هل ذهبت وصية أحمد رفعت أدراج الرياح؟

عربي بوست
تم النشر: 2024/08/08 الساعة 11:30 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/08/08 الساعة 11:30 بتوقيت غرينتش
اللاعب المصري الراحل أحمد رفعت – المصدر: Wikipedia

"إذا أردت أن تبرئ متهماً شكِّل له محكمة وإذا أردت أن تخفي الحقيقة شكِّل لها لجنة وإذا أردت أن تضيع شعباً اشغله بغياب الأنبوبة وغياب البنزين، ثم غيِّب عقله واخلط السياسة بالاقتصاد بالدين بالرياضة ومباريات كرة القدم ليتحول الوطن إلى رغيف "حواوشي".

لم أجد أبلغ من هذه الكلمات التي خطها الساخر الراحل جلال عامر قبل سنوات؛ ليتضح بجلاء أن "صلاحيتها" مازالت سارية المفعول في المحروسة مصر حتى يومنا هذا؛ ومن يتابع تفاصيل واقعة "وفاة" اللاعب الخلوق أحمد رفعت وما تلاها من ردود أفعال و أيضاً ما تخفيه من حقائق ومعلومات صادمة تختصر حال وواقع الرياضة المصرية المزري مثلها باقي مجالات الحياة الأخرى التي تلفظ أنفاسها وسط سطوة نظام قمعي لا يرحم.

حكاية أحمد رفعت كان يمكن أن تمر مرور الكرام كملايين الحكايات التي تُدفن ومعها أسرار أصحابها المظلومين المكتوين بنيران الظلم والقهر؛ لكن تشاء الأقدار أن ينهض لاعب نادي "فيوتشر" ويستيقظ من سريره ويبدو للوهلة الأولى أنه انتصر لما حل به وأن لقطة سقوطه على أرض الملعب ستصبح مجرد ذكرى سيئة في مشواره الكروي وأنه استعاد عافيته ولِمَ لا يسير على طريق الدنماركي كريستيان إريكسن ويعود للمستطيل الأخضر ويعوض كل ما فاته.

لكن الحكمة الربانية شاءت أن تسير الأمور في اتجاه آخر تمامًا وفسحت المجال للشاب المغلوب على أمره كي يصرخ ويفضح ما حل به وأنه ضحية فساد كروي هو السبب في قتله ببطء حتى بلغ السيل الزُّبَى وسقط مغشيًا عليه بعد أن ضاق قلبه على تحمل الصدمات والضربات من شتى الاتجاهات.

لن نسرد تفاصيل القصة التي يحفظها القاصي والداني عن ظهر قلب طبعاً؛ لكننا سنتوقف مليًّا عند مفترق الطرق في قضية رفعت والتي كان مشهد حلوله ضيفاً على برنامج "الكورة مع فايق" على قناة إم بي سي مصر هو الحدث المحوري الذي هز مصر وكان بمثابة الفرصة الأخيرة له لوضع الإصبع على الجرح وأيضاً لتوديع محبيه بعد أن عاد من الغيبوبة كي يوصل رسالته ويمضي بعد أيام قليلة تاركًا وراءه "وصية" مفادها "أنا مظلوم وهؤلاء دمروني وقتلوني".

السؤال المنطقي إذن: من هم هؤلاء الذين اغتالوا أحمد رفعت معنويًا وماديًا ونفسيًا وجسديًا ليكتبوا السطر الأخير في حياته؟

في الحلقة التي تلت وفاته توجهت كل الأنظار للإعلامي إبراهيم فايق آخر من باح له رفعت بمصابه بل وخصه بسره، وازدادت حدة التشويق حين تم الإعلان عن استضافة وكيله نادر شوقي؛ وبعد دقائق من التأثر والدموع ارتفع المنسوب بعد اتصال شقيق رفعت وكشفه اسم النائب أحمد دياب محملًا إياه مسؤولية ما حل بالراحل.

لكن المحصلة النهائية للحلقة جاءت مخيبة للآمال وظلت مترنحة بين البكاء والخوف من كشف الأسماء المتورطة في قضية رفعت، بل وظل إبراهيم فايق يشدد على فتح الهواء أمام كل من ذكر اسمه في الحلقة من باب الدفاع عن نفسه؛ بينما انتفضت بقية الأسماء الإعلامية للذود عن "شلة" النظام المتورطة في الملف مع استثناءات قليلة كان أهمها الإعلامي هاني حتحوت الذي تلاعب برئيس نادي "مودرن سبورت" في مداخلة هاتفية انتهت بوصلة من الغضب والتراشق المعهود على تلك الجوقة.

لكن السؤال الذي طرحناه مازال عالقًا: من هؤلاء الذين اغتالوا أحمد رفعت؟ وهل أجابت كل تلك الساعات التلفزيونية عنه وأماطت اللثام عن الحقيقة المنتظرة؟

قطعًا لا؛ حتى محمد رفعت شقيق اللاعب عاد ليظهر في مداخلة أخرى مع إبراهيم فايق "مهادنًا" و مسالمًا؛ ما يكشف أن الأسرة تعرضت لضغوط رهيبة لثنيها عن المضي في كشف بقية الأسماء المتورطة في القضية؛ واكتمل المشهد بإقالة أحمد شوبير من قنوات اون تايم سبورت و أحمد حسام ميدو من شبكة المحور رغم أن الاثنين من المقربين جدًا للنظام ووجوهه، وللمفارقة اسم شوبير مطروح في الملف باعتباره نائب رئيس نادي "فيوتشر" آنذاك وتحديدًا في فترة سفر اللاعب للإمارات وتوقيعه لنادي الوحدة هناك وهو مطلوب للتجنيد.

المؤكد أن لا أحد مستعد للتضحية ووضع النقط على الحروف والكل يراوح مكانه ووصية أحمد رفعت ذهبت أدراج الرياح وبالفعل إذا أردت أن تخفي الحقيقة شكِّل لها لجنة؛ وطوي الملف بعد أن سقط من سلم "الترند".

رحم الله أحمد رفعت والآلاف غيره ممن تم اغتيالهم في صمت بأساليب مختلفة في زمن الاستبداد والقهر.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
عادل العوفي
كاتب وصحفي مغربي
درستُ الإعلام والصحافة، وعملتُ بالعديد من المنابر العربية مثل: القدس العربي ورأي اليوم اللندنيتين، وصحيفة المسار بسلطنة عمان، وغيرها، بالإضافة إلى كتابة مقالات رأي في منابر أخرى. عملت مُعدّاً، ومقدم برامج تلفزيونية، وكاتب سيناريو، وآخر أعمالي في هذا المجال مسلسل "عائلة بوخالد" في قطر
تحميل المزيد