السياسة الاقتصادية التركية الجديدة: الأولويات والفوائد والمخاطر

عربي بوست
تم النشر: 2023/06/25 الساعة 10:25 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/06/25 الساعة 10:25 بتوقيت غرينتش

تركيا بلد واجه العديد من التحديات الاقتصادية في السنوات الأخيرة مثل ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة وانخفاض النمو والاختلالات الخارجية. كما أضافت جائحة كوفيد -19 إلى صعوبات الاقتصاد التركي، التي انكمشت بنسبة 3% في عام 2020. في هذا السياق أعلنت الحكومة التركية الجديدة بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان عن سياسة اقتصادية جديدة، تهدف إلى معالجة هذه القضايا واستعادة الثقة والاستقرار.

ما الجديد في السياسة الاقتصادية للحكومة التركية الجديدة؟


تستند السياسة الاقتصادية للحكومة التركية الجديدة إلى تغيير النهج القديم. في 3 يونيو 2023، كشف أردوغان النقاب عن حكومته الجديدة، التي تضمنت بعض التعيينات البارزة في المناصب الاقتصادية الرئيسية. وكان أبرزهم محمد سيمسك، وهو استراتيجي سابق في ميريل لينش، والذي أصبح وزيراً للخزانة والمالية. وينظر إلى سيمسك على أنه شخصية صديقة للسوق وواقعية، يمكنه التواصل بفاعلية مع المستثمرين والمؤسسات الدولية. وتعيين مهم آخر كان حافظ غاي إركان، الرئيسة التنفيذية المشاركة السابقة لبنك فيرست ريبابليك في الولايات المتحدة، والتي أصبحت محافظ البنك المركزي. ومن المتوقع أن تجلب إركان خبرتها ومصداقيتها للبنك المركزي، الذي يتعرض لضغوط سياسية لخفض أسعار الفائدة رغم ارتفاع التضخم.
وقد أشار الفريق الاقتصادي الجديد إلى تحول في السياسة الاقتصادية عن النهج التدخلي وغير التقليدي السابق، الذي كان فضله أردوغان. واشتهر أردوغان بآرائه غير التقليدية حول السياسة النقدية، معتقداً أن أسعار الفائدة المرتفعة تسبب تضخماً مرتفعاً، ويدعو إلى أسعار فائدة حقيقية منخفضة أو سلبية لتحفيز النمو والاستثمار. وقد أدى هذا الموقف إلى اشتباكات متكررة مع البنك المركزي، وتوقعات السوق، ما أدى إلى تقلبات وعدم يقين في الاقتصاد التركي. ومع ذلك، تعهد الفريق الاقتصادي الجديد بتنفيذ سياسات "عقلانية" و"أرثوذكسية" تتوافق مع أساسيات الاقتصاد الكلي والمعايير الدولية. كما تعهدوا باحترام استقلالية البنك المركزي ودعم جهوده لمكافحة التضخم.


ما أولويات السياسة الاقتصادية للحكومة التركية الجديد؟


يمكن تلخيص أولويات السياسة الاقتصادية للحكومة التركية الجديدة على النحو التالي:

  • خفض التضخم

حدد الفريق الاقتصادي الجديد التضخم باعتباره المشكلة الرئيسية للاقتصاد التركي، والعقبة الرئيسية أمام النمو والاستقرار. وبلغ التضخم 36% في ديسمبر 2022، وهو أعلى مستوى منذ عام 2002، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للأسر والشركات وتقويض الثقة في الليرة التركية. وقد التزم الفريق الاقتصادي الجديد بخفض التضخم إلى خانة الآحاد بحلول عام 2025، باستخدام مزيج من التشديد النقدي، والانضباط المالي، والإصلاحات الهيكلية، ومرونة سعر الصرف. ورفع البنك المركزي بالفعل سعر الفائدة الرئيسي من 14% إلى 19% في يونيو 2023، ما يشير إلى تصميمه على كبح الضغوط التضخمية. كما أعلن وزير الخزانة والمالية عن خطة مالية متوسطة المدى تهدف إلى خفض عجز الميزانية من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2022 إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025. 

  • استقرار سعر الصرف

أدرك الفريق الاقتصادي الجديد أيضاً أهمية استقرار سعر الصرف كوسيلة لاستعادة الثقة، والحد من نقاط الضعف الخارجية. وانخفضت قيمة الليرة التركية بنحو 28% مقابل سلة اليورو والدولار منذ منتصف نوفمبر 2022، ما يعكس الضغوط المالية وعدم اليقين الذي واجهته تركيا بسبب سياساتها غير التقليدية والتوترات الجيوسياسية. وقد اعتمد الفريق الاقتصادي الجديد نظاماً أكثر مرونة لسعر الصرف يسمح بإجراء تعديلات قائمة على السوق، ويتجنب التدخلات المفرطة التي تستنزف الاحتياطيات الأجنبية. كما قدم البنك المركزي أيضاً استراتيجية اتصال أكثر شفافية، ويمكن التنبؤ بها، تُعلم المشاركين في السوق بإجراءات السياسة والتوقعات.

  • تعزيز النمو

أعرب الفريق الاقتصادي الجديد أيضاً عن طموحه في تعزيز النمو من خلال الاستفادة من المزايا والإمكانيات التنافسية لتركيا. وتتمتع تركيا بسوق محلي كبير، وسكان شباب وديناميكيين، وقاعدة صناعية متنوعة، وموقع استراتيجي بين أوروبا وآسيا. وحدد الفريق الاقتصادي الجديد استراتيجية نمو تركز على زيادة الصادرات والاستثمار والائتمان المحلي والابتكار والإنتاجية. وأعلن وزير الخزانة والمالية، عن سلسلة من الحوافز والإصلاحات التي تهدف إلى تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز التنافسية، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز التحول الرقمي، وتنويع أسواق التصدير. 


