كيف تحول المهاجرون السوريون إلى كبش فداء لاتفاقيات لبنان مع الاتحاد الأوروبي؟

عربي بوست
تم النشر: 2024/05/08 الساعة 10:03 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/05/08 الساعة 10:03 بتوقيت غرينتش
اللاجئون السوريون في لبنان/ الأناضول

عندما وصلت رئيسة المفوضية الأوروبية، الألمانية أورسولا فون دير لاين، إلى لبنان في 3 من الشهر الجاري، برفقة الرئيس القبرصي، لا بد أنها كانت تعلم علم اليقين بموجة العنصرية المستفحلة ضد الرعايا السوريين في لبنان. هذه الموجة العنصرية، التي تترجم بين الفينة والأخرى بهجمات على أبرياء وتذكّر بالبوغروم، يغذيها خطاب من المزايدات المقززة في الكراهية، ولا سيما الكزينوفوبيا، يدأب عليه كثير من السياسيين اللبنانيين والقوى السياسية اللبنانية، بمختلف تلاوينهم السياسية والطائفية، سواء كانوا في السلطة أم في المعارضة، ويسأل عنها أيضاً الإعلام اللبناني بأكثريته. 

ومع ذلك، فقد اختارت فون دير لاين منح مساعدات مالية بقيمة مليار يورو للبنان على مدى ثلاث سنوات من أجل "دعم اقتصاد البلاد"، لا سيما لمكافحة الهجرة غير الشرعية للسوريين إلى الاتحاد الأوروبي، وخاصة تلك التي تمر عبر قبرص.

النفاق الأوروبي

تشبه هذه الاتفاقية ـ الهبة في جوهر مبتغاها، إلى حد ما، تلك المبرمة مع مصر (حيث سجلّ النظام هو من الأسوأ في المنطقة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان)، وموريتانيا، وتونس (حيث المهاجرين الأفارقة ضحية لموجة عنصرية يغذيها أيضاً خطاب سياسي بشع).

يشكل الدفاع عن حقوق الإنسان في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أحد الأركان الأساسية المنصوص عنها صراحة في معاهدة الاتحاد الأوروبي. ويتطلب الوفاء بهذا الموجب التزاماً ثابتاً بإدانة انتهاكات حقوق الإنسان والتصدي لها أينما وقعت. ولكنّ سجل فون دير لاين على رأس المفوضية الأوروبية مليء بالتردد في استخدام دورها الكبير لتوجيه الاتحاد الأوروبي -وهو أكبر مانح في الأمور الإنسانية في العالم- في هذا الاتجاه. 

إن اصطفاف فون دير لاين إلى جانب إسرائيل في حربها الإجرامية على غزة، دون أدنى تحفظ جدي، ورفضها إدانة الجرائم الإسرائيلية، ولا سيما في الشهور الأولى من الحرب، لخير دليل، من بين أدلة كثيرة أخرى، على عدم التزام رئيسة المفوضية الأوروبية بالالتزامات التي تفرضها عليها المعاهدات الأوروبية فيما خصّ الدفاع عن حقوق الإنسان في السياسة الخارجية للاتحاد. 

من الجدير الإشارة إلى أن الالتباس والتردد في التزام فون دير لاين بالدفاع عن حقوق الإنسان في سياستها الخارجية لا ينحصر بدول الشرق الأوسط. لم تتردد رئيسة المفوضية الأوروبية بإبرام الاتفاقيات وتقديم المساعدات لقادة وأنظمة في العالم، معروفة بسجلها الحافل بانتهاك حقوق الإنسان، دون أن تضغط بالمقابل، بشكل جدي، لدفع هذه الأنظمة نحو التزام أكبر باحترام حقوق الإنسان. ونذكر من بين هؤلاء، على سبيل المثال، الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف، أو الفلبيني ماركوس، أو الهندي ناريندرا مودي وهو أحد رموز اليمين المتطرف الشعبوي الإسلاموفوبي في العالم. 

إن الالتباس الذي يشوب سياسة الخارجية لفون دير لاين فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان ليس موضع استهجان أخلاقي وحسب، بل  هو يقوّض أيضاً مصداقية الاتحاد الأوروبي، ويؤدي إلى تآكل قوة نفوذه وتأثيره على المدى الطويل. 

فالقادة السياسيون الشعبويون المتطرفون هؤلاء، الذين لا يقيمون في سياستهم أي وزن لحقوق الإنسان، لا يمكن أن يكونوا شركاء يمكن الاعتماد عليهم بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وهم يميلون إلى استغلال نقاط الضعف في الاتحاد الأوروبي، دون أي وازع. وبالتالي، إن النفاق في سياسة فون دير لاين الخارجية بخصوص حقوق الإنسان من شأنه أن يعرض الاتحاد الأوروبي لاتهامات محقة بازدواجية المعايير، بما في ذلك من قبل بعض القادة والسياسيين أنفسهم الذين لم تحسن فون دير اختيارهم لكي يكونوا شركاء للاتحاد الأوروبي، فهؤلاء غالباً لا يبدعون إلا في الجحود والوقاحة، وكذلك دوائرهم المقربة، وبيئاتهم السياسية، وكثير من أنصارهم. 

