جولة محمد بن سلمان إلى أميركا.. حضر كل شيء فيها عدا السياسة، لكنَّ أمراً واحداً كاد أن يفسدها

عربي بوست
تم النشر: 2018/04/07 الساعة 16:00 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/04/07 الساعة 16:19 بتوقيت غرينتش
تخوفات من مقتل خاشقجي على الاستثمار الأجنبي في السعودية/ رويترز

الرحلة التي ما زالت مستمرة منذ 3 أسابيع للأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، إلى الولايات المتحدة الأميركية، لم تكن سياسية فقط، بل غلب عليها الطابع الاقتصادي والاجتماعي، وأيضاً الترفيه، الذي يسعى من خلاله ولي العهد إلى تحديث المملكة، والتخلص من الفكر المتشدد الذي اقترن بالسعودية منذ عقود، لكن سوء التنظيم كاد أن يفسدها لولا تدخل شركات العلاقات العامة لإنقاذ الوضع.

وتحدَّث محمد بن سلمان في الجولة، عن صناعة الأفلام مع مايكل دوغلاس، ومورغان فريمان، ودواين جونسون أثناء تناول الغداء في منزل روبرت مردوخ. وناقش مسألة السفر إلى الفضاء مع ريتشارد برانسون في صحراء كاليفورنيا، والأعمال الخيرية مع بيل غيتس، والتكنولوجيا مع جيف بيزوس في سياتل. وزار جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وعقد صفقاتٍ لشراء الأسلحة مع دونالد ترمب، واجتمع بممولي وول ستريت. حتى إنَّه قابل أوبرا وينفري، بحسب تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

البحث عن تغيير صورة المملكة

ومن خلال هذه الرحلة يسعى محمد بن سلمان إلى تغيير الصورة النمطية المعروفة عن السعودية، في الأوساط الأميركية، وأيضاً سمعته هو شخصياً التي ارتبطت بالحرب في اليمن، وسقوط مدنيين قتلى جراء قصف قوات التحالف الذي تقوده الرياض في اليمن، وأيضاً التأكيد على أن ولي العهد الجديد يختلف تماماً عن سابقيه.

يسعى الأمير كذلك إلى جذب المستثمرين الأميركيين للمشاركة في صناعاتٍ تشمل ما هو أكثر بكثير من شركة النفط السعودية العملاقة أرامكو. إذ يتبع الأمير ما يصفه بأجندة تحويل اقتصادية لتقليل اعتماد المملكة على النفط، وتنويع مواردها الاقتصادية من خلال الاستثمار في البنية التحتية وتطوير صناعة الترفيه، ومن ضمن ذلك بناء متنزهات ومدن ترفيهية مثل سيكس فلاغز وديزني، كما تقول الصحيفة الأميركية.

آدم أرون المدير التنفيذي لشركة دور العرض AMC، الذي التقى الأمير مؤخراً قال: "أعتقد أنَّ الأمر عبقري، وسأخبرك السبب. يعي الأمير أنَّ صورة السعودية سيئة في الولايات المتحدة، لأنَّها كانت دولةً محافظة لعقود. وهو يريد تحويل المجتمع السعودي بطرقٍ ستروق للأميركيين".

وتحدَّث أرون، هذا الأسبوع، في صالة الاستقبال بفندق فور سيزونز في لوس أنغلوس، بينما تناول حضور مؤتمرٍ سعودي عن صناعة الترفيه عدة أطباق شرق أوسطية: الكباب، والحمص، والتبولة. وكان يُسليهم عازف عود. تحدث المسؤولون خلال المؤتمر عن خططٍ لفتح المملكة أمام الحفلات، ومهرجانات موسيقى الجاز، والأفلام، وهي كلها محاولات حسب وصف أحد المسؤولين السعوديين لـ"نشر السعادة" في المملكة، حيثُ 70% من السكان أصغر من سن الثلاثين، والكثيرون منهم يقضون يومهم ملتصقين بهواتفهم، كما تقول The New York Times.

أول عرض للسينما منذ عقود

استفاد أرون الكثيرَ من خطة الأمير الاقتصادية المُسمَّاة "رؤية 2030". ويوم الأربعاء، أعلن هو والسعوديون توقيع اتفاقٍ لفتح أول دار عرض في السعودية منذ عقود.

