الجحيم الذي يعيشه خريجو الجامعات في بلادنا العربية

عربي بوست
تم النشر: 2024/03/19 الساعة 09:33 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/03/19 الساعة 09:34 بتوقيت غرينتش

دائماً نسمع منذ صغرنا أن ما بدايته صعب تكون نهايته أسهل وهينة، أما في أوطاننا العربية فلا تنطبق تلك النظرية؛ ففي بلادنا الصعوبة تتفاقم كلما خرجت من مرحلة ما وأقحمت في أخرى، فنحن كعرب حقوقنا محيت وسرقت منذ أمد بعيد، ومهما كنت من الذكاء أو الاجتهاد ففرصتك في النجاح الباهر قليلة إلا من رحم الله، على الرغم من أن في شعوبنا عقولاً فذة ونابغة، إلا أن معظمها ينجح خارج بلده كأوروبا أو أمريكا، فحينها يتغلغل سم قاتل ببطء خبيث نفوس شبابنا، إنه سم اليأس الدفين، وتتراكم الهموم تلو الهموم، وخيبة الأمل تجد إلى قلوبهم سبيلاً، لكن ما الحل، وكيف ننتشل شبابنا من تلك البقع اليائسة في أرضنا؟

هناك محوران لتلك المعضلة، فالمحور الأول أن الشاب الذي تخرج في جامعته يتوجب عليه الجد والعمل أكثر من اللازم مقارنة بنظيره في الدول الغربية، ليستحوذ على الفرصة التي تساوي 1% أو أقل، وأن يكون محظوظاً ويتربع على كرسي ذو منصب ومال في بلاده؛ لكي ينعم بحياة كريمة لا يشوبها كدر العيش، وجميعنا نعلم من أن سنن الحياة أنه يتوجب علينا الشعور ببعضٍ من التعب والإرهاق، كما قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)، إلا أن أوطاننا العربية تزيد الكبد كبداً جحيمياً ليس له مثيل، كأن مواطنوها عبيداً لا يشعرون، فهم لا يبالون بحقوقهم، بل يزيدون من قهرهم وذلهم، فيعملون ولا يجيدون العائد المادي الكافي، ويجعلونهم مضطرين لعمل عدة أعمال مختلفة ليلاً ونهاراً، فبالتالي ذلك يؤثر على الحياة المجتمعية، ويجعل الفرد الذي يعمل ليل نهار بعيداً عن زوجه وأولاده إذا كان رب بيتٍ أو بعيداً عن أبويه وإخواته إذا كان عازباً، فتلك الحالة مترتبة عليها إشكاليات كثيرة تجعل المجتمع أكثر تفككاً، وتجعل الأفراد أكثر طمعاً ساخطين بلا رضا أو تسليم، وتقضي على أواصل المحبة، وتغير إيمانيات القلب إلى الأسوأ، ويرى الظلام فلا يستطيع الخروج منه إلا بشق الأنفس.


أما المحور الثاني أن يهرب الشاب المتخرج إلى بلد آخر تقدر قيمته وعلمه، وتضعه في مكانة هو يستحقها، وتقويه وتنميه، وتستغل موارده في الطريق الصواب، وتغذيه بالثقة والحب للوطن الذي يسكن فيه، فينتمي لتلك الأرض انتماءً حقيقياً، لا تشوبه نفاقاً أو مصلحة، ويتشبع بحب تلك الأرض من صميم قلبه، ويضحي بنفسه إذا لزم الأمر لذلك؛ رداً للجميل، وعرفاناً للأرض التي كرمته، والتي جعلته إنساناً آمناً، لديه قوت يومه لا يُدان أو يشعر بالخزي أو الذل أمام أهله، بسبب قيلة حيلته وهوانه على الناس، فتقوى عزيمته ليبني ويكون مصدراً لعلو البلد الذي أكرمته، فنفسه تزيد طمأنينة، ويقتل الخوف، ويجتمع مع أسرته بلا كدر أو غضب، ويستطيع أن يعطي الحنان الكافي لأولاده، فيتكون مجتمع صحي سوي، لا تتأصله الأمراض النفسية أو الأحقاد، فينجو المجتمع ويرى النور، فتكون القلوب في السماء حرة كالطير.

لكن الأمل ما زال موجوداً، فالإنسان إذا شعر بمسؤوليته أمام مجتمعه، وآمن أن الأسرة هي أساس صلاح المجتمع، فسيبني جيلاً أكثر أمانة وإيماناً، جيلاَ لا يسرق ولا يتعامل بالرشوة، جيلاً يقدر الجهد والمثابرة، جيلاً يمقت الكسل، فحينما يحدث هذا سنجد أن البطالة قلت، وأن المجتمع أصبح أكثر وعياً لحقوقه وواجباته، إن المعادلة سهلة من بعيد، فساد يقل بطالة تقل وعمل يزيد، لكن الأمر يحتاج إلى مجهود سنوات كثيرة، لنعي الأسباب ونفهم أن الأفراد هم من جعلوا الفساد يتسلط علينا، وأن الإنسان إذا وجد ما يخالف مبادئه يجب أن يكون له وقفة، التغير يبدأ منا كأشخاص من داخلنا؛ لنغير ما حولنا، بعض الصبر يولد النور.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]


مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عمر هشام مغربي
كاتب مصري
مهندس وكاتب مصري، له العديد من المقالات والقصص المنشورة. من أعماله "أذنبت مرة أخرى".
تحميل المزيد