سر طباعة 200 ألف نسخة من مجلة أميركية شعبية أثناء زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن دون مقابل.. هل اطلعت عليها سفارة الرياض قبل نشرها؟

عربي بوست
تم النشر: 2018/04/24 الساعة 16:29 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/04/24 الساعة 16:29 بتوقيت غرينتش

كان ظهور هذه المجلة مدوياً في أكشاك بيع الصحف في متاجر Walmart بالولايات المتحدة الأميركية الشهر الماضي:97 صفحةً كاملة من المديح تُثني على المملكة العربية السعودية، التي كان ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، على وشك الوصول إلى واشنطن، في زيارةٍ وصفت بالدعائية لتغيير الصورة المكونة عن المملكة في أميركا.

ومع انتشار الأسئلة حول أصول هذه المجلة البراقة، قال السعوديون إنَّهم يشعرون بالحيرة مثل أي شخصٍ آخر، وأعلنوا على تويتر: "إذا اكتشفتم الحقيقة، فنحن نحب أن نعرفها"، بحسب تقرير لوكالة Associated Press الأميركية.

لكنَّ الملفات التي حصلت عليها وكالة أنباء Associated Press تُشير إلى أنَّ مسؤولي السفارة السعودية في واشنطن حصلوا سراً على نسخةٍ رقمية من المجلة التي أنتجتها شركة American Media، قبل 3 أسابيع تقريباً من إصدارها.

ملابسات وصول النسخة المبكرة من المجلة إلى المسؤولين ما زالت غير واضحة. لكنَّها تُضيف بعداً جديداً من الغموض لقصةٍ مبهمة تحدث في كواليس الجهود التي يبذلها كلٌ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب وداعمه ديفيد بيكر مدير شركة American Media، ويهدفون من خلالها لبناء علاقاتٍ ودية مع زعماء المملكة العربية السعودية، بحسب الوكالة الأميركية.

تشابكت من قبل عوالم ترمب والسعوديين وشركة American Media، بطرقٍ غريبة في كثير من الأحيان. فإدارة ترمب بذلت الكثير لخطب ود المسؤولين السعوديين، ووجدت في الرياض شريكاً مستعداً للتعاون في مجموعةٍ من القضايا، بما في ذلك إيران، ومكافحة الإرهاب، والسلام في الشرق الأوسط. واتهم النقاد صحيفة The National Enquirer، الصحيفة الرئيسية لشركة American Media، بأنَّها كاتمة أسرار ترمب.

الشركة الناشرة تنكر التواصل مع السعوديين

وبحسب الوكالة الأميركية، تنكر شركة American Media مشاركتها نسخةً من مجلة "The New Kingdom" مسبقاً مع المسؤولين السعوديين أو التشاور معهم بشأن المشروع، وتقول إنَّهم لم يدفعوا للشركة لإصدارها. لكنَّ شخصاً مطلعاً قال إنَّ الشركة تواصلت بالفعل مع مسؤولين سعوديين في الولايات المتحدة قبل النشر لطلب المساعدة في المحتوى. وأضاف ذلك الشخص، الذي لم يكن مخولاً بالتعليق علناً وطلب عدم الإفصاح عن هويته، أنَّ السعوديون لم يردوا على الشركة.

رغم أنَّ مشاركة نسخة من المجلة مع السعوديين قبل نشرها يُعد سلوكاً منحرفاً عن الممارسات الصحفية التقليدية، فإنَّه لا يمثل مشكلةً للشركة من الناحية القانونية. لكن الظروف غير العادية والغموض المستمر حول أصول المجلة قادا خبراء القانون إلى الإشارة إلى قضيةٍ منفصلة ضمن قانون الضغط الفيدرالي: إذا منح السعوديون أو أي حكومةٍ أجنبية توجيهاتٍ إلى شركةٍ ما أو دفعت لها لإصدار مثل تلك المجلة، تصبح تلك الشركة مطالبةً بالتسجيل لدى الحكومة بموجب قانون تسجيل العملاء الأجانب، بحسب الوكالة الأميركية.

ولا يوجد أي دليل على وجود مثل هذا التوجيه حتى الآن.