وبحسب الصحيفة الأميركية، سيكون فيلم Black Panther ذا الإنتاج الضخم من شركة مارفل هو أول الأفلام التي تُعرَض في المهرجان الافتتاحي في الرياض، عاصمة السعودية، يوم 18 أبريل/نيسان.

وقال أرون إنَّ الرجال والنساء سيكون بإمكانهم حضور الأفلام معاً، وهي خطوةٌ جرئية في السعودية، حيثُ كانت الساحات العامة مُقسَّمةً حسب الجنس. وأضاف أنَّ أفلام هوليوود ستخضع للرقابة كما في الدول الأخرى في الشرق الأوسط: ستُحذَف المشاهد الجنسية، وستبقى مشاهد العنف.

ويقول المحللون إنَّ رحلة الأمير بحجمها هذا، وعدد الأميركيين المشاهير على جدول أعمالها تُعد مهمةً طامحة حد الخيال. وهناك سابقةٌ تاريخية واحدة مشابهة حدثت عام 1943، حين أرسل الملك السعودي ابنه الأمير فيصل إلى الولايات المتحدة للقاء الرئيس فرانكلين روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية، والقيام بجولةٍ في أميركا، وفقاً لبروس ريدل العميل السابق بالاستخبارات المركزية الأميركية، والخبير الحالي المختص بالشؤون السعودية في معهد بروكينغز، بحسب الصحيفة الأميركية.

وعلَّق محمد اليحيى، الخبير السعودي في المجلس الأطلسي بواشنطن: "حتى حينها، لم يكن الأمر بنفس نطاق الرحلة الحالية. هذه المرة التعاون يشمل كل شيء. ويشير إلى تعاونٍ أعمق يتعدى مجرد مقايضة الأمن بالنفط".

وأضاف اليحيى: "لفترةٍ طويلة، لم يكن السعوديون يحاولون تبرير أفعالهم، وشرح أسباب ما يحدث في بلادهم. ولكنَّ هذا يتغير جذرياً الآن".

سبقتها زيارة إلى بريطانيا

جاءت جولة الأمير في الولايات المتحدة عقب زيارةٍ مماثلة إلى بريطانيا، حيثُ غرق الأمير في كرم الضيافة الملكية، وتناول طعام الغداء مع الملكة. وكما في الولايات المتحدة، ساعد الضغط المحلي وشركات العلاقات العامة في تصوير الأمير كمصلحٍ اجتماعي واقتصادي. ففي لندن، ظهرت الإعلانات على لافتات الشوارع وجوانب سيارات الأجرة السوداء، بعضها يقول إنَّ الأمير "يُغيِّر السعودية"، وبعضها يزعم أنَّه "يُمكِّن النساء السعوديات"، وعددٌ منها يتحدث عن "انفتاح السعودية على العالم على يده"، بحسب الصحيفة الأميركية؟

لعقود، كان يمكن تلخيص العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية في مسألةٍ واحدة: إمكانية وصول الأميركيين إلى النفط، وضمان توفير الحماية الأميركية للسعودية ضد أعدائها، وخاصةً عدوتها اللدود إيران.

بدأت رحلة الأمير في واشنطن، حيثُ التقى الرئيس ترمب وصهره جاريد كوشنر، الذي يشارك الأمير كراهيته تجاه إيران، وعمل على توطيد علاقته بالسعوديين لمواجهة نفوذ إيران المتزايد في الشرق الأوسط.

أصبح محمد بن سلمان ولياً للعهد، العام الماضي، بعد الإطاحة بولي العهد السابق محمد بن نايف من ترتيبه في تولي العرش. وشنَّ مؤخراً حملة اعتقالات بحق عددٍ من أغنى أغنياء السعودية وأكثر رجال أعمالها نفوذاً، من بينهم أعضاءٌ في العائلة المالكة، واحتجزهم في فندق ريتز كارلتون في الرياض، فيما وصفه بحملةٍ ضد الفساد، وحصلت بعدها الحكومة السعودية على مليارات الدولارات من أصولهم، وفي بعض الحالات كان هذا عن طريق الاعتداء الجسدي والترهيب، وفقاً لما أفادت به صحيفة The New York Times الأميركية.