تتوضح الصورة عندما نرى أن رئيسة المفوضية الأوروبية، وهي رئيسة قائمة حزب الشعب الأوروبي لانتخابات البرلمان الأوروبي المزمع عقدها في 9 يونيو/حزيران القادم (وهو حزب سياسي أوروبي تأسس سنة 1976 من قبل الأحزاب الديمقراطية المسيحية، وتم توسيعه ليشمل أحزاب محافظة، فضلاً عن أحزاب من يمين الوسط)، أعلنت مؤخراً أنها تفكر في التحالف مع الشعوبيين من أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف، ولا سيما جورجيا ميلوني في إيطاليا، وذلك بهدف إعادة انتخابها على رأس الاتحاد الأوروبي. 

فأمام هذا الواقع، لا يعود مفاجئاً خيارها "كنس حقوق الإنسان تحت السجادة" عند تقديم "المساعدات" لبعض البلدان حيث -كما هو الحال في لبنان- يتبارى سياسيون، ولا سيما من اليمين الشعبوي المتطرف أو ممن يقتربون كثيراً من خطابه وأفكاره، أي على شاكلة ميلوني، أو حتى أسوأ منها، سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة، في خطاب العنصرية وكراهية الأجانب، والتصرفات المرافقة لهذا التحريض الذي يقومون به. 

بكلام آخر، المليار يورو التي قدمتها فون دير لاين للبنان هي جزء من حملتها الانتخابية، وهي تقول بذلك لناخبيها: أبعدت عن أوروبا "خطر" المهاجرين السوريين، وذلك عبر إبقائهم في لبنان لقاء مليار دولار قدمتها للبنان على 3 سنوات. وهذا "إنجاز" مهم بالنسبة لفان دير لاين، لا سيما أن الحملات والنقاشات الانتخابية غالباً ما تتمحور حالياً في أوروبا حول موضوع الهجرة غير الشرعية بشكل أساسي، كما أنه من المتوقع تقدّم أحزاب اليمين الشعبوي المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي القادمة. 

النفاق اللبناني

أما على الجانب اللبناني، فأورسولا فون دير لاين هي نوعاً ما الـ"نظيرة" (الموازية) الألمانية/الأوروبية لبعض القوى والشخصيات اليمينية في لبنان.  بكلام آخر، فون دير لاين هي نوعاً ما مرآة أوروبية لبعض اليمين اللبناني، ولكنها تعكس له فشله في التشبه بمثاله الأعلى الأوروبي. فسياسياً، نجح اليمين الأوروبي حيث فشل اليمين اللبناني: أبعد اليمين الأوروبي جزءاً معتبراً مما يعتبره "مشكلة" المهاجرين السوريين عنه، وأبقاها لدى اليمين اللبناني كي يتخبط بها وحده أمام قواعده الشعبية وناخبيه.  

ومن هنا يمكن فهم بعض "العنفوان" ـ وهو لا يخلو بجانب منه من الهزل والفولكلورية ـ الذي دبّ فجأة في نفوس كثير من القوى السياسية في لبنان، أمام ما يسمونه "الرشوة" التي قدمتها فون دير لاين لبلاد الأرز من أجل إبقاء السوريين. يصرح هؤلاء برفضهم تلقي الدروس الأخلاقية بمكافحة الفساد وبحقوق الإنسان من قبل من يدفع "رشاوي"، وهذا في الحقيقة لا يعدو كونه تعبير عن شعور بخيبة أمل كبيرة، لا بل بنوع من القهر عندما ترى أنّ من تعتبره مثالك الحضاري والثقافي الأعلى (أي "الغرب"، وتحديداً أوروبا)، وتفعل المستحيل من أجل التشبه به، لا يقيم لك أي حساب عملياً، ولا يعتبرك جزءاً منه، بل غريباً عنه، ويعاملك بفوقية كمجرد وسيلة ليتفادى ما يعتبره "مشكلة" (المهاجرين السوريين)، وذلك عبر إبقائها لديك. الاستيقاظ من الأوهام غالباً ما يكون مفاجئاً، ومؤلماً. 

في الحقيقة، ردة الفعل اللبنانية تشي بأن المسألة، في الجانب اللبناني، هي بجزء كبير منها مسألة أنا شوفيني متورّم، قد انجرح في الصميم، أكثر بكثير مما هي مسألة "نزاهة" وأخلاق وكرامة برفض "رشوة". 

