السياسة أم المال.. ماذا وراء التغييرات في خارطة الفضائيات المصرية؟

عربي بوست
تم النشر: 2018/06/05 الساعة 10:49 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/06/05 الساعة 10:56 بتوقيت غرينتش

تشهد خارطة الإعلام المصري تغييرات لافتة، برحيل إعلاميين بارزين عن قنوات فضائية، دون تحديد وجهاتهم المقبلة.

طرح خبيران معنيان بالإعلام والسياسة، في حديث للأناضول، 3 أسباب لتفسير ما يشهده سوق الإعلام المصري، وهي: تغيير الوجوه المستهلكة، والتمهيد لسياسات جديدة، والعامل المادي بشأن هؤلاء الإعلاميين.

فيما قال مصدر مطلع بمدينة الإنتاج الإعلامي (تابعة للدولة)، للأناضول، إن "الخارطة الإعلامية ستشهد، خلال الفترة المقبلة، تغييرات لصالح توجهات جديدة مِن شأنها صناعة نجوم جدد، والإكثار من برامج المنوعات، ودمج قنوات".

وفي أكثر من مناسبة، أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي يتولى الرئاسة منذ صيف 2014، أنه لن يستطيع أن يعالج أزمات البلاد المزمنة إن لم يجد دعماً من الإعلام.

تغييرات متسارعة

في نهاية أبريل/ نيسان الماضي، أعلن الإعلامي عمرو أديب، أحد أبرز المقربين من النظام الحاكم، تقديم استقالته من قناة "أون إي" (خاصة)، والرحيل عنها في مايو/أيار الجاري.

لكن إدارة القناة، أعلنت في بيان، عشية أول أيام شهر رمضان المبارك، استمرار أديب، وأن البرنامج سيتوقف طيلة رمضان والإجازة الصيفية، ليعود في سبتمبر/أيلول 2018، بفقراته كاملة.

وأعلنت شركة "إيجل كابيتال"، مؤخراً، شراء أسهم شركة "إعلام المصريين"، التي تستحوذ على أغلب الصحف والقنوات الفضائية في البلاد، وكان يترأسها رجل الأعمال البارز أحمد أبو هشيمة.

و"إيجل كابيتال" شركة خاصة معنية بالإعلام، وتترأسها داليا خورشيد، سيدة أعمال، وزيرة الاستثمار السابقة.

وعقب ذلك الإعلان، قرَّرت شبكة قنوات "أون تي في"، التي تخضع لعقد البيع الجديد، تغيير هيكلها الإداري، وفق تقارير صحفية محلية.

ومنتصف مايو/أيار الماضي، أعلنت الشبكة، في بيان، خروج الإعلاميين المعتز بالله عبدالفتاح، ولبنى عسل عن خارطة القناة، ليحل محلهما برامج تركز على الأخبار فقط.

في سبتمبر/أيلول 2017، آلت مجموعة قنوات "الحياة" الخاصة، التي أطلقها قبل سنوات السيد البدوي، الرئيس السابق لحزب الوفد (ليبرالي)، إلى مجموعة "فالكون" (خاصة)، التي بدأت نشاطها في الخدمات الأمنية والعقارية، منذ تأسيسها عام 2006.

وجاء ذلك بعد نحو شهر من استحواذ "فالكون" أيضاً على قناة "العاصمة"، التي كانت مملوكة للنائب البرلماني سعيد حساسين.

ملاحظات مستمرة

قبيل خوضه الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها بفترة رئاسية ثانية، فتح حديث للسيسي، وفق مراقبين، تكهنات بشأن تغيير الخارطة الإعلامية، وهي بالأساس مؤيدة للنظام.

وقال السيسي، في حوار متلفز في 20 مارس/ آذار الماضي "بعض الإعلاميين يظهرون لساعات على الشاشات بالحديث عن مواضيع لا تليق بالمجتمع".

وشدَّد على أنه لا يتدخل، وإنما يُبدي رأيه فقط في بعض الإعلاميين.

ولم يكن إبداء السيسي ملاحظات على أداء الإعلام بالأمر الجديد، إذ دأب على ذلك منذ صعوده السياسي، صيف 2013.

وسبق أن شدَّد على أهمية توجيه الإعلام رسائل طمأنة للمصريين، بشأن ملفات أبرزها سد "النهضة" الإثيوبي، الذي تتخوف منه القاهرة على تدفق حصتها المائية من نهر النيل.

ودعا السيسي، نهاية 2017، الإعلام إلى تبني حملة لدعوة الأحزاب إلى الاندماج سريعاً.

3 أسباب

ثمة 3 أسباب طرحها خبيران لتفسير ظاهرة التغييرات المفاجئة في خارطة الإعلام، تتمثل في:

 تغيير الوجوه المستهلكة:

قال سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن الأمر مرهون بـ"رغبة النظام في طرح وجوه إعلامية جديدة خلاف المستهلكة".

