“جمعة الكاوتشوك”.. غزة تتأهب بالدخان الأسود وإسرائيل يدها على الزناد، والمجتمع الدولى يطالب بضبط النفس

عربي بوست
تم النشر: 2018/04/06 الساعة 08:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/04/06 الساعة 08:49 بتوقيت غرينتش

توتر، نشاط، انفعال، واحتفال، شبان يقرأون وآخرون يجهزون الطعام والبعض ينظم الرقصات الشعبية.. هكذا تبدو الأجواء في غزة. أما في الميدان نفسه فأرى مجموعات تتحرك مثل خلية النحل، هذا يحمل إطارَ "كاوتشوك" وذاك  يحمل مرآة كبيرة وآخر يقف يصف الإطارات إلى جانب بعضها استعداداً ليوم "الحريق الكبير"، كما أطلقوا عليه.

وفيما الدخان الأسود يتصاعد من زوايا الأمكنة، تطل في الجهة المقابلة، رؤوس متشحة بالسواد، وعيونها تنظر من داخل منظار القناصة، استعداداً ربما للحظة القتل، التي سبقتها تهديدات من قيادات الجيش الإسرائيلي.

هذه هي المشاهد التي يمكن أن يراها من يقف على 5 نقاط تماس بين غزة وإسرائيل، حيث ستشهد بعد ظهر الجمعة مسيرات جديدة لسكان القطاع في جمعة حملت اسم "جمعة الكاوتشوك"، وسيتم خلالها إحراق أكثر من 10 آلاف إطار سيارة تحمل رسالة "غضب القطاع على الاحتلال".

وانطلقت مسيرات العودة الفلسطينية الجمعة الماضية، وستستمر حتى 15 مايو/أيار المقبل، والذي يقابل ذكرى النكبة الفلسطينية. وتقع المواجهات يومياً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكنها تأخذ الزخم الأكبر في يوم الجمعة.

وقال أحمد أبو رتيمة، أحد منسقي مسيرات العودة، إن المسيرات هذه الجمعة ستأخذ منحاً مختلفاً لأنها ستكون أكثر شعبية وعفوية، "الناس هنا غاضبون بعد العنف الذي استخدمه الإسرائيليون، وإحراق الإطارات سيعبر عن هذا الغضب".

وأضاف إن الفعاليات ستأخذ منحيين، الأول رسمي وفيه تكريم لذوي الشهداء الذين قضوا في تظاهرات سابقة، والآخر شعبي عفوي عبرت عنه قضية الكاوتشوك، إنها رسالة للعالم، نريد أن نعود لديارنا، نحن أهل غزة الغاضبون المحاصرون".

ومنذ مقتل 20 فلسطينياً الأسبوع الماضي، لم تتوقف التحركات على خمس نقاط على الحدود بين غزة وإسرائيل من قبل ناشطين فلسطينيين للتحضير لمسيرات العودة، بموازاة مواجهات خفيفة مع الجيش الإسرائيلي.

تهديدات إسرائيلية

وفي إسرائيل، دافع المسؤولون عن التكتيكات العنيفة التي انتهجها الجيش الإسرائيلي في تظاهرات يوم الجمعة الماضية، التي أدت إلى مقتل 19 شخصاً من سكان غزة. وأصرَّ المسؤولون – طبقاً لما ذكرته نيويورك تايمز – أنَّهم لن يتراجعوا خلال الجولة الثانية من التظاهرات ضد حصار إسرائيل المستمر للقطاع.

واتهم المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي يوم الخميس حركة حماس التي تحكم المنطقة بأنَّها تسعى لتحويلها لساحة حرب، مشيراً إلى سلسلةٍ من الهجمات المسلحة بطول حدود غزة منذ منتصف فبراير/شباط.

ويزعم الإسرائيليون أنَّ حماس تستخدم النساء والأطفال كدروعٍ بشرية، وتحرق الإطارات لخلق ستارٍ دخاني، وتهدف من هذه المحاولات للتمويه على محاولاتها العنيفة لاختراق السياج الحدودي ومهاجمة الإسرائيليين.