كما يغيب عن كثير من المنتفضين في الجانب اللبناني النظر بكلتا العينين: فلو سلمنا جدلاً أن المساعدة المقدمة من قبل الاتحاد الأوروبي للبنان هي "رشوة" (وعلى الأرجح هي كذلك من وجهة نظر معينة)، فهناك أيضاً من قبل الرشوة (الجانب اللبناني حيث شبهات الفساد تلازم أركان الطبقة السياسية، ولا سيما بعد الانهيار الكبير الحاصل منذ 2019). فضلاً عن أنه لا يمكن إغفال ـ من وجهة نظر مقابلة ـ وجود ما يمكن أن يبدو، أقله للناظر من بعيد، إنه نوع من "الابتزاز" من قبل الجانب اللبناني للاتحاد الأوروبي، وذلك عبر خطاب شعبوي ديماغوجي "لإعلاء السقف" كلامياً، وحملات عنصرية، كلها لا تسمن ولا تغني من جوع في إيجاد حل فعلي للمسألة الوجود الكثيف للرعايا السوريين في لبنان، ولكن هي لانتزاع بعض المبالغ من الاتحاد الأوروبي، فيما أصبح يشبه توزيع الأدوار المقيت وغير البريء ـ ولو ربما بجزء منه عن غير قصد ـ بين  قوى سياسية لبنانية، منها الموالي، ومنها المعارض، وبين الجهات الدولية كالاتحاد الأوروبي. 

إنها حفلة نفاق ليس بين قوى سياسية شعبوية متصارعة في لبنان وحسب، بل هي أيضاً بين قوى سياسية -غالباً من اليمين- على ضفتي المتوسط. 

بالمحصلة، إنّ التعميم التعسفي وخلط الأمور ببعضها من جهة، فضلاً عن الانتقائية في احترام قواعد القانون الدولي وإغفال الموجبات الملقاة على عاتق الدولة اللبنانية في هذا الخصوص من جهة أخرى، كلها أمور لا تنطلي إلا على ضعاف العقول، وهي تنقل المطالب اللبنانية بما خصّ إيجاد حل لوجود الرعايا السوريين الكثيف على الأراضي اللبنانية، ولا سيما بجانبه غير الشرعي، من خانة المطالب المحقة والقانونية، إلى خانة خطاب الكزينوفوبيا والشعبوية.

لا بد من التفريق بين الرعايا السوريين اللاجئين إلى لبنان هرباً من بطش النظام السوري وحلفائه (ومنهم لبنانيون، كحزب اللّه) من جهة، وغيرهم من الرعايا السوريين في لبنان، الذين لا تنطبق عليهم صفة اللجوء، مع العلم أن هذا لا يعني أن كل الرعايا السوريين من هذه الفئة الثانية هم أجانب في وضع غير شرعي على الأراضي اللبنانية، إذ منهم من يستوفي شروط الإقامة الشرعية في لبنان حسب القوانين اللبنانية. 

أما فيما خص الفئة الأولى تحديداً، أي اللاجئين، فقانونياً لا يكفي أن يكون لبنان غير موقع على اتفاقية جنيف للاجئين (1951)، أو أن يكون موقعاً مع المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على الاتفاقية (2003) التي تنص على أن لبنان بلد عبور وليس أبداً بلد لجوء، كي لا يكون ملزماً بحق اللجوء.

 يُعتبر حق اللجوء، تحديداً مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يشكل مدماك حق اللجوء، من قواعد القانون الدولي الإلزامي (القواعد الآمرة ـ jus cogens)، ولذلك فإنّ لبنان ملزم بحق اللجوء كقاعدة آمرة، ولا سيما أنّ لبنان موقع على اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) التي تعتبر في مادتها 64 أنّه "إذا ظهرت قاعدة آمرة جديدة من القواعد العامة للقانون الدولي فإن أية معاهدة نافذة تتعارض معها تصبح باطلة وتنقضي". 

تختلف الآراء حول الموضوع، ولكن الأكيد أن معالجة التواجد الكثيف للرعايا السوريين في لبنان، ولا سيما غير الشرعي منه، وهو يشكل عبئاً معتبراً على لبنان على مستويات متعددة، لا يكون بالخطاب الشعبوي، أو بالمغالطات القانونية، أو بالانتقائية وعدم احترام لبنان لموجباته المتعلقة بحقوق الإنسان.

كم أصبح بعض من يتغنى ليل نهار بـ"لبنان شارل مالك" -العربيَّ الوحيد الذي شارك في إعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وصياغته في ديسمبر 1948 بصفته رئيسَ المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة- بعيداً عن شارل مالك، وعن فكر شارل مالك.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ساجي سنّو
حقوقي وكاتب سياسي لبناني
حقوقي وكاتب سياسي لبناني مقيم في باريس
تحميل المزيد