً». وتم الإعلان أن روسيا «لن تستطيع التخلي عن القرم والمقيمين فيها»، ليعيشوا في ظل الحكومة الأوكرانية الجديدة المؤيدة للاتحاد الأوروبي.

وترى ماشا أن هذا الخطاب «يعيد إلى الأذهان مباشرة خطاب هتلر عن السوديت» (إقليم تشيكسلوفاكي كانت تسكنه أغلبية ألمانية قبل الحرب العالمية الثانية وطلبت برلين ضمه قبل أن تغزو تشيكسلوفاكيا بأكملها).

أما بلوخي فيصفها بأنها «عملية آنشلوس لجزيرة القرم» (العملية التي ضم هتلر بموجبها النمسا).

ويتفق بلوخي ووكر وماشا جميعاً على أن بوتين يعتمد على النزعة العسكرية للاحتفاظ بالسلطة. فقُبيل عام 2014، شوهت الدولة التاريخ لوصم الغرب وتعزيز مكانة حروب روسيا، ومن ثم إجبار الشعب الروسي على الولاء. وليست الحرب في أوكرانيا سوى نسخة حركية من هذا المشروع السياسي.

ويتوجس بلوخي ووكر وماشا خيفةً من غياب الحكومة التصالحية المعاصرة ذاتية النقد التي فشلت روسيا في أن تصير عليها بعد عام 1991. ولا يستطيع بلوخي إلا أن يستحث «النخبة الروسية على.. ضبط الهوية الذاتية لروسيا وفقاً لمتطلبات عالم ما بعد الإمبريالية»، والتخلي عن المفارقات التاريخية الخرقاء للسياسة الخارجية الروسية، حسب تعبيره.

في حين تنهي ماشا كتابها برسم صورةٍ جنائزية على نحو سخيف لموسكو في عام 2016 بتصويرها مدينة مُشيَّدة «بهندسة وهيكل على طراز المقابر»، وعاصمة بلد منيع أمام عجائب الحضارة الليبرالية، وبلد «يستولي عليه الدافع نحو الموت»، حسب وصفها.

والمشكلة أن ما يريده هؤلاء المفكرون يعني بتر الروس عن تاريخهم

لكنَّ الفاشية والشمولية و»الدافع نحو الموت» تشكل أوصافاً مضللة لروسيا المعاصرة. إذ تخفي الأساس الخالي من الإكراه، أو الشعبي إذا صح القول، للدولة الروسية ما بعد السوفيتية، وبالتأكيد لحكومة بوتين.

أحد هذه الأعمدة، وهو التاريخ الروسي، ليس متطابقاً مع الغزو الإمبريالي. وما لم يُذكر في الأغلب في هذه الكتب هو الحماسة بين الروس لماضيهم الفردي والجماعي، والتجربة المُعاشة من جانب عائلاتهم الممتدة.

كما يحب العديد من الروس روسيا التي ورثوها من العهد السوفيتي والعهود التي أعقبت الاتحاد السوفيتي مباشرة، بِلُغتها وآدابها ومناظرها الطبيعية وموسيقاها وثقافتها الشعبية ونِكاتها وطعامها.

وتسببت الاضطرابات الكثيرة للتاريخ الروسي المعاصر في زيادة الاتصال الشعوري بالماضي، الذي لا يقدر على توفيره الغرب ولا روسيا ذات الطابع الغربي.

ففي عيون الغرب، يجب على روسيا أن تنأى بنفسها بسرعة عن تاريخها الصادم للقرن العشرين، وقد يكون ذلك أشبه بعملية بتر بالنسبة للعديد من الروس. إذ يريدون قائداً روسياً، مثل بوتين، يعمل مع الماضي وليس ضده.

نعم شعبية بوتين يصعب قياسها والأكيد أنه يهيمن على الثقافة السياسية ولكن هذا قد يكون سطحياً

امرأة روسية تشتري صحيفة الإيكونوميست وعلى غلافها صورة بوتين وعنوان: مولد قيصر

ليس ثمة سبيل لمعرفة المدى الحقيقي لشعبية بوتين. فقد كانت إعادة انتخابه هذا العام أقرب إلى اللامبالاة من الحماسة.

