الخميس, 24 مايو 2018
الشرق الأوسط

كيف يُصنع القرار في إيران؟.. الأمر ليس بتلك السهولة، فسياسات طهران الخارجية والداخلية تمر بحلقات مفصلية

عربي بوست، ترجمة  

بمجرد ما أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني في الثامن من شهر مايو/أيار 2018، توجهت أعين المراقبين لردود فعل المسؤولين في طهران، وخاصة المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي، الذي يُنظر إليه بأنه المحدِّد الأول والأخير للسياسات الإيرانية الخارجية، لكن هل فعلاً كل شيء بيد المرشد الأعلى؟

وحسب مجلة Foreign Affairs الأميركية، فإن عملية صنع القرار في إيران لا تعد بسيطة؛ بل هي نتاج عملية ضغط معقدة واستقطاب تقع داخل شبكة من المنظمات، التي تعد بعضها غير ضرورية. وبصفتها دولة ثورية، تعتمد الجمهورية الإسلامية على عدد من آليات الحماية ضد الانقلابات بهدف حماية النظام؛ إذ إن التنافس بين هذه المؤسسات والصراع بين الفصائل المختلفة غالباً ما يسيطران على عملية صنع القرار.

وترى الصحيفة الأميركية أنه في معظم الأحيان، تخلق تصريحات المرشد الأعلى ما يمكن اعتباره إطاراً تنظيمياً للسياسة الخارجية للبلاد، بدلاً من خريطة طريق دقيقة تحدد ما يجب أن تتبعه البلاد من سياسات. وعندما يتم وضع هذه الأطر، يدعم مئات الموظفين والمستشارين القرار النهائي للمرشد الأعلى فيما يتعلق بالشؤون الإيرانية. ونظراً إلى أن للجمهورية الإسلامية نظاماً غامضاً، فمن المنطقي أن يحمّل الكثير من المراقبين الغربيين المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني، المسؤولية بالكامل عن اتخاذ قرارات الأمن القومي والسياسة الخارجية للدولة.
وتعد عملية صنع القرار المتعلقة بالأمن القومي الإيراني معقدة بشكل كبير، حتى إن المرشد الأعلى يهتدي عند اتخاذ القرارات، بمشورة الأفراد والجماعات التي تمثل مراكز قوى مختلفة بالنظام الإيراني. في المقابل، يحاول صنّاع السياسة في الولايات المتحدة مواجهة التحديات الناجمة عن برنامج إيران النووي، والتي برزت إثر إعلان دونالد ترمب الانسحاب من "خطة العمل الشاملة المشتركة"، ما يحتم عليهم فهم كيفية تفكير نظرائهم الإيرانيين وصياغة سياساتهم الخاصة.

ومنذ قيام الثورة الإسلامية سنة 1979، كان التصور السائد أن سلطة اتخاذ القرار تقع، في نهاية المطاف، على عاتق المرشد الأعلى بمفرده. لهذا السبب، عادة ما يتوجه المراقبون إلى صفحات الصحف والمجلات من أجل التنبؤ برد فعل خامنئي، وتحليل أهمية تصريحاته، فضلاً عن فك شيفرة تعليقاته، وتحديد ما تعنيه لمصير الدولة الإيرانية ومكانتها في العالم.

كيف يمرر المرشد الأعلى قراراته؟

بالنسبة للمجلة الأميركية، فإن دور المرشد الأعلى يكمن في إنشاء الأطر التنظيمية التي تعمل ضمنها المنظمات الأخرى. وبتوجيه من فريق من الموظفين، يحدد الخطوط الحمراء والحيثيات النهائية المتعلقة بسياسات البلد ومناطق التوافق المحتملة في المفاوضات والنتائج المقبولة والمرغوب فيه خلال الحرب. لكن خامنئي لا يفرض الوسائل التي يجب اتباعها للوصول إلى هذه النتائج المحبذة أو لتطبيق الخطوط الحمراء.

بدلاً من ذلك، يمر قراره، من خلال القنوات الخاصة والتصريحات العامة، إلى المجلس الأعلى للأمن القومي. ولا تختلف فترة ولاية هذا المجلس عن ولاية مجلس الأمن القومي الأميركي، إلا أنه ينفرد عنه فيما يتعلق بأعضائه، حيث يضم ممثلين من جميع مراكز السلطة داخل النظام السياسي الإيراني. وتتمثل مهامه في تحديد المصالح الوطنية وتحويل الأطر التنظيمية إلى سياسات ملموسة.

وفقاً لرؤية الرئيس الخاصة للبلاد، تعمل السلطة التنفيذية مع المجلس الأعلى للأمن القومي لوضع جدول أعمال وتحويله إلى بنود قابلة للتنفيذ. ويمكن للرئيس أن يعرض خططه السياسية الخاصة، التي يمكن للقائد الأعلى قبولها أو رفضها. وفي مثل هذه الحالات، يتعين على الحكومة -ولا سيما وزارة الخارجية ووزارة الاستخبارات والأمن- أن تتعاون في بعض الأحيان، مع القوات المسلحة، المؤلفة من قوات الحرس الثوري الإيراني وجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية. في هذه الحالة، غالباً ما يتمتع الحرس الثوري الإيراني باليد العليا.