لماذا تطبع الشركة 200 ألف نسخة من المجلة؟

لماذا قد تتعمد شركة American Media، المشهورة بنشر القصص الإباحية حول القضايا الجنسية والفضائح، تبديد أموالها بطباعة 200 ألف نسخة من مجلة تحمل صورةً لولي العهد الأمير محمد بن سلمان على الغلاف وهو يبتسم ابتسامةً عريضة؟

إن اسم ولي العهد ليس مألوفاً في الولايات المتحدة، لا سيما في الولايات مثل نبراسكا حيثُ ظهرت المجلة. ونظراً لتكلفة المجلة التي تساوي 13.99 دولار أميركي، وعدم تضمنها أي إعلانات، فمن المستبعد أن تُحقق أرباحاً جيدة.

حظي ولي العهد بالثناء من الغرب لسعيه لتحديث المملكة وتحسيناته في مجال حقوق المرأة، لكنَّ المجلة تتجاهل أي انتقاداتٍ موجهة لقضايا جوهرية أخرى، مثل أسلوب الأمير الصارم، والنظام السياسي التقييدي بالمملكة، إضافةً إلى مشاركة السعودية في  الحرب الأهلية باليمن.

وقال جون هاموند المتحدث باسم شركة American Media إنَّه توقع أن تحقق المجلة أرباحاً ببيع 60 ألف نسخة، مقارنةً بالطبعات الخاصة الأخرى التي دارت حول الألعاب الأوليمبية، وعائلة كينيدي، وإلفيس بريسلي. فمواضيع مثل تلك، بخلاف تلك الخاصة بولي العهد السعودي، تحظى بأهميةٍ كبيرة بين قراء الصحف الشعبية في الولايات المتحدة.

وعندما سألته وكالة Associated Press عما إذا كانت شركته قد تعاونت مع المسؤولين السعوديين بشأن إصدار المجلة أو تلقت أي مدفوعاتٍ منهم، جاء رد هاموند: "بالطبع لا" .

وصرَّح سعود كابلي مدير المكتب الإعلامي بسفارة المملكة في واشنطن قائلاً إنَّ السفارة "لم تساهم بأي دور في إصدار تلك المجلة"، بحسب الوكالة الأميركية.

وأضاف: "ليست لدينا أي مشكلة مع المجلة، ولكننا فقط لا نرى أنها مؤثرة".

المجلة تتداول في أروقة السفارة الأميركية في واشنطن

وحصلت وكالة Associated Press على ملفين بصيغة PDF من شخصين مختلفين، وضمَّ الملفان بياناتٍ وصفية تكشف أنَّ المجلة أنتجها موظف مسؤول عن الإنتاج بشركة American Media في تمام الساعة 8:41 مساءاً بتاريخ 19 فبراير/شباط الماضي. بعد ذلك بفترةٍ وجيزة بدأ مسؤولون سعوديون تداولها داخلياً، بما في ذلك المكتب العسكري للسفارة، وفقاً لأفرادٍ مطلعين على الموقف. وأضاف هؤلاء أنَّ المجلة وصلت أيضاً إلى نائل الجبير، المتحدث السابق باسم السفارة وشقيق وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وعُيِّنَ مؤخراً سفيراً سعودياً لدى أيرلندا.

وبحلول اليوم التالي 20 فبراير/شباط، بدأ المسؤولون السعوديون بإرسالها إلى متخصصين في السياسة الخارجية بواشنطن ليُلقوا نظرةً مبكرةً عليها، وفقاً لما قاله الأشخاص الذين لم يكن مسموحاً لهم بمناقشة الوضع، وطلبوا عدم الإفصاح عن هويتهم، بحسب الوكالة الأميركية.

وبعد مرور شهر، في 19 مارس/آذار، وصل الأمير محمد إلى الولايات المتحدة، وكانت المجلة بمثابة السجادة الحمراء له في الساحة الأدبية.

ماذا تحوي المجلة؟

كُتِبَ على الغلاف: "تعرَّف على الملك القادم"، ووصفت المجلة ولي العهد بأنَّه "أقرب حليف لنا في الشرق الأوسط يُدمِّر الإرهاب"، والحالم صاحب فكرة "مدينة المستقبل" التي "ستُدار بالروبوتات"، كما تقول الوكالة الأميركية.

