الجمعة, 20 يوليو 2018
سياسة

نعم، تم نقل السفارة الأميركية للقدس وإطلاق اسم ترمب على ميدان قريب منها.. لكن هناك مشهد غريب لم تنتبهوا له

عربي بوست، ترجمة

يوم الإثنين 14 مايو/أيار 2018، اجتمعت إيفانكا ترمب وجاريد كوشنر وجمعٌ من رواد اليمين الترمبي (نسبةً للرئيس الأميركي دونالد ترمب) في إسرائيل، للاحتفال بنقل السفارة الإسرائيلية إلى القدس، في لفتةٍ يُنظَر إليها على نطاقٍ واسع بأنَّها صفعة على وجه الفلسطينيين، الذين يرون القدس الشرقية عاصمة دولتهم المستقبلية.

بالنسبة لميشيل غولدبيرغ، الكاتبة بصحيفة The New York Times، كان المشهد غريباً. هذا في رأيها كان «تتويجاً للتحالف الغريب» بين اليهود المتشددين والإنجيليين الصهاينة، الذين يؤمنون أنَّ عودة اليهود إلى إسرائيل تؤذن بنهاية العالم وعودة المسيح، وبعدها سيحترق اليهود الذين يرفضون اعتناق المسيحية في الجحيم إلى الأبد.

سبق لروبرت جفريس، راعي واحدة من أكبر الكنائس في مدينة دالاس بولاية تكساس، أن قال ذات مرة، إنَّ الأديان مثل «المورمونية والإسلام واليهودية والمسيحية والهندوسية» تُفضي بالناس إلى «انفصالٍ سرمدي عن الرب في الجحيم». وقد وقع الاختيار على روبرت لتلاوة الصلوات الافتتاحية في حفل السفارة.  

أما جون هاغي، أحد أبرز الوعاظ الأميركيين الذين يتناولون مسألة نهاية العالم، فقد قال ذات مرةٍ، إنَّ هتلر مُرسَلٌ من الرب لدفع اليهود إلى العودة إلى وطن أجدادهم، وقد وقع عليه الاختيار هو الآخر لتلاوة المباركة الختامية.

افتتاح هنا ومجزرة هناك

وتزامن هذا المشهد، المصمم ليروق للقاعدة المسيحية الأميركية لترمب، مع مجزرة ارتُكبت على بُعد 65 كيلومتراً تقريباً. فمنذ 30 مارس/آذار، يشهد السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل تظاهرات حاشدة. ويطالب الغزِّيون الذين يواجهون أزمة إنسانية متفاقمة، يعود جزء كبير منها إلى حصار إسرائيل للقطاع، بحقِّ العودة إلى بيوتهم في إسرائيل، التي أخرجت عائلاتهم منها تزامناً مع تأسيس دولة إسرائيل.

التظاهرات كانت في أغلبها، وليس في جميعها، سلمية. ألقى الغزِّيون بالحجارة على الجنود الإسرائيليين، وحاولوا إرسال طائرات ورقية حارِقة إلى داخل إسرائيل. ردَّ الجيش الإسرائيلي عليهم بالرصاص الحيّ والمطاطي وقنابل الغاز. وفي اشتباكات الإثنين 14 مايو/أيار، قُتِل 58 فلسطينياً على الأقل، وأُصيب الآلاف، وفقاً لما أعلنته وزارة الصحة في غزة.

ترى غولدبيرغ تناقضاً صارخاً في صور القتلى والجرحى الفلسطينيين مع صورة إيفانكا ترمب، وهي تبتسم «كما لو كانت ماري أنطوانيت الصهيونية»، على حد تعبيرها. هذا التناقض -في رأيها- يشي بالكثير عن علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل في الوقت الحالي. فلم يسبق أن كانت علاقة البلدين أوثق مما هي عليه اليوم، ولكن بين طيات هذا التقارب توجد بذور للتباعد الممكن أيضاً.

حجج.. ولكن

ربما يحاجج المدافعون عن تصرفات إسرائيل في غزة بأنَّه لا يمكن لأي دولة أن تسمح لحشودٍ باقتحام حدودها. وسيقولون إنَّه حتى لو لم تكن حماس دعت للمظاهرات، فإنَّ الحركة قد ألقت بثُقلها لدعمها. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض راج جاه أمس: «إنَّ حماس تتحمل بشكلٍ مباشر مسؤولية القتلى الذين سقطوا بهذه الصورة المأساوية».

لكن غولدبيرغ تقول إنه حتى وإن كنت تنكر بالكامل حقِّ الفلسطينيين في العودة إلى بيوتهم، والذي تجد أنَّ تحقيقه بات أصعبَ الآن، في ظلِّ حقيقة أنَّ القيادة الإسرائيلية على وشك أن تتخلَّى بالكامل عن إمكانية قيام دولة فلسطينية، فإنَّ هذا -في رأيها- لا يُبرِّر استخدام الجيش الإسرائيلي للعنف المُفرِط.