وفي بعض المناطق، مثل المسارح الإقليمية المختلفة التي تشارك فيها إيران، يسعى الحرس الثوري الإيراني إلى تحويل السياسات إلى استراتيجيات عسكرية. وينطبق هذا الأمر على برامج الدفاع الأكثر إثارة للجدل في إيران، ومن ضمنها أنشطة الصواريخ الباليستية.

بالإضافة إلى ذلك، يعد الحرس الثوري الإيراني المسؤول، إلى جانب جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عن المستويات التشغيلية والتكتيكية لمختلف السياسات. وتُكلَّف السلطة التشريعية، التي تتجسد في مجلس الشورى الإسلامي، محاسبة الفرع التنفيذي والمشاركة في صنع القوانين. وأخيراً، يُقيِّم مجلس صيانة الدستور، الذي تعادل فترة ولايته إلى حدٍ ما فترة ولاية المحكمة العليا للولايات المتحدة، شرعية قوانين المجلس ومدى توافقها مع الدستور.

وخلال كل مرحلة، يجب أن يتم التوصل إلى قرار بالإجماع أو الاتفاق، وذلك عن طريق عملية الضغط والاستقطاب التي تحدث بين الشخصيات البارزة، والمؤسسات، ومراكز السلطة. وعندما لا يتم الوصول إلى توافق بين مختلف المنظمات أو اللاعبين الفرديين بشأن قضية محددة، يمكن أن يتوقف جدول الأعمال الخاص باتخاذ قرار ما.

وقد طرأ هذا السيناريو على أجندة الرئيس حسن روحاني المتعلقة بمعالجة القضية النووية وإصلاح الاقتصاد الإيراني. وتزامن ذلك مع فقدانه رأس ماله السياسي، في حين زادت حدة الصراعات بين مختلف السُّلط الإيرانية منذ التوقيع على الاتفاقية النووية، خلال شهر يوليو/تموز سنة 2015.

كيف حافظ خامنئي على قدرة إيران في تخصيب اليورانيوم؟

تتفق مراكز القوة الرئيسية داخل النظام الإيراني على ضرورة تطوير المستوى الصناعي بمجال التخصيب، والاعتماد على الجهود الذاتية في سعيها للحصول على التكنولوجيا النووية. وإذا كانت المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق النووي الإيراني ناجحة، فذلك لأن خامنئي أعطى الضوء الأخضر لانطلاق المحادثات، وحدّد بعض الخطوط الحمراء التي وجّهت المفاوضين من الجانب الإيراني. فعلى سبيل المثال، أمر خامنئي المفاوضين بالحفاظ على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم ومواصلة البحث والتطوير.

في المقابل، لم يفرض خامنئي تفاصيل برامج التخصيب والبحث والتطوير، مما سمح للمفاوضين بالعمل مع منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهدف تطوير الخطوط العريضة لهذه الأنشطة المتعلقة بإمكاناتها في مجال التخصيب وحدود مخزونات اليورانيوم المخصب.

وعلى نحو مماثل، طلب خامنئي من المفاوضين إبقاء جميع المنشآت النووية في البلاد مفتوحة، ولكن المفاوضين كانوا قادرين على تغيير وظيفة بعض المرافق. وقد تم تحديد الأطر التنظيمية التي وضعها خامنئي بمساعدة مستشاريه، ومن ضمنهم الأفراد المشاركون في تطوير برنامج إيران النووي.

وخلال بعض المحادثات، أشار خامنئي إلى أن الهدف النهائي لإيران يتمثل في تطوير صناعة تخصيب اليورانيوم لتزويد المفاعلات النووية الثمانية التي تخطط لإتمام تنفيذها وتشغيلها في المستقبل (ما من شأنه أن يسمح للبلاد بصنع قنبلة بسرعة أكبر إذا ما قررت من جديد، تحقيق طموحاتها المتعلقة بالأسلحة النووية، التي توقفت عن تنفيذها خلال سنة 2009، ومواصلة سياستها للتحوط النووي).

من جانب آخر، توضح المجلة أن مراكز القوة الرئيسية داخل النظام تتفق في اعتقاد أن بلادهم يجب أن تطور المستوى الصناعي لعمليات التخصيب التي تقوم بها، وتعتمد على نفسها في سعيها للحصول على التكنولوجيا النووية.