وهددت إسرائيل برد أشد عنفاً من الجمعة الأولى لمسيرات العودة، فيما قال وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، إن الرد سيكون في عمق القطاع في إشارة إلى احتمال شن غارات داخل القطاع رداً على المسيرات على الحدود.

ويعمل الجيش الإسرائيلي على تعزيز قواته وجنوده وآلياته العسكرية على مقربة من السياج الفاصل، في مشهد يذكر بمشاهد الاعتداءات الإسرائيلية خلال الحروب. وتعمل طائرات جديدة يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي للمرة الأولى، على مسح الشريط الحدودي بشكل مستمر، ومنها ما يقوم بإطلاق قنابل الغاز على المتظاهرين، في محاولة لتفريقهم، لكن سرعان ما يتجاوز الشباب هذه العراقيل ويعودون لأماكن اعتصامهم.

وفي الوقت نفسه في إسرائيل، أُثِيرَ جدالٌ حول استخدام الجيش للذخيرة الحية بعد أن نشرت مجموعة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية إعلاناتٍ في صحف Haaretz وMaariv تدعو فيها الجنود الإسرائيليين لتجاهل أوامر إطلاق  النار. استشهدت المجموعة بسابقةٍ قانونية شهيرة للغاية في إسرائيل متعلقة بمذبحة كفر قاسم عام 1956 التي راح ضحيتها عشرات المدنيين العرب، وحذَّرت من أنَّ بعض الأوامر تكون غير قانونية بصورةٍ صارخة لدرجة أنَّها "تؤلِم العين وتُغضِب القلب، إن كانت العين بصيرة ولم يكن القلب قاسياً أو فاسداً".

وقال حجاي العاد المدير التنفيذي لمنظمة بتسيلم إنَّ "هذا جزء من الروح الأخلاقية لهذا البلد، شيءٌ يتعلمه الإسرائيليون في المدارس، ويتعلمه ضباط الجيش كجزءٍ من تدريبهم، ويمثل البوصلة الأخلاقية التي ينبغي لنا جميعاً اتباعها. ونحن نُعلن هذا بوضوح وصراحة، ونطالب باتباعه الآن".

فعاليات مستمرة

وقال الصحفي محمد الأسطل لـ"عربي بوست"، إن الحركة النشطة بدأت مختلفة منذ ساعات الليل في وسط القطاع، حيث احتشد مئات الشبان، وهتفوا ضد إسرائيل، فيما كان هناك آخرون يسيرون في الشوارع ويدعون الناس إلى أوسع مشاركة جماهيرية ضد الاحتلال على النقاط التي تجري فيها المسيرات.

وقال الأسطل إن الحراك لا يتوقف على المسيرات ذاتها بقدر الاهتمام بـ"الحالة العامة" التي تنتاب المشاركين والغزيين على حد السواء، مشيراً إلى وجود عملية توزيع مهام عالية المستوى وذات تنظيم جيد.

وأوضح أن هناك ناشطين يقومون بالتحضير للحدث الميداني، وآخرين يحضرون الخيام لاستقبال الجرحى وتوفير المستلزمات الطبية، وآخرين يوفرون أدوات بدائية لحماية المتظاهرين، مثل البصل، وغالونات الماء لمواجهة قنابل الغاز".

وبدأت جرافات منذ الصباح بوضع سواتر ترابية وأكوام من الرمال لتوفير الحماية للمدنيين، في ظلّ الاستهداف الإسرائيلي المتعمّد للمتظاهرين المقتربين من السياج الفاصل، أو حتى المتواجدين في خيام التظاهرة التي لا تزال منصوبة على بعد نحو سبعمائة متر من الحدود، وظهرت نقاط التماس بين غزة وإسرائيل أشبه بملعب كرة قدم كبير.

ويعيش في قطاع غزة نحو 2 مليون فلسطيني، ويتعرض القطاع لحصار منذ سيطرة حماس عليه عام 2007. وتأتي هذه المسيرات في ظل تعثر المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس.