ما الفوائد المحتملة للسياسة الاقتصادية الجديدة لتركيا والمنطقة؟


السياسة الاقتصادية الجديدة لها بعض الفوائد المحتملة لتركيا والمنطقة، إذا تم تنفيذها بنجاح وثبات.  بعض هذه الفوائد هي:


. تحسين استقرار الاقتصاد الكلي

يمكن للسياسة الاقتصادية الجديدة أن تساعد في تحسين استقرار الاقتصاد الكلي عن طريق خفض التضخم، وتحقيق الاستقرار في سعر الصرف، وخفض الاختلالات الخارجية والمالية. وهذا يمكن أن يعزز مصداقية الاقتصاد التركي وإمكانية التنبؤ به ويقلل من تعرضه للصدمات والأزمات. 


. زيادة المرونة الاقتصادية

يمكن للسياسة الاقتصادية الجديدة أن تساعد أيضاً في زيادة المرونة الاقتصادية من خلال تنويع مصادر ومحركات النمو، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي. ومن خلال زيادة الصادرات والاستثمار والابتكار والإنتاجية، يمكن للسياسة الاقتصادية الجديدة أن تعزز نموذج نمو أكثر توازناً واستدامة، يعتمد بدرجة أقل على الاستهلاك والواردات. من خلال جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتحسين بيئة الأعمال ودعم الائتمان المحلي، يمكن للسياسة الاقتصادية الجديدة أيضاً أن تعزز القطاع المالي وتزيد من قدرته على تحمل الصدمات.


. تعزيز التكامل الإقليمي

يمكن للسياسة الاقتصادية الجديدة أن تساعد أيضاً في تعزيز التكامل الإقليمي، من خلال تحسين علاقات تركيا مع جيرانها وشركائها. تُعد تركيا لاعباً رئيسياً في المنطقة، ولديها علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية قوية مع أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإفريقيا. ومن خلال تبني سياسة اقتصادية أكثر عقلانية وتقليدية، يمكن لتركيا استعادة سمعتها ومصداقيتها على الساحة الدولية، وزيادة تعاونها وتجارتها مع الدول الأخرى. ويمكن أن يفيد هذا تركيا والمنطقة على حد سواء، من خلال خلق المزيد من فرص الحوار والتبادل والتنمية. 


ما المخاطر والتحديات الكبيرة للسياسة الاقتصادية الجديدة لتركيا والمنطقة؟
تنطوي السياسة الاقتصادية الجديدة أيضاً على بعض المخاطر والتحديات الكبيرة التي تواجه تركيا والمنطقة، والتي يجب معالجتها والتغلب عليها. بعض هذه المخاطر والتحديات هي:

. الحفاظ على الدعم السياسي

تتطلب السياسة الاقتصادية الجديدة الحفاظ على الدعم السياسي من كل من الحكومة والجمهور. ويواجه الفريق الاقتصادي الجديد التحدي المتمثل في إقناع أردوغان وحزبه الحاكم بالالتزام بإطار سياستهم واحترام استقلاليتهم. وعُرف أردوغان بنفوذه القوي وتدخله في الشؤون الاقتصادية، خاصةً في السياسة النقدية. كما أنه كان متردداً في قبول أي انتقاد أو نصيحة من جهات خارجية مثل صندوق النقد الدولي أو الاتحاد الأوروبي. ويواجه الفريق الاقتصادي الجديد أيضاً التحدي المتمثل في الحصول على الدعم العام لأجندته السياسية التي قد تستلزم بعض التكاليف والتضحيات قصيرة الأجل، مثل أسعار الفائدة المرتفعة أو خفض الإنفاق العام أو الإصلاحات الهيكلية. يحتاج الفريق الاقتصادي الجديد إلى التواصل بشكل فعال مع الجمهور وشرح الفوائد والأسباب المنطقية لسياساتهم. 


. التعامل مع المشاكل الموروثة

تتطلب السياسة الاقتصادية الجديدة أيضاً التعامل مع المشاكل الموروثة، التي تراكمت بمرور الوقت بسبب السياسات غير التقليدية السابقة. وتشمل هذه المشاكل توقعات التضخم المرتفعة، ودولرة الودائع وارتفاع الديون بالعملات الأجنبية وانخفاض الاحتياطيات الأجنبية وضعف الميزانيات العمومية للشركات، وانخفاض الثقة في المؤسسات وانخفاض الرعاية الاجتماعية.

. إدارة الصدمات الخارجية

تتطلب السياسة الاقتصادية الجديدة أيضاً إدارة الصدمات الخارجية التي قد تؤثر سلباً على الاقتصاد التركي. وتشمل هذه الصدمات التقلبات في أسعار السلع الأساسية العالمية، وخاصة أسعار النفط. التغيرات في الظروف المالية العالمية، وخاصة أسعار الفائدة، والتوترات والصراعات الجيوسياسية في المنطقة، والعقوبات أو الضغوط من دول أخرى، أو الأزمات الصحية أو البيئية. ويحتاج الفريق الاقتصادي الجديد إلى مراقبة هذه الصدمات عن كثب، وتعديل سياساتها وفقاً لذلك لتخفيف تأثيرها.


مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ألطاف موتي
باحث اقتصادي باكستاني
عضو اللجنة الدائمة للمسؤولية الاجتماعية للشركات، واتحاد غرف التجارة والصناعة الباكستانية كراتشي، باكستان. باحث سياسي واقتصادي، ومستشار الهيئات التجارية الحكومية وغير الحكومية، ورئيس شبكة التعليم في باكستان.
تحميل المزيد