المناظرة بين ماكرون ولوبان.. كيف قد تُغيّر حظوظ مرشحَي الرئاسة الفرنسية؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/04/21 الساعة 12:04 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/04/21 الساعة 12:17 بتوقيت غرينتش
الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان - Getty Images

أسفرت المناظرة الإعلامية التي جمعت بين رئيس حزب "الجمهورية إلى الأمام"، وزعيمة حزب "التجمع الوطني" سنة 2017، في إطار الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، عن سجال سياسي محتدِم انتقل من لغة استعراض البرامج التي سيقوم بتنفيذها كل مترشح، إلى أسلوب المواجهة المباشرة وتبادل الانتقادات اللاذعة بين الطرفين، خصوصاً في المسائل الاقتصادية التي تتعلق بواقع الاقتصاد الفرنسي.

الاقتصاد الذي يشهد تدنياً ملحوظاً إذا ما تمّت مقارنته مع نسبة النمو والتضخّم في البلد، والتي وصلت في معظم مراحلها إلى المقاطعات الممنهجة لحديث المنافس، للحد من تأثيره على المشاهدين من جهة، ومن جهة أخرى محاولة البروز بالخطط والاستراتيجيات التي سيتم العمل بها في العهدة الرئاسية، سعياً لاستمالة أكبر عدد ممكن من أصوات الهيئة الناخبة، لكن الصندوق الانتخابي رجّح الكفة في نهاية المطاف لإيمانويل ماكرون.

هذا وقد شهدت فرنسا أول لقاء من هذ النوع بداية من سنة 1974، حينما اشتد النقاش بين فرانسوا ميتران وفاليري جيسكار ديستان، الذي قلب الموازين لصالحه، مواجهاً خصمه بكل ارتياح واتزان سياسي، مع تسجيل عبارته الشهيرة: "من المؤسف ومن الصادم أن تظن أنك تحتكر الإحساس بالإنسانية، ليس لديك احتكار القلوب يا سيد ميتران"، لينتظر زعيم الحزب الاشتراكي فرانسوا ميتران سبع سنوات أخرى، ويلتقي مجدداً مع غريمه السابق، مسجلاً بدوره تغييراً في أسلوب وخطة المواجهة، التي عُرفت بعبارته الشهيرة "كانت لديك سمة التحدث باستمرار عن الماضي، حتى أصبحت من الماضي".

ومنذ هذا التاريخ أصبحت المناظرات التلفزيونية من أهم مراحل الحملات الانتخابية للمرشحين الذين يحاولون التأثير على الرأي العام وكسب أصوات الناخبين من خلالها، مثلما فعل ذلك ماكرون مع لوبان قبل خمس سنوات، عندما واجهها مباشرة -أثناء مناقشة واقع الاقتصاد الفرنسي- بأنها تبرع في الانتقادات وفقط، ولا يمكنها تقديم اقتراحات وحلول لازمة.

وبعد القراءة المتمعّنة للصحف الفرنسية والعالمية الصادرة صبيحة الموعد المحدد للمواجهة، يجد القارئ أن السلطة الرابعة قد استعرضت كل السيناريوهات المحتملة لهذا اللقاء الذي ينتظره العالم برمّته، بالموازاة مع استقراء أهم الخطط التي سيعتمد عليها كل مترشح، حيث أكّدت غالبيتها على أنّ الحوار سيشهد درجة عالية من النقاش والتوتّر.

ذلك أن مارين لوبان ستحاول مواجهة خصمها بحصيلة نشاطاته طيلة خمس سنوات، بالتركيز على أهم العثرات والأخطاء التي لم يفلح منافسها في تصحيحها وتجاوزها، وهو ما أكّدته جريدة La Tribune de Genève السويسرية، بأن زعيمة الحزب اليميني المتطرف تريد إثبات أنها هادئة وذات مصداقية، فيما سيحاول الرئيس المنتهية ولايته التأكيد أنّ لوبان غير مؤهلة لرئاسة فرنسا، أما صحيفة Le Figaro الفرنسية، فقد نوّهت في صفحتها الأولى بتعليق حول المواجهة الكبرى التي يمكن اعتبارها مباراة العودة بين المترشحين، إذ تسعى لوبان لتفادي الخسارة الثانية من خلال التحضير الجيد لهذه المواجهة الإعلامية.

