هاجمها الإعلام، والوزراء، والدولة، فحولوها لبطلة وهي لم ترغب بذلك.. المراهقة المحجبة التي لم تأبه لفرنسا
الأحد, 21 أكتوبر 2018

هاجمها الإعلام، والوزراء، والدولة، فحولوها لبطلة وهي لم ترغب بذلك.. المراهقة المحجبة التي لم تأبه لفرنسا

عربي بوست، ترجمة

قبل بداية شهر مايو/أيار 2018 لم تكن تتوقع الشابة مريم بوجيتو ذات الـ19 عاما أن تصبح حديث مختلف وسائل الإعلام الفرنسية والدولة، فقط لأنها ظهرت بحجابها تتحدث لإحدى المحطات التلفزيونية عن المشاكل التي يواجهها زملائها الطلبة في باريس.

وقالت صحيفة Washington Post الأميركية إن مريم بوجيتو رئيسة اتحاد طلاب لم ترغب أبداً في أن تكون بطلة في نزاعٍ ثقافي. لكن هذا هو الحال في فرنسا، حيثُ ظهرت مريم بوجيتو على التلفزيون الوطني مرتديةً الحجاب.

اتهموها بالتبشير للإسلام، أصدروا عقوبات بحقها.. وأصبحت حديث الدولة

وفي الأسبوعين التاليين لظهورها، اتهمها أحد المسؤولين في الحكومة الفرنسية بـ»التبشير» نيابةً عن الدولة الإسلامية (داعش)، بينما أصدر آخر عقوباتٍ ضدها لتشجيعها على «الإسلام السياسي». وصورتها صحيفة Charlie Hebdo، وهي صحيفة فرنسية ساخرة محبوبة، على غلافها في شكل قردٍ خَرِف.

بدعوى أنها ضد العملانية بسبب ارتداء الحجاب على شاشة التلفزيون!

وحسب الصحيفة الأميركية فإنه وفقاً للمعارضين، تتمثل جريمة مريم في أنَّها انتهكت العقيدة القومية التي يُطلق عليها بالفرنسية «laïcité»، أي العلمانية، التي تضمن فصل المؤسسات الحكومية والمنظمات الدينية، إلى جانب أمورٍ أخرى.

وباسم العلمانية والمساواة بين الجنسين، أصبح ارتداء غطاء الرأس، أو الحجاب، أمراً غير قانوني في المدارس الفرنسية الحكومية منذ عام 2004. كذلك حُظِرَ ارتداء النقاب أو البرقع اللذان يغطيان الوجه في الأماكن العامة منذ عام 2010. وفي عام 2016، استُهلِكَت الدولة لأسابيع في الجدل المثار حول مسألة ما إذا كان يجب منع النساء المسلمات من ارتداء «البوركيني» المحتشم على الشاطئ. (ولكنَّ المحاكم أبطلت هذا الأمر).

وهي في الواقع لم تتحدث عن عقيدتها، إنما عن شأن فرنسي ساخن

وقالت بوجيتو، بينما تجلس في مقهى بباريس بعد الانتهاء من امتحانٍ شفوي، إنَّ المفارقة تكمن في أنَّ ظهورها على التلفزيون الذي أثار كل هذا الجدل لم تكن له علاقة بعقيدتها.

إذ كان الطلاب يحتجون في جميع أنحاء البلاد على التغيرات المرتقبة التي ستطرأ على إمكانية اختيار جامعاتهم بعد إنهاء الدراسة الثانوية. وبالتزامن مع تلك الاحتجاجات، ظهرت بوجيتو لدقائق قليلة في برنامج تلفزيوني شهير في هذا الشهر مايو/أيَّار بصفتها كرئيسٍ منتخب للاتحاد الوطني لطلاب كلية الآداب في جامعة السوربون المرموقة في باريس.

والقانون يكفل لها حق ارتداء ما تريد

وقالت بوجيتو إنَّها ترتدي الحجاب فقط لأنَّها محجبة. وهو أيضاً حقها الذي يكفله القانون: إذ يُطبَّق حظر غطاء الرأس على المدارس الحكومية، وليس الجامعات الحكومية، على أساس أنَّ الكبار أحرار في اتخاذ قراراتهم الخاصة.

