عندما تربَّع الملك سلمان بن عبد العزيز على العرش السعودي في عام 2015، سعى نجله، الأمير محمد بن سلمان، إلى لقاء الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، وفق مصادر متعددة، لكنّه لم يوفّق.
على الضفة المقابلة، التقى بن سلمان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شهر حزيران/يونيو من صيف العام نفسه، وكان ذلك على هامش منتدى سان بطرسبورغ. لم يكن اللقاء عادياً؛ إذ طرح بن سلمان خلاله ملفاً بالغ الأهمية: الطاقة. وأبدى بن سلمان رغبة بلاده في بناء ستة عشر مفاعلاً نووياً للأغراض السلمية وتوفير الطاقة وضخ المياه، على أن يكون لروسيا الدور الأبرز في بنائها وتشغيلها.
في أيلول/سبتمبر من العام 2016، وقعت المملكة اتفاقاً أُعِدَّ نصراً كبيراً لروسيا؛ حيث أبرمت إلى جانبها، وهما أكبر دولتيْن منتجتيْن للنفط، تحالف "أوبك بلاس" الذي يضم 13 عضواً في منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) وعشرة من خارج المنظمة.
موسكو تملأ فراغ واشنطن
واصلت واشنطن التعاطي بانتقائية مع السعودية حتى بعد انتخاب الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وإن كانت العلاقات الثنائية قد تحسَّنت بالمقارنة مع ولاية أوباما. في المقابل، كانت موسكو تستغل الفرص وتوطّد علاقاتها مع الرياض، فبعد اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، كان بوتين الزعيم الأوّل الذي يلتقي بن سلمان، وقد احتلت آنذاك المصافحة الحارة بين الرجليْن خلال قمة مجموعة العشرين في بوينس آيرس في الأرجنتين في العام 2018 عناوين وسائل الإعلام العالمية.
ترامب يخلّ بالاتفاق وبن سلمان يلتفت إلى الصين
في مطلع 2018، رفضت السعودية زيادة إنتاجها من النفط لخفض الأسعار العالمية. لم يسئ الموقف السعودي للعلاقة الدافئة مع ترامب، فبعدها استجاب بن سلمان لترامب وخفّض إنتاج السعودية من النفط مرّتين: أدّت الأولى إلى انخفاض سعر البرميل ليبلغ 60 دولاراً خلال 2019، أمّا الثانية، فكانت خلال تفشي جائحة كورونا حمايةً للنفط الصخري الأمريكي قبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية. كان ترامب يأخذ من السعودية دون أن يعطيها، فبعد تعرّض منشآت أرامكو في البقيق وهجرة خريص لقصف حوثي بصواريخ ومسيرات إيرانية في أيلول/سبتمبر 2019، أدار ظهره للرياض وامتنع عن تطبيق معاهدة الدفاع المشترك.
شكّل الموقف الأمريكي هذا نقطة تحوّل بارزة، فمن بعده راحت المملكة توطّد العلاقات أكثر مع الصين، ولعل التسريبات التي كشفت عنها شبكة CNN الأمريكية في بداية العام الجاري خير دليل على بلوغ العلاقات مستويات متقدّمة. ففي تقرير منسوب إلى مصادر استخبارية، تحدّثت CNN عن قيام المملكة بتصنيع صواريخ باليستية في "موقع واحد على الأقل" بمساعدة وإشراف صينيين بعدما كانت قد استحوذت عليها من بكين في وقت سابق.
لعبة أسعار النفط مجدداً
مطلع شباط/فبراير، وقبل الهجوم الروسي على أوكرانيا، طلب الرئيس الأمريكي جو بايدن من الملك سلمان زيادة الإنتاج مجدداً لخفض الأسعار، لم يتلقَّ بايدن إجابة مريحة؛ إذ ربط العاهل السعودي إنتاج بلاده من النفط بالاتفاق المبرم في العام 2016 مع "أوبك بلاس".
وفي السياق نفسه، تردّد أنّ المبعوث الأمريكي الخاص إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بريك ماكغورك قد زار الرياض قبيل اندلاع الحرب في أوكرانيا لجسِّ نبض المملكة حول إمكانية زيادة إنتاجها من النفط في حال توسعت رقعة المواجهات لتشمل أوروبا إلاّ أنّه لم ينل موافقتها. وقبل يوميْن أيضاً، أكّد بن سلمان للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنّ السعودية ملتزمة باتفاق تحالف "أوبك بلاس" حول كميات إنتاج النفط.