وأضافت أن ماجدالينا مغربي، نائب مدير منظمة العفو الدولية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أخبرتها عبر الهاتف من القدس: «ما نراه هو أنَّ إسرائيل استخدمت مرةً أخرى القوةَ المفرطة والمميتة، ضد متظاهرين لم يُمثلوا أيَّ تهديد محتمَل عليها».

وأدانت معظم دول العالم عمليات القتل في غزة، غير أنَّ الولايات المتحدة، أهم شريك لإسرائيل، أطلقت يدَها لتفعل ما تريد بالفلسطينيين. ويمكن أن نقول إنَّ نقل السفارة إلى القدس في المقام الأول كان «إشارةً ضمنية من ترمب بأنَّ الحكومة الأميركية قد تخلَّت بالكامل عن أي ادعاءٍ بالحياد»، على حد قولها.

إسرائيل ممتنة

وانهمرت التقاريرُ التي تشير إلى امتنان إسرائيل لترمب، وأُعيدت تسمية ميدان بالقرب من السفارة على اسمه، وأَطلق نادي بيتار القدس، المشهور، الذي يشتهر مشجّعوه بعنصريتهم الشديدة، على نفسه بيتار «ترمب» القدس.

لكن غولدبيرغ ترى أنه في حين أن الإسرائيليين يكنّون محبةً لترمب، فإنَّ الكثير من الأميركيين -وبالتأكيد معظم اليهود الأميركيين- لا يُكِنُّون له هذه المشاعر. وكلما زاد التقارب بين مؤيدي ترمب وإسرائيل، زاد نأي الأميركيين الميَّالين إلى اليسار بأنفسهم عن الصهيونية.

وقد سبق بنيامين نتنياهو ترمب في إحداث انقسامٍ حزبي حول إسرائيل في السياسة الأميركية، بعد أن كان هذا الأمر فيما سبق محلَّ إجماعٍ قاطع.

يقول جيرمي بن عامي، الذي يرأس المجموعة الليبرالية الموالية لإسرائيل جاي ستريت عن الساسة الأميركيين: «حتى هذه السنوات القليلة الماضية، ما كان أحد ليسمع كلمة «احتلال» أو «مستوطنات» أو أي حديث عن غزة». ولكن بن عامي أخبرني أنَّه حتى عام 2015، حين حاول نتنياهو قطع الطريق على أوباما بإلقاء خطاب مثير للجدل أمام الكونغرس يعارض الاتفاق النووي مع إيران، ازدادت جرأة الديمقراطيين على إسرائيل. وأضاف بن عامي: «لقد غيَّر هذا من المعادلة بالكامل».

بالنسبة لغولدبيرغ، ربما زادت أحداث الإثنين من تغيُّر الأمور، ولا تزال هناك مساحة لأن يزداد الأمر سوءاً. فيوم الثلاثاء 15 مايو/أيار، حلَّت ذكرى النكبة، التي يُحيي فيها الفلسطينيون ذكرى سلبهم ما يملكون، ومن المتوقع أن تكون التظاهرات عند السياج الحدودي بأعدادٍ أكبر، وهو ما حدث بالفعل.

فقد أخبرها عبدالرحمن أبو ناهل، وهو عضوٌ بحركة مقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها مقيم في غزة، في رسالةٍ عبر البريد الإلكتروني: «الناس لا يمكنهم أن يجلسوا في بيوتهم، بعد أن قُتِل أحبابهم وجيرانهم لأنَّهم تظاهروا سلمياً للحصول على حقوقهم».

هي ترى أن ترمب مكَّن السلوكيات الأسوأ في إسرائيل، وطالما بقي رئيساً للولايات المتحدة، ربما ستظل إسرائيل مطلقة اليدين في قتل الفلسطينيين وهدم بيوتهم ومصادرة أراضيهم دون رادع.

لكنها تختم بالقول، يوماً ما سيرحل ترمب. ومع قرب احتضار الأمل في تحقيق حل الدولتين، تشير التوجهات الحالية إلى أنَّ أقليةً يهودية ستتولى الحكم على الأغلبية المسلمة، المحرومة بشكلٍ كبير من حقوقها في كل الأرض الواقعة تحت سيطرة إسرائيل. وربما يشذ جيل عن الطوق في الولايات المتحدة، ليجد دولة فصلٍ عنصري تحوي ميداناً يُسمى ميدان ترمب في عاصمتها، ويتساءل لماذا ينبغي أن تكون هذه دولة صديقة لنا.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
نعم، تم نقل السفارة الأميركية للقدس وإطلاق اسم ترمب على ميدان قريب منها.. لكن هناك مشهد غريب لم تنتبهوا له