ولم ينظر المنتقدون في كلامها.. إنما حجابها

وأعربت بوجيتو عن أسفها لأنَّ عدداً قليلاً ممن تفاعلوا مع حديثها علقوا على كلماتها: «لم يعلقوا على كلامي، وإنَّما على حقيقة أنَّني ارتدائي الحجاب».

وعلى رأسهم وزير الداخلية

وكان وزير الداخلية جيرار كولومب من بين صفوف المنتقدين. وقال عند ظهوره في التلفزيون: «لا يمكننا أن نسمح بأن يُعدُ ذلك رمزاً من رموز الإرادة الهوياتية، أمرٌ يدل على أنَّ الشخص مختلف عن المجتمع الفرنسي. (في اللغة الفرنسية، الكلمة الدقيقة التي استخدمها، وهي «identitaire» تحمل مفهوماً أصلياً قوياً، يرتبط غالباً باليمين المتطرف).

وشبه كولومب أيضاً حجاب بوجيتو برمز داعش، الجماعة الإرهابية المرتبطة بالهجمات التي شُنَّت على فرنسا، وجذبت ما يصل إلى 1910 مواطناً فرنسياً للجهاد في العراق وسوريا، مشيراً إلى أنَّه «يمكن لعددٍ معين من الشباب الانجذاب تجاه أطروحات داعش».

حتى وزيرة المساواة بين الجنسين فعلت ذلك!

بدورها لم تتأخر مارلين شيابا، وزيرة المساواة بين الجنسين في فرنسا، في التعليق على حجاب الطالبة المسلمة وكانت من بين منتقدي بوجيتو، وأيضاً عددٌ من النسويين الفرنسيين البارزين.

إذ قالت شيابا: «أنا أراه شكلاً من أشكال الترويج للإسلام السياسي». وشجبت كاتبة المقالات سيلين بينا «حقيقة» أنَّ «الحجاب لا يُعد علامةً من علامات الدين الإسلامي، بل من علامات الارتداد الطائفي والحركات الإسلامية».

والحجاب ليس له علاقة بالسياسة

وتنكر بوجيتو أنَّ حجابها له علاقة بالسياسة. وتشير أيضاً إلى أنَّها كانت تشارك في الحياة المدنية بمؤسسةٍ حكومية فرنسية، ولا تحاول الارتداد أو الانفصال. وقالت: «في الواقع أنا طالبة، وهذا ما ينساه الناس، فما أنا إلا طالبة تشارك في اتحاد الطلاب بجامعتي، وتحمل قيم الاتحاد وليس قيم التطرف إطلاقاً. وهذا هو السبب وراء وجودي هنا». وأضافت: «لدي 19 عاماً وهم يمنحونني أهميةً لا أستحقها».

ينزعجون عندما لا تدخل المسلمة في الحياة العامة

وبالنسبة للبعض، تُعد تلك القضية مثالاً على الجهود المبذولة لإسكات النساء المسلمات عند إقدامهن على دخول المجال العام. وقالت لورا يوكانا، وهي متحدثة باسم منظمة Lallab المكرسة لمناهضة العنصرية والتمييز على أساس الجنس، وجعل «صوت النساء المسلمات مسموعاً»: «كل مرة يتكرر الوضع نفسه. بالنسبة لنا هذا يعكس شيئاً منهجياً وهيكلياً».

وينزعجون عندما تدخل الحياة العامة

وذكرت صحيفة Washington Post الأميركية أنه من الأمثلة الحديثة الأخرى على غضب الفرنسيين من الحجاب، منال ابتسام، وهي مغنية تبلغ من العمر 22 عاماً ارتدت حجاباً أثناء عرضٍ لها على النسخة الفرنسية من برنامج المواهب  «The Voice« في فبراير/شباط. تعرضت منال للضغط للانسحاب من المنافسة بعدما تفقد المشاهدون تاريخها الرقمي وأعلنوا أنَّها متطرفة.