وبحسب الصحيفة الأميركية، تعرَّض الأمير محمد بن سلمان كذلك لانتقاداتٍ حادة، وجَّهها له ناشطو حقوق الإنسان، لشنِّه حملة قصفٍ جوي في اليمن، حيثُ قُتِلَ آلاف المدنيين، ولحملته القمعية ضد المعارضة التي شملت سجن بعض المدونين. ولإرضاء الجمهور الأميركي، واجه الأمير المخاوف المنتشرة منذ أمدٍ بعيد، بشأن جهود رجال الدين السعوديين في تصدير الفكر الإسلامي المتطرف، الذي تقوم عليه جماعاتٌ مثل القاعدة وتنظيم داعش.

رسم صورة مواجهة التطرف

 

ويقول المحللون إنَّ جزءاً من الصورة الجديدة التي يحاول الأمير إضفاءها على المملكة، ومحاولاته لمواجهة قضية التطرف الديني، إذ جادل الأمير في مقابلاتٍ حول رحلته بأنَّ التطرف في السعودية يمكن تتبعه إلى ثورة 1979 في إيران، التي أثارت خصومتها مع السعودية ذات الأغلبية السنية عدة صراعاتٍ طائفية تُقسِّم الشرق الأوسط حالياً.

وتقول كارين يونغ، الخبيرة في الشؤون السعودية في معهد دول الخليج العربي في واشنطن: "هذه إعادة كتابة للتاريخ السعودي". وتضيف كارين أنَّ القوى المسلمة المحافظة لطالما كانت منتشرةً في المجتمع السعودي، لكن التفرقة بين السعودية ما قبل 1979 وبعدها هي محاولة "لتدعيم فكرة مواجهة العالم لإيران"، بحسب The New York Times.

ويستغل هذا الخطاب كذلك توجهات إدارة ترمب، التي اتخذت موقفاً أكثر صرامة تجاه إيران، وهدَّدت بتمزيق الاتفاق النووي الذي تفاوضت إدارة أوباما لعقده عام 2015 بهدف كبح البرنامج النووي الإيراني.

ولم تُخيم مخاوف انتهاكات السعودية لحقوق الإنسان سوى على جزءٍ صغير من رحلة الأمير في الولايات المتحدة. ففي غداءه في بيت روبرت مردوخ على سبيل المثال، حيثُ كان الضيوف عدا الأمير يشربون الخمر من مزرعة العنب الخاصة بعملاق الإعلام، تحدَّث الأمير عن تمكين النساء في السعودية، حيثُ سيتمكنَّ قريباً من قيادة السيارات للمرة الأولى منذ عقود، وتحدَّث كذلك عن الاستثمارات في مجال صناعة الأفلام بالمملكة. ولم يضغط عليه أحدٌ بشأن قضايا حقوق الإنسان، وفقاً لواحدٍ من الحضور وصف الأمسية بأنَّها كانت غير رسمية، وقال إنَّ الأمير كان يتسم بـ"الصراحة المنمقة"، بحسب الصحيفة الأميركية.

كان إريك غارسيتي، عمدة لوس أنغلوس، واحداً من الأميركيين القلائل الذين اجتمعوا بالأمير محمد، وتحدثوا علناً في الوقت نفسه عن انتهاكات السعودية لحقوق الإنسان. ففي بيانٍ، قال العمدة إنَّه "حثَّ ولي العهد على مواصلة جهوده لتدعيم حقوق النساء، وأثار مسألة المخاوف بشأن حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الحالية في اليمن".

بينما في لوس أنغلوس، لم تؤدِ زيارة الأمير إلَّا إلى عددٍ قليل من التظاهرات. ومن بين المشارِكات كانت ميشيل مودغلين (67 عاماً)، وهي ممرضة متقاعدة كانت تشارك في الاحتجاجات خارج مكتب وكالة ويليام موريس إنديفور للمواهب في بيفرلي هيلز، التي تلقت مؤخراً استثماراً بقيمة 400 مليون دولار أميركي من السعودية. وقالت ميشيل: "إنَّه آتٍ هنا تحت ستار كونه مصلحاً عظيماً يُغيِّر السعودية، لكنَّنا نعلم أنَّ هذا ليس حقيقياً ما دام مستمراً في قصف اليمن وقتل الأطفال الأبرياء".

