أنا أجنبي أتعلم اللغة العربية في الأردن.. لكني فهمتُ لماذا يخجل العرب من التحدث بلغتهم
الإثنين, 19 نوفمبر 2018

أنا أجنبي أتعلم اللغة العربية في الأردن.. لكني فهمتُ لماذا يخجل العرب من التحدث بلغتهم

يلمس سائق التاكسي شواربه المزيَّتة الفخمة بمتعة ثم يلتفت إليَّ.

من وين انت؟

– من إنكلترا ولله.

– بتحكي عربي منيح! (هذا يقال لكل من حفظ كلمتين «السلام عليكم» أو مثلهما).

– شكراً.

– العربي صعبة؟

– آه شوي.

– (بعد تلاشي قحقحات ضحك لا يكاد يسيطر عليها) العربي أصعب لغة!

خلال إقامتي في الأردن لمدة 9 أشهر بين عامَي 2015 و2016 تكررت معي نفس هذه المحادثة بالضبط تقريباً كل مرة ركبت فيها سيارة أجرة وأنا أشكر السائقين الأعزاء على ترحيبهم وفضولهم حول بلدي، ولكني مضطر إلى القول بشكل صريح ومباشر إن العربية ليست أصعب اللغات.

بل إنها لا تقترب من ذلك بدليل أن كل طبائعها التي توصف بأنها صعبة توجد في لغات أخرى بشكل أكثر تعقيداً. وقد تعارضني وتقول إن حرفي الضاد واللام كما هو في كلمة «الله» حرفان خاصان بالعربية فسأرد بأنهما موجودان في اللغة الروسية، أما الظاء فيا حبيبي أصحاب بعض اللهجات الأميركية يلفظونها كلما يقولون كلمة «the». وقد تشير لي إلى القاف كحرف صعب اللفظ للأجانب وردي على ذلك أن العرب لا يكادون يستخدمونها عملياً إلا في اللغة الفصيحة المتكلمة في الإذاعة وكلمات قليلة مثل «القرآن» وإنما يستبدلونه بالهمزة أو بالكاف.

ثم نأتي للكتابة والقراءة وهنا لا شك أن أبجدية العرب أصعب من الأبجدية اللاتنية غير أننا إذا قارنّاها مع الرموز الصينية التي عددها كثير لدرجة أن الصينيين أنفسهم نادراً ما يدرسونها كلها فإن الأحرف العربية تبدو سهلة نسبياً. ولكنك قد تأكد أنه لا يوجد أصعب من قواعد العربية؟ يا صديقي أخطأت فإذا بدا لكم أن الأجانب يستصعبون تعلم الإعراب والحركات الست (الضمة والفتحة والكسرة بالتنوين وبدونه) فانظروا إلى اللغة الروسية التي فيها اثنتا عشرة «حركة» لكل اسم يختلف شكلها اعتماداً على جنس الاسم مثلما تغير سحلية الحرباء لون بشرتها. وليس على تلميذ العامية المحظوظ أن يحفظ مثل هذه الحركات إطلاقاً.

إن صعوبة العربية ليست بالحروف ولا بالقواعد ولا باللفظ وإنما بتصرف الناطقين بها. فالأجنبي كائناً من كان من أميركي أو إنكليزي أو صيني أو فرنسي أو حتى قزم نزل عن كوكب المريخ عندما يخاطب العرب بالعربية نصفهم يردون عليه بالإنكليزي بصورة تلقائية. ومهما بذلت جهداً وتعبت في تعلم العامية الأردنية دائماً كنت أصطدم بهذا الإصرار على التكلم مع الأجنبي بالإنكليزية سواء كان يعرف العربية أم لا. ومن دون فرصة أن يجرب الأجنبي لغته ويدرب مهاراته اللغوية في ساحة الحياة ومع الناطقين من المستحيل أن يتقدم أو حتى أن يشعر بالراحة عندما يتكلم فعند أول خطأ له يظهره كمتعلم للغة سيخاطبونه بالإنكليزية وهكذا اختفت فرصته للتدرب. والحمد لله على نعمة سائقي التاكسي فهم الاستثناء لهذه الظاهرة.

فما سبب هذا؟ والجواب بموجب مترجم أردني تعرفت عليه هو التالي: «إن الكثيرين في العالم العربي لا يفتخرون بقدرتهم على الكلام بالإنكليزية فحسب بل يعتبرون أن مستواهم المنخفض في العربية شيء يُفتخر به أيضاً». وامتداداً لذلك المنطق أتوقع أن أفراد هذه الفئة الاجتماعية لا يحبون أن يخاطبهم الأجانب بالعربية؛ لأن ذلك لا يعطيهم فرصةً ليمارسوا إنكليزيتهم وهي جزء من هويتهم. ولكن المفارقة أن هناك العديد من معارفي الأردنيين الذين يستفزهم رفض فئة كاملة من العرب للغتهم الأم وحتى إنهم يقومون بمشاريع موسيقية وتعليمية رائعة مثل «كلامسك» و»آدم ومشمش» تستهدف إعادة إحياء العربية بين الأطفال والشبان والبالغين. وأنا أجل ذلك وأتمنى لو نجحوا ولكنهم أيضاً كانوا دائماً يخاطبون الإنكليزيين والأميركان من أصدقائهم بالإنكليزية بغض النظر عن معرفة للعربية!

ودعوني أوضح أنني لست ضد موضوع تعلم الإنكليزية واستخدام أفراد من كل عرق وجنسية لها؛ لأنني أعرف أن اكتساب الإنكليزية ليس باكتساب لغة جديدة فقط وإنما يفتح اكتسابها أبواباً متعددة في سوق العمل ويتيح فرصاً متنوعة في أنحاء العالم. ولقد أردت فقط تسليط الضوء على السبب الحقيقي لتلاشي العربية عن ألسنة العرب، وخصوصاً بعض الأطفال نظراً إلى الرغبة الموجودة في حفظها. فأول خطوة تؤدي إلى انقراض اللغة هي توقف الأجانب عن تعلمها وإذا كان الناطقون يرفضون الكلام بها مع الأجانب وإن رغبوا في ذلك فسيحدث الأمر بسرعة.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
في ذكرى ثانوية مولاي الطيب العلوي
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
أنا أجنبي أتعلم اللغة العربية في الأردن.. لكني فهمتُ لماذا يخجل العرب من التحدث بلغتهم