إذ أنَّ جميع استطلاعات الرأي والبيانات الانتخابية في روسيا مشكوك في أمرها، لكنَّ بوتين يهيمن بكل وضوح على الثقافة السياسية.

فقد منح البلاد الاستقرار الذي كان عديدٌ من الروس يتوقون إليه قبل رئاسته، مع أنَّ الاستقرار مملٌ، مثلما أدرك دوغين في 2012. ومع ذلك، فمع أنَّ الأيديولوجية القومية يمكن أن تكون مبهجة.

ويبرع الروس في فك رموز الدعاية والترويج، وهو إرث آخر لماضيهم السوفيتي. ولعل نجاح الحكومة في اختلاق طاعة الأمة أكثر سطحية مما قد يحب بوتين.

والأخطر أن الشعب الروسي هو الذي خلق هذا الزعيم المستبد

في الوقت الحالي، ينجح نظام بوتين لأنه يلتقي مع الثقافة الروسية في منتصف الطريق. إذ يتبنى المجتمع بعض الميول التي تحصل الحكومة بسببها على الثناء، مثل تأكيد الفخر الروسي ورفض التبعية للغرب.

وكتبت ماشا عن بدايات الاتحاد السوفيتي التي كان فيها «التعبير عن الهوية القومية الروسية وزرع هذه الهوية يتعرضان لتثبيطٍ قوي».

وبعد قرن من ذلك، يُعبِّر المجتمع الروسي عن الهوية القومية ويزرعها، إذ يمكن أن تكون قائمةً في وجود بوتين وفي غيابه. لقد خلقت تلك الهوية بوتين أكثر من كونه هو من خلقها.

والواقع أن الثقافة الروسية غير مسيسة ولكن حرة نسبياً

وتكمن نقطة الضعف الرئيسية في كتابي ووكر وماشا، حسب كاتب التقرير، في جعل الثقافة تابعة للسياسة.

ففي ظل حكم بوتين، كانت الثقافة الروسية مقموعةً ومُحوَّلة إلى حملة دعائية وترويجية، ولكنها كانت كذلك متسقةً مع معايير التاريخ الروسي؛ إذ كانت حرة وغير مسيسة نسبياً. ولا يمكن حصرها في موقفين: مع الكرملين أم ضد.

إذ تتمتع المسارح ودور السينما في موسكو وسانت بطرسبرغ بحيوية لا علاقة لها بالسياسة. فقد موَّلت وزارة الثقافة الروسية جزءاً من فيلم Leviathan، الذي أُنتج في 2014 وانتقد نظام حكومة بوتين والكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

في حين تبحث بعض المسلسلات التلفزيونية الروسية المميزة، مثل مسلسل Fartsa (وهو يشبه نوعاً ما نسخةً روسية من مسلسل Mad Men الأميركي)، في الماضي السوفيتي بحثاً فنياً إبداعياً أصيلاً وبفوارق بسيطة عن الواقع.

حتى أن معارضين ينتقدونه لأنه لم يمض قدماً في أوكرانيا  

وتبرز تعقيدات هذه الثقافة في خصوصيات السياسات الروسية؛ إذ يبدو أن المُعارِض الشجاع أليكسي نافالني يصدق أن القرم تنتمي إلى روسيا.

وينتقد الشيوعيون الروس دولة ما بعد الاتحاد السوفيتي للتحريض على عدم المساواة، ويعبر العديد من القوميين عن بغضهم بوتين لأنه لم يذهب بعيداً بما يكفي في أوكرانيا. وتعكس هذه المواقف الغموض والتناقضات لدى الشعب الروسي.