واعتبر، في حديث للأناضول، أن "التعديلات الإعلامية أمر متوقع، خاصة بعد إعادة انتخاب السيسي لفترة رئاسية ثانية (أربع سنوات)".

وبدأ السيسي، الأحد 3 يونيو/حزيران 2018، فترته الرئاسية الثانية، وهي الأخيرة وفق الدستور.

ورأى صادق أن "الرئيس بحاجة إلى وجوه إعلامية جديدة، خاصة أن الحاليين استُهلكوا أمام الجمهور على مدار السنوات الماضية، وأصبحوا عالة (حملاً) على النظام".

وأضاف الأكاديمي المصري، أن "كل إعلامي ممن يعاد تغيير موقعه كان له جمهور محدد، فمثلاً جمهور عمرو أديب من الطبقتين المتوسطة والعليا، وتوفيق عكاشة من الفلاحين وربات البيوت، وأحمد موسى من ربات البيوت والموظفين".

 التمهيد لسياسات جديدة:

مستنداً إلى الطرح السابق، أضاف "صادق" سبباً ثانياً لتغيير الخارطة الإعلامية، وهو "التمهيد، عبر الوجوه الإعلامية الجديدة، لسياسات وقرارات جديدة مستقبلاً".

ومضى قائلاً: "حينما تُعدل السياسات لا بد أن تعدل اللغة، واللغة هي الإعلام، وهذا ما يحدث حالياً".

وعادة ما يصف مراقبون الإعلام المصري بالمؤيد القوي للنظام الحاكم، مقابل قول مسؤولين إعلاميين باستقلال الإعلام وعدم تبعيته لإملاءات النظام، وأنه يعمل لصالح الدولة.

وأحد ما يستهدفه النظام، وفق صادق، هو "التمهيد لتعديل الدستور، حال استقرار الأوضاع لصالحه".

وخلال الأشهر الماضية، أطلق برلمانيون ومقربون من النظام دعوات إلى تعديل الدستور، لزيادة الصلاحيات الرئاسية وإلغاء شرط الفترتين الرئاسيتين، وهو ما أثار جدلاً محلياً واسعاً.

وشدَّد صادق على أن "التغييرات الحالية كلها في صالح النظام الحاكم، وليست ضده، ولن تخلق إعلاماً معارضاً، ولو حتى مستأنساً".

وتابع أن "الإعلام المعارض في مصر هو الذي يبث من الخارج فقط".

ولفت إلى "الرغبة في الإعداد للانتخابات البرلمانية 2020، بتهيئة الأجواء لإعادة هيكلة الأحزاب، والبدء في خطة اندماج بعضها، أو تشكيل حزب حاكم من ائتلاف دعم مصر (ائتلاف الأغلبية البرلمانية)".

وتصاعدت، مؤخراً، وتيرة دعوات إلى اندماج الأحزاب السياسية، لكنها تواجه معضلة دستورية وقانونية.

ولا تسمح لائحة البرلمان بتغيير الصفة التي تم انتخاب النائب بها، وهو ما يمثل عائقاً أمام اندماج الأحزاب أو تحول الائتلافات البرلمانية إلى حزبية.

ويتردد أن الهدف من هذه الدعوات هو تشكيل حزب أغلبية مؤيد للسيسي.

  إغراءات مالية:

لكن ثمة سبب ثالث لتغيير بعض نجوم البرامج الحوارية، وهو "العامل المالي"، بحسب سامي الشريف، أستاذ الإعلام الدولي، الرئيس الأسبق لاتحاد الإذاعة والتلفزيون (مملوك للدولة).

ورأى "الشريف"، في حديث للأناضول، أن "الإعلام يعيش عصر الاحتراف كما في كرة القدم، لذلك الانتقالات الحالية تقف وراءها إغراءات مالية".

وأردف أن "القنوات الخاصة تقوم على استقطاب العناصر الإعلامية ذات الكفاءة، التي تستطيع من خلالها الصمود في سوق المنافسة".

ومتفقاً مع استنكار السيسي للبرامج الحوارية التي تمتد لساعات، قال الشريف، إن "ما يحدث في قنواتنا الفضائية لا مثيل له في أي مكان في العالم".

وأوضح: "ليس هناك مذيع يستطع التحدث 5 ساعات في قضايا متنوعة في غير تخصصه، يفتي في الدين، ويتحدث في الرياضة والسياسة والطعام".

واعتبر الشريف، أن هذا "نوع من الإفلاس المهني للمذيع، لأنه يريد أن يفرض آراءه وتوجهاته على المشاهد".

واستبعد أي دور للنظام الحاكم في التغييرات الحالية للخارطة الإعلامية.

وختم الأكاديمي المصري بأن "نجوم الإعلام حالياً هم أبناء كل نظام وصنيعته، وحتى اليوم يدافعون عن النظام الذي يحقق مطالبهم ويعطيهم أكبر الرواتب.

علامات:
تحميل المزيد