صورها قبل 33 عاماً وجعل منها رمزاً لحرب لبنان، المصور يلتقي مجدداً ببطلة صورته، كيف وصلت لهذا الوضع البائس الآن؟

عربي بوست
تم النشر: 2018/04/06 الساعة 12:31 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/04/06 الساعة 12:49 بتوقيت غرينتش

منذ حوالي 33 سنة، كانت سمر بلتاجي الأم ذات الرجل الواحدة تمسك بيد ابنتها المشوهة نسرين، أثناء سيرهما في بيروت، لتصبح صورتهما واحدة من أشهر الصور عن الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان لسنوات.

وكانت سمر ترتدي تنورةً وبلوزة بسيطتين، ومعها جهاز راديو صغير مُعلَّق إلى جنبها، وتظهر في الصورة وهي تحدق مباشرةً في كاميرا مصور شاب يُدعى ماهر عطار كان يُغطي الاشتباكات بالقرب من مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، والآن عاد ماهر وسمر ليلتقيا مجدداً من دون ميعاد مسبق، بحسب ما ذكرته صحيفة "Theguardian" البريطانية، الجمعة 6 أبريل/نيسان 2018.

وعندما التقط ماهر صورته وصلت إلى الصفحة الأولى في صحيفة New York Times الأميركية، وأظهرت تفكك لبنان، كما لم تفعل سوى صور قليلة معدودة في الصراع الذي دام 15 عاماً.

وفي الأسبوع الماضي، قابل المصور سمر وجهاً لوجه مرةً أخرى، بينما كان في طريقه إلى صالةٍ رياضية في حي فردان في بيروت، في حين كانت سمر تتسول في مكانٍ قريب. وهي مبتورة الساقين الآن، إذ فقدت ساقها الثانية بسبب مرضٍ عظمي منذ 12 عاماً.

وقال الاثنان إنَّهما تعرفا على بعضهما البعض بصورةٍ غريزية، وقال عطار: "قلتُ لها: "سأعطيكِ دليلاً ليساعدك، ابتسمي". فأجابت على الفور: "ماهر".

صحتها تدهورت

تتذكّر سمر تلك اللحظة عندما حدثت في 2 يونيو/حزيران 1985، حينما كانت هناك هدنة نادرة لوقف إطلاق النار بعد أيامٍ من القتال بين الفصائل الفلسطينية والميليشيا الشيعية أمل.

وقالت سمر: "لقد أمسكوا بماهر وضربوه. كان يلتقط صوراً من نافذة السيارة وأسقط كاميرته. أعطيتها له مرةً أخرى".

ونسيت سمر مع الوقت هذا اللقاء القصير، فقد كانت لديها عائلة بها أطفال عليها أن تقوم بتربيتهم في مدينةٍ معطلة، وظل تهديد سقوط صاروخٍ آخر مثل الصاروخ الذي أدى إلى بتر ساقها في غرفة معيشتها حقيقياً للغاية.

وبشكل مطرد تدهورت صحة سمر حتى فقدت ساقها الثانية، إلا أنه ومع وجود أربعة أطفال لإطعامهم، ودعمٍ حكومي لا يكاد يُذكر لها أو لأيٍ من المدنيين اللبنانيين الذين يقدر عددهم بنحو 150 ألف مدني أصيبوا في الحرب، نزلت سمر إلى الشوارع.

وقالت سمر هذا الأسبوع: "توفي زوجي. وابني يعمل، لكنَّ إيجار منزلنا يبلغ 400 دولار في الشهر، واكتشفتُ أنَّه إذا تسولتُ طلباً للمال في الشارع، يمكنني أن أحصل على ما يكفي من المال لضمان عدم إنفاق المال المُخصص للإيجار. لم تساعدني أي منظمة غير حكومية أو خيرية. فقط الشوارع والناس".

وكانت الحياة الأسرية تُمثل تحدياً أيضاً بالنسبة لسمر. فقد صُعق زوجها زياد بالكهرباء قبل ثمانِي سنوات، وأدت مُشادة بينها وبين ابنتها إلى رحيلها من المنزل.

وأضافت سمر: "لقد تخليتُ عن ساقي لإنقاذ ساقها في عام 1982، كانوا بحاجة إلى غضروفٍ من ساقي، وبعد وفاة والدها طردتني من المنزل".

حرب لا تُنسى

ويبدو وجه سمر الآن وقد غطته آثار الشمس، في حين أن جسدها الصغير بالكاد يرتفع عن ظهر كرسيها المتحرك، وتقول إنَّها ليست نادمة إلا على القليل طوال السنوات الثماني والخمسين التي عاشتها. وأضافت: "أحياناً أجلس على الشرفة، وأفكر، وأبدأ في البكاء. ثم أفكر أنَّني محظوظة لأنَّني على قيد الحياة، وأعود إلى التحلي بالصبر".

ويقول ماهر إنَّ اللقاء الذي جمعهما بالصدفة حمَّله بـ"واجبٍ شخصي" لمساعدة سمر.

التقى الاثنان لفترةٍ وجيزة من قبل عندما كان برنامجٌ تلفزيوني يبحث عن أيقونات الحرب في عام 2005. وقال ماهر: "لكنَّه كان لقاءً قصيراً، وقيل لي إنَّ هناك من يرعاها. والآن، أنا أعلم أنَّها بحاجة إلى المساعدة".

وفي يوم الأربعاء، عاد ماهر وسمر إلى مكانٍ في مخيم صبرا وشاتيلا حيث وقع لقاؤهما الأول، ومرَّا على مقبرتين دُفن فيهما بعض قتلى الحرب، وكانا يبحثان عن الموقع المُحدد. وصاحت سمر قائلةً: "إنَّه هنا!"، وتوقفت بالقرب من مبنى على حوائطه آثار رصاص، لكن ماهر قال "إنَّه أبعد بـ50 متراً".

وفي النهاية، كان كلاهما مُخطئاً، فقد كانا يواجهان الطريق الخطأ. وعندما استقرا على المكان بشكلٍ نهائي، أو على مقربةٍ منه، بدا المصور البالغ من العمر 55 عاماً، والأُم التي كانت صغيرةً في عمرهما الحقيقي سعيدين، وكان يُناديها بـ"خالتي". وكانت هي تُناديه بـ"أخي".

وقالت سمر: "أقسم أنَّني أصبحتُ أفضل لأننَّي عرفتك". وكان الشعور متبادلاً بوضوح، بحسب ما ذكرته "Theguardian".

وقبل أن يفترقا، طُلِبَ من سمر أن تكشف عن الأغنية التي كانت تسمعها على الراديو وهي تعرج خلال منطقة الحرب، وكانت أغنية عن الحب عنوانها "قال إيه بيسألوني" للمغنية الجزائرية وردة.

في ذلك اليوم، كانت تلك الأغنية عبارة عن صورة موجزة للهدوء في وسط الفوضى. والآن، أصبحت موسيقى تصويرية لحياةٍ مليئة بالخسارة والكرامة. وسماعها مرةً أخرى دفع سمر إلى البكاء.

 

علامات:
تحميل المزيد