ويحتل دوغين ورموز المعارضة ذوو التوجه الغربي، الذين تصفهم ماشا، طرفي النقيض على الطيف السياسي الكبير. ويدرك أغلب الروس الفساد المروع لقادتهم، لكنَّهم يرون أن بلادهم منفصلة عن أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

ويحتمل جداً أن يكون الروس الذين وُلدوا بعد عام 1991، وقليل منهم يتبعون إما دوغين أو المعارضة، يؤمنون بتميز الثقافة الروسية أكثر من إيمان آبائهم وأجدادهم بذلك.

وفي الوقت ذاته، يعرف الروس الشباب والكبار أنه بخلاف توفير الاستقرار، ودرجة الرفاهية، والقوة العسكرية، وعملية إعادة التصميم المذهلة لعدد قليل من المدن التي تشكل واجهة عرض لهذا النظام، لم يفعل بوتين الكثير لتحديث روسيا.

فلا يستطيع أي كم من البرامج والعروض التليفزيونية، أو الأحداث والفعاليات الرياضية الكبرى، إخفاء آثار الحكم السيئ أو حقيقة حكم الرجل القوي، حسب التعبير الوارد في التقرير.

بل أنهم يؤيدون بوتين في الأشياء التي ينتقدها الغرب

لافتة تطالب بوقف إعادة اتحاد السوفييت، تعطي نظرة على ما يفعله بوتين من توسعات

ينبع المصدر الأعمق لشعبية بوتين من سياسته الخارجية. إذ تشير ماشا إلى أن استطلاعات الرأي أظهرت أن 88% من الروس أيَّدوا ضم القرم فور حدوثه، مع أنَّها نسبةٌ مشكوك فيها، على حد قول ماشا.

ويساعد على ذلك الشعور الشعبي بأنَّ بلادهم في موقف الضحية والاشتياق الإمبريالي لتبرير التحركات العسكرية الخارجية، لكنَّ هذا ما يفعله أيضاً التحدي المطلق للغرب، وهو العنصر الأكثر إرباكاً للمراقبين الغربيين ضمن عناصر الحياة الروسية.

لدى ذلك التحدي جذور في انهيار الاتحاد السوفيتي وفي الحرب الباردة. لكنَّ ظهور عناصره يعود إلى القرن التاسع عشر، ويبرز أحد أمثلة ذلك في معزوفة 1812 Overture التي ألَّفها الموسيقار تشايكوفسكي، والتي أحيت بعد مرور 68 عاماً انتصار روسيا على جيش نابليون بونابرت الذي كان يحاول غزو روسيا.

والآن، يتشاطر العديد من الروس صورةً متخيلة للغرب، ولا سيما في سياساته الخارجية، تُصوِّره عدوانياً ومنافقاً ومتباهياً بالانتصارات ولديه شعور بالسمو والتفضُّل على الغير.

وكثير مما فعله الغرب استفز كبرياء الروس

رسَّخ توسع حلف شمال الأطلسي في التسعينيات والعقد الأول من الألفية الجديدة هذه الصورة في روسيا. إذ دائماً ما هدَّد الحلف الكبرياء الروسي أكثر من الأمن الروسي.

ويُعَد بوتين موهوباً في استحضار الكبرياء المجروح؛ فقد تحدى الغرب بكل سرور في سوريا وجورجيا وأوكرانيا، وحظى بدعم العديد من الروس، بل ربما أغلبهم؛ لأنه لا يتراجع مثلما فعل غورباتشوف ويلتسن قبله.

ومنذ عام 2014، حافظ بوتين على وضعه على الصعيدين العسكري والاقتصادي. ومع أنه لا يستطيع أن يكون رئيساً للأبد، سوف تستمر سياسته الخارجية العدائية حتى بعد رحيله.

فالتعايش مع روسيا يحتاج لفهم أكثر لسلوك شعبها

الشعب الروسي يحتاج إلى فهم سلوكه

يجب على صنَّاع السياسة الغربيين أن يأخذوا في الحسبان على نحو أفضل السلوكيات الروسية الشعبية. فحتى هذه اللحظة، فشلت الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا لأنَّ الغرب لديه نفوذ قليل على روسيا.