ونتيجة لذلك، كان المفاوضون الإيرانيون مصرّين، خلال المباحثات، على مواصلة البحث والتطوير وإدراج ما يسمى "بنود الغروب"، التي مكَّنت البلاد من إزالة القيود المفروضة على بنيتها التحتية النووية بعد عدة السنوات؛ ومن ثم تطبيع البرنامج شأنها شأن أي دولة عادية غير حائزةٍ الأسلحة النووية بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

خريطة طريق أكثر دقة لمواصلة الاتفاق النووي

عندما تقرر مراكز السلطة داخل إيران مصير الصفقة النووية بعد انسحاب الولايات المتحدة منها، فإنها ستُقيِّم إيجابيات وسلبيات مواصلة تنفيذ هذه الاتفاقية مع الأطراف المتبقية، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على قدرات تخصيب اليورانيوم التي ترغب في تطويرها. كما ستتفاوض مراكز القوى فيما بينها على مصير "خطة العمل الشاملة المشتركة"، ونطاق البرنامج النووي وسرعته، والوسائل التي يجب على البلاد اتباعها من أجل تحقيق الانتعاش الاقتصادي. وفي الأثناء، سيتفاوض مسؤولو وزارة الخارجية على العناصر ذاتها مع نظرائهم في الصين، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والمملكة المتحدة.

بالفعل، وضع خامنئي أطراً تنظيمية لهذه المحادثات تسمح للمفاوضين بالانخراط في عملية جديدة، هدفها الحفاظ على سير عمل "خطة العمل الشاملة المشتركة" دون وجود الولايات المتحدة. ويكمن الهدف من المحادثات والخط الأحمر الذي حدده خامنئي، في تلقي "ضمانات" من الأوروبيين تضمن حق إيران بالاستمرار في الحفاظ على الاتفاقية دون مشاركة الولايات المتحدة.

ومن المرجح أن يستخدم المجلس الأعلى للأمن القومي هذه الأطر التنظيمية لوضع خريطة طريق دقيقة أكثر، كما أنه سيعمل مع مسؤولي وزارة الخارجية الذين يتفاوضون مع القوى العالمية من أجل المزيد من تطويرها.

في نهاية المطاف، سيشرف أعضاء مجلس الشورى على هذه العملية وسيقدِّمون مشاريع قوانين لتقييد مجال مناورة الحكومة. في المقابل، لن تشارك القوات المسلحة بشكل مباشر في المفاوضات، على الرغم من أن مساهماتها مهمة في العديد من المجالات الرئيسية، التي تشمل قضايا هامشية لا ترتبط بشكل مباشر بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، وإنما لا تزال تهم القوى العالمية، خاصة تلك التي تتعلق بأنشطة إيران الصاروخية والإقليمية.

خطوط حمراء لا يجب تخطيها

وعلى نحو مماثل، تسعى حكومة روحاني إلى إصلاح اقتصاد البلاد من أجل  إنعاشه، مع العلم أن النظام بأكمله يشارك في هذه العملية. وقد كان الضوء الأخضر الذي قدمه خامنئي حاسماً في السماح بإجراء بعض الإصلاحات. ففي عدة مناسبات، حدد روحاني الخطوات التي يُسمح للمسؤولين باتخاذها لتحقيق الانتعاش الاقتصادي، والخطوط الحمراء التي لا يجب عليهم تخطِّيها.

في هذه المرحلة، رأى خامنئي أن تخفيف العقوبات أمر حاسم في خضم هذه العملية. ومن جهته، أجرى الرئيس بعض الإصلاحات، إلا أنها واجهت معارضة من قِبل الحرس الثوري الإيراني، مما جعل عملية تنفيذها بطيئة وصعبة. وقد كان شبه التوافق في الآراء بين هذه القوى على أن المفاوضات النووية ستكون أفضل نهج لتخفيف العقوبات وإنعاش الاقتصاد الإيراني، مفتاح إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات خلال سنة 2012 وتمهيد الطريق أمام "خطة العمل الشاملة المشتركة".

إذا قرر النظام الإيراني، خلال الأشهر والسنوات القليلة القادمة، استئناف عناصر برنامجه النووي التي كانت ممنوعة أو متوقفة بموجب الاتفاق، أو إحياء برنامج أسلحته النووية، فمن المرجح أن يفعل ذلك بموجب الأطر التنظيمية التي سيضعها خامنئي وأُنشئت بمشاركة من القوات المسلحة للبلاد، ولا سيما الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى ممثلين عن القطاع النووي الإيراني.

وترى مجلة Foreign Affairs الأميركية أنه ينبغي للبلاد أن توازن بين هذه التطلعات النووية واحتياجاتها الاقتصادية. ولتحقيق هذه الغاية، من المرجح أن تراعي الأطر التنظيمية، التي سيقدمها خامنئي لتحديد مستقبل البرنامج النووي، المقترحات المقدَّمة من قِبل المستشارين الاقتصاديين؛ ما سيسمح للبلاد باستئناف أنشطتها النووية دون أن تتسبب في اندلاع أزمة دولية، من شأنها أن تعرقل نمو اقتصادها من جديد.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
كيف يُصنع القرار في إيران؟.. الأمر ليس بتلك السهولة، فسياسات طهران الخارجية والداخلية تمر بحلقات مفصلية