وتضم المجلة عدداً كبيراً من الصور المأخوذة من وكالة الأنباء أو مواقع الصور، والكثير من هذه المواقع ليس له علاقة بالمملكة العربية السعودية، وفقاً لمحرك Tineye، وهي أداة بحث عن مصادر الصور. وإلى جانب الصور التي تعرض أبرز ملامح المملكة العربية السعودية، هناك صور لرياضة التزلج على الرمال في ناميبيا، وصوبة نباتات هائلة في هولندا، وصور للحياة البرية في زامبيا وإسرائيل.

وقال جوش روزنشتاين المحامي بمجال القانون السياسي بخصوص المجلة: "هناك الكثير من الأمور التي تتطلب تفسيراً".

مع بدء انفتاح السعودية على وسائل الترفيه الغربية، سعت شركة American Media إلى توسيع إمبراطوريتها الإعلامية داخل المملكة، وهو نوعٌ من الفرص المربحة التي تحظى في كثيرٍ من الأحيان بموافقة سعودية. ففي الصيف الماضي، تناول ديفيد بيكر العشاء في البيت الأبيض مع ترمب ورجل أعمال فرنسي ذي علاقاتٍ تجارية وثيقة مع السعودية، ثم بعد ذلك سافر إلى الرياض ليستميل المستثمرين السعوديين لمساعدة شركة American Media في الاستحواذ على مجلة Time، وفقاً لما أفادت به صحيفة The New York Times. بيد أنَّ الشركة أنكرت تقديم مثل هذا الطلب.

كوشنر يحاول الحصول على مساعدة ولي العهد السعودي

وبحسب الوكالة الأميركية، حاول جاريد كوشنر صهر ترمب وكبير مساعديه الحصول على مساعدة الأمير محمد في تحقيق مبادرة السلام الطموحة في الشرق الأوسط. وقام كوشنر بزيارةٍ مفاجئة في وقتٍ مبكر إلى السعودية، التي كانت أيضاً أولى زيارات ترمب الخارجية كرئيسٍ للولايات المتحدة الأميركية.

وسعت شركة العقارات التي تملكها عائلة كوشنر، وهي The Kushner Companies، إلى الحصول على أموالٍ من مستثمرٍ سعودي لشراء أسهم شريكها في ناطحة سحاب بمانهاتن كانت تخسر الأموال لسنوات.

يُعد بيكر من المقربين لترمب، وكذلك توجد علاقات بين إمبراطورية الصحف الشعبية المتعثرة الخاصة به وبين مايكل كوهين المحامي الشخصي للرئيس. وبعد الحملة التي شنها مكتب التحقيقات الفيدرالي على مكتب كوهين هذا الشهر، يُعتقد أنَّ المحققين سينظرون في ما إذا كانت صحيفة The National Enquirer قد تورطت في حملة ترمب الانتخابية أم لا.

ساندت صحيفة The Enquirer سعي ترمب لتولي الرئاسة. ففي أثناء فعاليات السباق الرئاسي عام 2016، دفعت الصحيفة الشعبية لعارضة الأزياء السابقة بمجلة Playboy التي كانت على علاقة بترمب 150 ألف دولار للتكتم على تلك العلاقة. ووافقت شركة American Media الأسبوع الماضي على تحرير العارضة كارين ماكدوغال من العقد المبرم، بحسب الوكالة الأميركية.

وأفادت وكالة Associated Press أيضاً أنَّ شركة American Media دفعت قبل ذلك بثمانية أشهر مبلغ 30 ألف دولار أميركي إلى بواب سابق بمنزل ترمب كانت لديه معلوماتٌ فاضحة بشأن الرئيس، وذلك مقابل توقيع عقدٍ معه يمنعه فعلياً من نشر القصة للجمهور. وصرَّحت الشركة أنَّها دفعت للبواب ليس مقابل صمته، إنَّما مقابل الاحتفاظ بالحقوق الحصرية للقصة التي لم تنشرها الشركة أبداً، معللةً ذلك بأنَّه لم يمكن التأكد من صحتها.

تحميل المزيد