الكاوتشوك هو الأبرز

وأطلق كثيرون على الجمعة الثانية من الغضب الشعبي، اسم "جمعة الكاوتشوك" (إطارات السيارات الفارغة)، في ظلّ جمع المتظاهرين لكميات كبيرة منها لحرقها على الحدود ومنع القوات الإسرائيلية من استهدافهم، رغم توضيح البعض مخاطر القيام بمثل هذه الخطوة، لكن يبدو أنّ المتظاهرين ماضون فيها.

ويتوقّع أنّ يكون زخم هذه الجمعة أكبر من الجمعة الأولى، إذ إنّ المتظاهرين باتوا يعتقدون أنّ مفاعيل "جمعة الغضب" الأولى، محلياً ودولياً، أتت بعض ثمارها، وهم ينتظرون القيام بالجهود كافة من أجل لفت الأنظار إلى معاناتهم المستمرة بفعل الاحتلال والحصار، إضافة إلى المعاناة اليومية المترتبة على الانقسام الفلسطيني السياسي.

وبات الفلسطينيون يتداولون أفكاراً جديدة لحراكهم السلمي، منها إقامة فعالية سلسلة بشرية على بعد محدد من السياج الفاصل بزيّ موحّد، فضلاً عن أفكار أخرى متعلّقة بحمل المرايا العاكسة لمنع جنود الاحتلال الإسرائيلي المنتشرين على الحدود من استهداف المتظاهرين.

إلى ذلك، رصد تقرير أصدره "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان"، ومقره غزة، سلسلة من النقاط التي استخدمت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي القوة في التعامل مع التظاهرات السلمية. وأشار المركز إلى أنّ "المسافة التي تمركز خلفها جنود الاحتلال تبعد نحو 30 إلى 70 متراً من السياج الفاصل، وأن أكثر نقطة اقترب منها المتظاهرون في أغلب المناطق لا تتعدى 50 متراً غرب السياج، وبذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تشكل المسافة ما بين الجنود والمتظاهرين أي خطر على حياة الجنود، خصوصاً أن المتظاهرين عزّل".

وفي السياق، قال عضو الهيئة القيادية العليا لمسيرات العودة، ذو الفقار سويرجو، لـ"العربي الجديد"، إن "هذه المسيرات بدأت تصبح ثقافة في الشارع الفلسطيني وفي قطاع غزة تحديداً، ولم تعد حراكاً عادياً، نتيجة لتأثيراتها الكبيرة الداخلية والخارجية"، متوقّعاً أن تشهد الجمعة الثانية وما سيتبعها من أيام "تواجداً مكثفاً لعشرات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة"، استمراراً لمسيرة العودة التي شهدها القطاع يوم الجمعة الماضي في ذكرى يوم الأرض، مع تأكيده أنه يتمّ "العمل حالياً على محاولة تقليل نسبة الخطر على المتظاهرين".

وأضاف سويرجو أنّ "ردات الفعل التي حصلت من قبل المجتمع الدولي وحالة الارتباك الكبير التي وقعت داخل إسرائيل، ساهمت في تعزيز الحشود الجماهيرية واستمرارها، وصولاً إلى الحراك الكبير المتوقع أنّ يكون في 15 مايو/أيار المقبل، بذكرى النكبة".

وأكّد أنّ "الحراك بات مطلوباً له الاستمرار وأن يأخذ شكلاً حضارياً أكثر مما هو عليه، وأن يجري خفض كلفته من الناحية المادية والبشرية"، مشيراً إلى أنّه "سيجري إبعاد الاحتجاجات عن الاحتكاك المباشر مع جنود الاحتلال، وسيتم استخدام بعض الأدوات البدائية البسيطة التي تستنزف جنود الاحتلال المدربين على التعامل مع الحروب".

وتوقّع سويرجو "أن تتدحرج كرة الثلج خلال الفترة المقبلة وأن تكون للمسيرات رسائلها الواضحة للاحتلال والمجتمع الدولي، والتي من شأنها أن تصل بالحراك إلى الاجتياح السلمي للحدود من دون استخدام أي وسائل، وعبر التقدّم السلمي البطيء، وصولاً إلى مرحلة الاشتباك المباشر من نقطة صفر من دون أي أدوات".

تحميل المزيد