ومثلما أكّد الكثير من المحلّلين السّياسيين وأهل الاختصاص أن المواجهة ستشهد طابعاً خاصاً يمتزج بين التجربة السياسية وتدارك الأخطاء السابقة، باعتبار أن لقاء سنة 2017، الذي يعدّ من بين أشرس اللقاءات الإعلامية بين المترشحين للظفر بكرسي قصر الإليزيه، قد أصبح معياراً لنجاح وكسب الرهان الانتخابي في فرنسا، على غرار المواجهات الإعلامية السابقة، حيث شهدت الجلسة الثنائية زخماً نقاشياً متنوعاً شمل التطرق إلى مواضيع القدرة الشرائية، والقضايا الدولية، ومسألة التّقاعد، والبيئة والمناخ، وآخر موضوع تمثل في المؤسسات والحوكمة.

وعلى عكس المواجهة السابقة، فقد أدرك كل من ماكرون ولوبان أن الهدوء وعدم التسرع سبيل للتغلب على الخصم من جهة، ومن جهة أخرى أسلوب لتوضيح الصورة أكثر أمام المواطن الفرنسي بالأحقية والجدارة لاعتلاء كرسي الرئاسة.

القدرة الشرائية عنوان امتزج بين تخفيض الرسوم وطرح آليات للحد من البطالة

فلم ترقَ هذه القضية إلى مستويات حادة في النقاش، حيث استعرض كل طرف استراتيجيته لإيجاد حلول مناسبة للمواطن الفرنسي، ما عدا سؤال ماكرون الاستغرابي حول مناداة لوبان بزيادة المنح والعلاوات، في حين أنها كانت من بين المنادين بوقفها في فرنسا في وقت سابق.

جدال حاد حول القضايا الدولية، والانحياز اليميني لروسيا على رأس المناقشة وذلك بإصرار من ماكرون على قضية القروض والامتيازات التي حصلت عليها لوبان من البنوك الروسية سنة 2015، كوسيلة ضغط لإضعافها أمام الرأي العام، خصوصاً وفق مقتضيات الظروف الدولية الراهنة في منطقة شرق أوروبا.

الاتحاد الأوربي بين ضرورة مواصلة الانتماء الإقليمي لماكرون، وأسبقية السيادة الوطنية على الأوروبية بالنسبة لمارين لوبان، حيث تلقّت مرشّحة اليمين المتطرّف انتقادات بخصوص الانعكاسات السلبية التي سترجع على فرنسا في حالة عدم التعاون والانفتاح على 17 دولة من الاتحاد الأوروبي.

أما عن المجال الخاص بالبيئة والأمن المناخي، فقد شمل تطرق ماكرون إلى تجربته السابقة في ميدان اللقاءات الدولية، والمناداة بضرورة المحافظة على البيئة وتجنب المآلات الخطيرة التي يمكن أن يصل إليها موضوع المناخ، لكن لوبان لم تتقبل الأمر، وتعتبر منافسها منافقاً وبعيداً عن الحقيقة والواقع.

وفي خضمّ القراءات التحليلية لأبرز الاستراتيجيات التي انتهجها كل من ماكرون ولوبان، فإن أبرز الإجابات تنصبّ في مصلحة ماكرون، الذي قدّم جميع أوراقه في آخر محطة انتخابية، قبيل يوم الحسم، الأحد 24 أبريل/نيسان، بالموازاة مع استقطاب أكبر فئة ستُسهم في تحديد نتيجة الانتخابات، وهي فئة الممتنعين من جهة، ومن جهة أخرى أنصار المتنافسين السابقين في الدور الأول.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

خليل بكوش
باحث دكتوراة في الإعلام
باحث دكتوراه جزائري في حقل علوم الإعلام والاتصال
تحميل المزيد