وهم لا يترددون في ارتداء الصليب وقبعات الكيب اليهودية

وبالنسبة للنساء المسلمات، فإنَّ قضية بوجيتو مثيرة للغضب لأنها تشير إلى أنَّهم أقل انتساباً لفرنسا إلى حدٍ ما. إذ قالت حنان شريحي، التي فقدت والدتها إثر اصطدام سائق شاحنة بالحشود المحتفلة بيوم الباستيل في مدينة نيس عام 2016: «هناك كاثوليكيون فرنسيون يرتدون الصليب، بينما يرتدي اليهود الكيب «قبعاتٍ صغيرة»، وكلنا أعضاء ننتمي لنفس المجتمع الوطني».

ويتحدثون باسم الدولة

وقالت إنَّ أكثر ما يزعجها هو أنَّ مسؤولين من الحكومة تحدثا ضد بوجيتو. وأكملت: «عندما تحدثا، تحدثا نيابةً عن الدولة، وتلك هي المشكلة. إنَّه ظلمٌ تماماً». ويذكر أنَّ المسؤولين في فرنسا، وهي دولة تتوقف مؤسساتها عن العمل في كل عطلة مسيحية رئيسية، لا يتخذون موقفاً ثابتاً دائماً تجاه العلمانية.

ويرفضون نأي دينهم عن الدولة

فعلى سبيل المثال، أخبر كولومب حشداً من البروتستانتيين عام 2013: «لستُ مع أولئك الذين يريدون أن ينأوا بالأديان إلى المجال الخاص. على العكس، أعتقد أنَّ الأديان لها مكانها الخاص في حياة المدينة».

أما الحجاب، فله قصة أخرى

ومنذ أواخر الثمانينيات، يمثل «الحجاب» مصدراً للجدل في فرنسا. وقال جون والاش سكوت، مؤلف كتاب «The Politics of the Veil«، إنَّ حدة هذا الجدل خفت في العقد الماضي.

وقالت حنان شريحي إنَّه في بداية الأمر، كان الدفاع عن العلمانية في فرنسا يعني أن تدافع عن حيادية الدولة في ما يتعلق بالدين. لكن منذ عام 2003، عندما أصدر السياسي المحافظ فرانسوا باروان تقريراً حول «العلمانية الجديدة»، تحولت الأنظار الجماعية من التركيز على ممارسات الدولة إلى سلوك المواطنين الأفراد في المجتمع العام.

والعلمانية لم تعد علمانية

وأشارت إلى أنَّ ذلك يُعد نوعاً جديداً من العلمانية يمكن أن يحمل دوافع خفية. وقالت: «إنَّ الإصرار على أنَّ العلمانية هي مبدأ أساسي يُعد بمثابة ستار للاعتداء المستمر على حقوق المواطنين المسلمين في المجتمع الفرنسي».

بالنسبة لبوجيتو، تبدو قضية الحجاب مسألة خاصة بالأجيال، إذ تتوقع أن تصبح أقل إثارة للجدل بمرور الوقت، وذلك نظراً للتنوع الذي يتمتع به المجتمع الفرنسي. وقالت: «وصل جيلي إلى مرحلة تقبل هذه التغيرات. لكنَّ الأجيال الأكبر تواجه صعوبةً أكبر في فهم أنَّ التطور يعد تقدماً».

مع ذلك، بوجيتو ليس لديها مشكلة.. ستظل تضحك

وفي تلك الأثناء، قالت إنَّها إلى حدٍ ما تقدر الغلاف الذي صورته صحيفة Charlie Hebdo، الذي يشوه صورتها لكنَّه يتضمن في الواقع عبارة قالتها أثناء الاحتجاجات الطلابية. وأكملت ضاحكةً: «على الأقل نقلوا جزءاً من رسالتي».

 

مريم أثناء لقاء معها بأحد شوارع باريس
اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هاجمها الإعلام، والوزراء، والدولة، فحولوها لبطلة وهي لم ترغب بذلك.. المراهقة المحجبة التي لم تأبه لفرنسا

قصص ذات صلة