يا صبر أيوب.. قصتي مع الصبر ومع ضريح سيدنا أيوب
الإثنين, 12 نوفمبر 2018

يا صبر أيوب

تلحّ عليَّ الكلمات لأكتبها.. كم مرة تجاهلت هذا الإلحاح عن قصد أو دون قصد؟ حتى عانيت مؤخراً من لعنة احتباس الكلمات والأفكار، تعاقبني كلما تجاهلتها وتذكرني بسطوتها عليَّ.. هكذا هي الكتابة، نتوقع أننا نملك زمام الحروف والحقيقة أنها هي من تحركنا.. حسناً.

بينما تدور بذهني الكلمات، تلضم يداي حبات الخرز الملونة واحدة تلو الأخرى، أدعو الله في شروق الشمس أن يحفظ لي نعمه ويدم عليّ فضله ويتدبر أمري بحكمته.

كلما نسقت أظافري، تقصفت أو خُدشت أو تقشرت بسبب ضغط الكتابة أو أدوات الورشة.. أحبها هكذا، يد تحمل الحكايات، أصابع طويلة رفيعة سريعة الحركة، حتى إنني رغم الخدوش أجعلها «موديل» لتصميماتي ولا أملّ من مدها بالسلام أبداً حين تألف الصُّحبة.. ولكن، تنفرط حبات الخرز عدة مرات بعدما أوشك على الانتهاء ولضمها نهائياً.. وتضيع الكلمات في رأسي كأنها تتبخر في الهواء.

يعلمني الله الصبر.. كل شيء جميل يحتاج صبراً لينضج.

تؤلمني يداي ولكنني أصر على إعادة ترتيب الحبات الملونة.. فتنفرط للمرة الرابعة، وتنفرط معها فكرة الكتابة التي كانت وشيكة التبلور، تنفرط للأبد.

أملّ وأغضب، أنظف يدي وأمنحها دقائق من الراحة والسكون الذي تزامن مع شروق الشمس.. أرفع عيني للسماء وأدعو الله بقلبي دون حديث.

أهدأ كثيراً بعد هذه اللحظات، فأدرك الخطأ الذي فرط الحبات مراراً وتلاشت بسببه الفكرة، ألضم الأسورة برفق فيصبح شكلها أروع من المرة الأولى.. ثم تُعاد صياغة العبارات في ذهني بشكل أدق هذه المرّة معلنة عن فكرة جديدة لامعة.

يا الله.. يا عليم بذات الصدور.. أتسلم الرسالة الآن أوضح،  فقط المزيد من الصبر.. وسيصير كل شيء أروع مما تمنيت.

أتعلم هذه الأيام معنى جديداً للصبر والانتظار الجميل، أتذكر معه منذ خمس سنوات، حين كنت في بلدة وقارة مختلفة تماماً وبعيدة جداً عن الوطن.. في آخر يوم لي في هذه البلدة كنت لا أطيق صبراً للرجوع للمنزل والأم والحبيب.. كان ينتظرني حبيب على الجهة الأخرى من العالم دون أن أدري ولكن كانت بُصلتي تخبرني بوجوده ودعواته ودعواتي أيضاً.. كنت أتعجل في المزارات السياحية الأخيرة، أحسب الدقائق للعودة وأتخلى عن الكثير من المرح بطيب خاطر.. حقاً كنت لا أطيق صبراً، عجولة ومتسرعة ومندفعة.. كنت أنا حينذاك.

ولأن لله ترتيبات أخرى، شاء القدر أن يفوتنا موعد العودة من أحد المزارات.. أصبحنا عالقين في النصف الآخر من القارة في نفس البلد.. وبين هنا وهناك، مضيق البسفور، لا أعلم تحديداً من الذي اقترح علينا الذهاب للصلاة ربما هي صديقتي المقربة، تقودنا الصدفة ويدفعنا الله دفعاً لنصلي في آخر بقعة نتوقعها في ذلك الوقت، نسير محملين بالقلق والتوتر والخوف من فوات طائرتنا وهو أمر وشيك..  نتوضأ، تهدأ قلوبنا قليلاً، نقرأ الفاتحة ونكتشف أننا في ضريح نبي الله أيوب !

نحن المتعجلون.. أنا التي لا أطيق صبراً على شيء، يحملني الله حملاً لأصلي في مسجد أكثر أنبيائه صبراً!

كانت رسالة الله واضحة لي هذه المره، صلينا ركعات لم ولن أنساها، ولأول مرة أدعو الله بيقين ورغبة مُلحة أن يهبني الصبر.. الصبر على ما لا أطيق وعلى نفسي وعلى ما لا أعلم.

أنهينا صلواتنا، ذهبنا لشراء تذكار سريع ووجدنا وسيلة للعودة بأعجوبة.. وصلنا في موعد الطائرة تماماً. وكإن الزمن توقف لنصل في الوقت المحدد، أو ربما كان هذا هو الوقت المحدد من قِبل الله لنا، ونحن كعادة بني آدم لا ندرك ولا نصبر.

كان الله يعطينا درساً لا يريدنا أن ننساه أبداً.. أن «الصبر» هو مفتاح كل شيء، وليس فقط الفرج، هو مفتاح تهذيب النفس وحسن الظن بالله أيضاً.

لا تسير الأمور على ما يرام داخل عقلي الفترة الأخيرة..  لكن يحسب لي أنني مازلت أجيد فن الاستمتاع بالوقت السيئ رغم كل شيء.. مازلت أجيد تعلم الصبر وتذكر حكايته السابقة معي.

وحين يتعقد كل شيء بهستيريا واضحة، تعلمت أن أفلت كل الخيوط عن طيب خاطر وأتركها بيد الله يُعيد ترتيبها كما يشاء.

لم يعد شيء يزعجني الآن، لا تأخر الأحلام ولا المرض ولا تبخر الأفكار؛ لأنه «يدبر الأمر».. يقولون إن الأشخاص الذين لا يسندهم أحد، يسندون العالم بأكمله.

حقيقة..

وفي كل مرة ألتقى بإحداهن.. أعلم يقيناً أن تلك القوة والسكينة والصبر ليست سوى «سند الله».

ومَن يأوي إلى الله.. لا يضيع.. ومن يسنده الله.. يُسند إلى الباقي الشديد.. ويسند كل مائل عليه يتكئ.

ما كنت يوماً وحدي يا الله.. أعلم أنك هنا.

في أشد حالاتي تقصيراً وبُعداً.. تغمرني بكرمك فأعود.. وأتعلم ألا أقنط من رحمتك أبداً.

هناك صوت يهمس داخلي: «ستنحل العقد.. سينفرج الضيق».. أنظر للسماء دون حديث.. فتلقي بقلبي دعوات لا أعلم كيف جرت على لساني.. تلهمني بالدعاء.. دون انتظار سريع للإجابة، فـتذكر أنه «سيتجيب.. يقيناً يليق بعظمته سيستجيب».

أتمتم مرّة أخرى لنفسي قبل الاستسلام للنوم.. لست وحدي.. الله معي.

فصرت كلما ضاقت بي نفسي، وتعجلت أمراً بجهلي، أتذكر ذلك اليوم وأتذكر حكاية نبي الله الصبور.. أتذكر وأدعو الله مرددة: «يا صبر أيوب».

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
آخرة التأمل (6) - الذكاء والتفكير
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
يا صبر أيوب