فأداة العقوبات الاقتصادية التي يستخدمها لم تفعل شيئاً سوى أنها زادت من النهم الروسي لممارسة مزيد من تحدي الغرب.

ويشير بلوخي إلى «التأثير التعجيزي للعقوبات الاقتصادية». ولكن في كل عام منذ 2014، تصير السياسة الخارجية الروسية أكثر تشدداً، وأكثر معاداةً للغرب، وأكثر طموحاً. حتى أن الدول الغربية تطلعت في كثير من الأحيان إلى جعل روسيا شريكاً مسؤولاً في النظام العالمي.

وفي أوقات أخرى، حاولت عزل روسيا ومنعها من استخدام قوتها خارج حدودها. ولم تتمكن هذه الدول من تحقيق أي من الهدفين.

ويبدو أن حلم الغرب في صداقة ديمقراطية مع موسكو غير ممكن التحقيق

وحتى عندما تنجح القوة في إحداث تغيير في موسكو، ينبغي على السياسة الغربية أن تستند إلى توقعات واقعية فيما يتعلق بالمرجح والممكن.

فالأمل في إيجاد صداقة ديمقراطية بين روسيا والغرب لا سبيل إلى تحقيقه، وفي أي علاقةٍ نزاعية، سوف تثبت روسيا أنها خصم صعب.

وسيسمح الشعب الروسي بتضحياتٍ كبيرة من أجل الغلبة في مواجهة مع الغرب. فضلاً عن أن الروس ليسوا في عجلة من أمرهم لتغيير هويتهم لتتوافق مع متطلبات العالم ما بعد الإمبريالي.

والحل في المواجهة بهذه القضايا.. وعدم استخدام عروض قوة زائفة  

لذا ينبغي على القوى الغربية أن تواجه موسكو في القضايا التي تتمتع فيها بعزيمة قوية، حسب التقرير، مثل الحرب الإلكترونية، والتدخل في الانتخابات، وسلامة أراضي دول حلف شمال الأطلسي.

ولا يجب على القوى الغربية محاولة ردع روسيا بعروض قوةٍ زائفة، لأنَّ ساسة موسكو يدفعون ثمناً داخلياً باهظاً أمام التراجع ولن يفعلوا ذلك إلا إذا كان آخر حل.

ففي سوريا وأوكرانيا، لم تظهر موسكو خجلاً بشأن وصف الغرب بالمحتالين. وعندما تقرر دول الغرب تحدي روسيا، ينبغي عليها أن تتخذ خطوات جسورة، وأن تعرض إنذارات نهائية واضحة، وأن تكون عازمة على دعم أي تهديد بمواردها الكبيرة.

كما يجب السعي لتحويل روسيا لدولة أوروبية عبر هذه الطريقة المتوازنة

وفي الوقت ذاته، ينبغي على الغرب السعي وراء اتصالات ثقافية ودبلوماسية موسعة مع روسيا، مثلما فعلت مع الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. وعندما تتخذ روسيا طابعاً غربياً، وإذا فعلت ذلك، سيكون وفقاً للشروط الروسية.

لذا بدون توقُّع أن روسيا ستصبح دولة أوروبية أخرى، ينبغي على الحكومات والمجتمعات الغربية أن تحل مشكلة الانقسامات بين روسيا والغرب بالتأكيد على الأرضية المشتركة وتقديم صورة للحياة الغربية تتحدى الصورة الكاريكاتورية المنتشرة في وسائل الإعلام الروسية الرسمية.

لن يكون هناك طفرات سهلة نحو تحقيق ذلك. وربما سيكون هناك استياء وجمود. ومع ذلك، سيكون من الحكمة الموازنة بين العقوبات والتعزيزات العسكرية والخطابات الحادة من جهة، وإرسال رسالة صادقة من جهةٍ أخرى إلى الشعب الروسي مفادها أن القوى الغربية، بالرغم من أنها على استعداد لأي شيء، ستُفضل السلام على الصراع الدائم.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
استبداد الشعب.. كيف صنع المجتمع الروسي بوتين؟