طلاب سعوديون في انتظاره

وفي مساء هذا اليوم، احتشد مئاتٌ من الطلبة السعوديين الذين يدرسون في جامعاتٍ قريبة -حصل معظمهم على منحٍ تعليمية من الحكومة السعودية- في صالة رقص بفندق بيفرلي هيلز، من أجل حضور فعاليةٍ على طراز محاضرات تيد تنظمها مؤسسة ميسك، وهي مؤسسة غير ربحية أسسها الأمير. تحدَّث رجالٌ سعوديون ونساءٌ سعوديات ناجحات في الفعالية من قطاعات التكنولوجيا والترفيه وقطاعاتٍ أخرى، وسعوا إلى زرع الحكمة والإلهام في حشد الشباب الموجود.

وفي ليلة الثلاثاء الماضي، استضافت ميسك معرضاً فنياً في مساحةٍ صناعية مخصصة للفعاليات في حي الفنون بوسط مدينة لوس أنغلوس الأميركية، اختلطت فيها نساءٌ يرتدين البلوزات القصيرة والبناطيل الجلدية بشاباتٍ سعوديات يرتدين الحجاب، بينما تطوَّع شبابٌ سعوديون مقيمون في لوس أنغلوس كمرشدين للفن السعودي، بحسب الصحيفة الأميركية.

هالة الزهيري، وهي امرأة سعودية بجامعة سان دييغو، حضرت فعالية ميسك، امتدحت الأمير بن سلمان لقراراته الهادفة لانفتاح الاقتصاد، وقالت إنَّها مسرورة بالآفاق الجديدة المتاحة للنساء، رغم قلقها بشأن سرعة التغيرات. وقالت: "لكنَّنا مجتمع مسلم، لذا يجب أن تأخذ هذه الخطوات الكبيرة وقتها. لا يمكن أن تصدم المجتمع بخطوةٍ كبيرة تلو الأخرى، فهذا صعب".

الجانب السلبي في الرحلة

وبحسب الصحيفة الأميركية، ففي المدن الواقعة على مسار رحلته، حجزت الفنادق الفاخرة كل غرفها للحاشية الملكية، ونقلت الضيوف الآخرين، وعطَّلت عمل المتاجر المحلية بسبب الإجراءات الأمنية المكثفة. وارتفع علمٌ سعودي أخضر خارج فندق بلازا بالقرب من سنترال بارك في نيويورك، وحجز الوفد جميع الغرف بملايين الدولارات. وفي لوس أنغلوس، استولت حاشية الأمير على فندق فور سيزونز، وأقام الأمير في قصرٍ خاص. وأجَّر السعوديون أيضاً جميع غرف فندق فور سيزونز في بالو ألتو، بالقرب من مقري جوجل وفيسبوك، في أثناء زيارة الأمير إلى سيليكون فالي. وقال جيمس تاترسول مدير الفندق لشؤون التسويق: "تلقينا طلباً من وزارة الخارجية الأميركية لاستقبال وفدٍ من كبار الشخصيات".

بدا أنَّ أجزاءً من الرحلة على وشك السقوط في هوة الفوضى قبل أن تبدأ من الأصل. إذ لم يتمكن الصحفيون والمحللون في واشنطن ممن يتابعون شؤون المملكة من الحصول على جدولٍ محدد للزيارة. وتحدَّثت وكالة بلومبرغ عن التقدم بمئات الطلبات من أجل الحصول على تأشيراتٍ للسعوديين في اللحظات الأخيرة. وفي إحدى الليالي في نيويورك، غلبت على الوفد أجواء الشرق الأوسط، حيثُ تمتد الاجتماعات إلى ساعات الليل المظلمة. واستدعى السعوديون مُراسلين إلى فندق بلازا، قرب منتصف الليل، من أجل إعلان صفقةٍ بقيمة 200 مليون دولار بين السعوديين وشركة سوفت بانك لإنتاج الطاقة الشمسية، كما تقول The New York Times.

وقالت يونغ "لقد كانت رحلةً تفتقر إلى التنظيم للغاية. كان هناك غيابٌ ملموس للتنسيق".

لكن العملية سُرعان ما استقرت، وخرجت رسائل مُحكَمة أدارتها السفارة السعودية في واشنطن بمُساعدة شركات ضغط وعلاقاتٍ عامة أميركية. وصدرت كل يومٍ تقريباً بياناتٌ صحفية عن جدول اجتماعات ولي العهد المُثير للدوار.

وقالت يونغ عن الفوضى المبدئية: "بعث هذا رسالةً مفادها أنَّ الرحلة كان من الممكن أن تفشل فشلاً ذريعاً. لكن يُحسب لهم أن الرحلة سارت على نحوٍ جيد للغاية".

 

تحميل المزيد