فرصة ذهبية للسعودية
مع استعار الحرب الروسية على أوكرانيا وغياب أفق الحلول حتى اللحظة، تتجه الأنظار إلى الخليج العربي، خاصة السعودية القادرة على اقتناص الفرصة بالتعاون مع قطر والإمارات لتحسين شروطها وشروط دول الخليج كافة على الجبهات المختلفة، بدءاً من الاتفاق النووي المرتقب، مروراً بحرب اليمن واحتواء الحوثيين، وصولاً إلى تطوير العلاقات مع الإدارة الأمريكية من دون قطع الخطوط مع روسيا والصين. وهذا كلّه ممكن من دون ترك تأثير سلبي مستفز على مسارات إنتاج النفط والغاز العالميْين.

يدرك الجميع أنّ امتناع القوى الغربية عن فرض عقوبات مباشرة على النفط والغاز الروسييْن مرتبط بمصالحها البحتة، فمن شأن خطوة مماثلة أن تُلحق أضراراً جسيمة بالاتحاد الأوروبي. بل يمكن الحديث هنا عن شلل جزئي في القارة العجوز؛ إذ تستورد أوروبا نحو 40% من الغاز الطبيعي الذي تستهلكه من روسيا، أي نحو 175 مليار متر مكعب، كما يتجه نحو 2.3 مليون برميل من الخام الروسي غرباً يومياً عبر شبكة معقدة من خطوط الأنابيب إلى أوروبا أيضاً.
وعلى الرغم من التحشيد العسكري غير المسبوق، لم يُبدِ الغرب- حتى أمس- نية في لعب ورقة النفط والغاز في وقت يشهد فيه العالم صعوداً صاروخياً بأسعار الطاقة بما فيها الفحم أيضاً، وهذه موادُ أوليةٌ تصدرّها روسيا.
توازن دقيق
من هنا، يمكن فهم التردّد الخليجي في اتخاذ موقف "قاطع" من اجتياح الروس لأوكرانيا، بعيداً عن مجرد الإدانة أو الشجب، فمصالح الدول الخليجية المنتجة للنفط والغاز متداخلة بشكل كبير مع روسيا، وهذا الواقع يدفعها إلى الاستفادة من التوقيت الذي اختاره بوتين بعناية ليشن حملته العسكرية على أوكرانيا. وقد حاول بوتين من جهته اختيار توقيت يخدم مصلحة الجميع لناحية تحقيق مكاسب من ارتفاع أسعار مواد الطاقة الأولية بعد سلسلة اضطرابات كان أبرزها انهيار الأسعار في العام 2020 عقب تفشي جائحة كورونا.
ولا تعني استفادة السعودية من الظروف الراهنة قدرتها على التخلي عن علاقاتها مع الولايات المتحدة التي لا تسلّحها فحسب، بل تساهم في حماية أمن الخليج من البحرين إلى قطر فالإمارات وصولاً إلى الكويت. بل يعني ذلك أنّ السعودية قادرة اليوم على تسجيل اعتراض على طريقة التعاطي الأمريكية معها، بدءاً من عهد أوباما مروراً بترامب وأخيراً بايدن.
نقلة نوعية بالعلاقات السعودية-الروسية.. ماذا بعد؟
ساهمت فترة السبعة أعوام الممتدة من 2015 حتى 2022 بتنامي شراكة موسكو والرياض بشكل كبير، ومنحت بن سلمان وبوتين هامشاً واسعاً للمناورة وقدرة كبيرة على التأثير في قرارات تصدير النفط وبالتالي الأسعار.
قد يتصوّر البعض أنّ الحرب الدائرة رحاها بين الغرب وروسيا ستؤدي إلى قطع العلاقات بين الطرفيْن، غير أنّ مصالح الدول لا تتوقف حتى عند اندلاع حروب، بدليل ما قاله المتحدث باسم الحكومة الألمانية عن أنّ "العقوبات على روسيا، لا تستهدف قطع العلاقات معها كلياً". هذا وتتحدث أوساط عديدة عن عدم قطع التواصل الفرنسي مع روسيا؛ ولذلك، تتفهم دول غربية عدة أسباب التحفظ السعودي ربطاً بنمو علاقات الدولة الخليجية الأكبر اقتصادياً وسياسياً وأمنياً مع موسكو.

مضت ثمانية أيام على اندلاع الحرب: القوات الروسية تواصل السعي للسيطرة على كييف، والمفاوضات انطلقت في بيلاروسيا، وفُرضت حزمة عقوبات جديدة على موسكو. الأحداث تتعقّد وأسعار النفط تواصل ارتفاعها حتى افتتح خام برنت تعاملات اليوم بـ118 دولاراً للبرميل في أعلى مستوى له منذ 2011، والكل ينتظر من يفلت أولاً. على أي حال، ثمة إجماع أنّ ما بعد الحرب على أوكرانيا ليس كما قبلها.
أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]
مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.