هل تستطيع قطر إنقاذ أوروبا من أزمة الغاز الحالية؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/02/02 الساعة 14:50 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/02/02 الساعة 14:50 بتوقيت غرينتش
الرئيس الأمريكي جو بايدن طلب من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال استقباله في البيت الأبيض تزويد أوروبا بالغاز المسال/ رويترز

على ما يبدو فإن قطر، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال بالعالم، نجحت في تلبية مساعي إدارة بايدن للتدخل لإنقاذ أوروبا التي تعاني بالفعل من أزمة طاقة. ومن المقرر أن تقوم الدوحة بتوفير بعض الغاز السائل الطارئ قصير الأجل؛ للمساعدة في تعويض أي نقص إذا قطعت روسيا الإمدادات عن أوروبا التي هي على شفا حرب في أوكرانيا. 

وتجد القارة التي تعتمد بشكل مفرط على الطاقة الروسية صعوبة في تطوير ردٍّ متماسك على العدوان الروسي. والخوف في واشنطن هو أنه مع التصعيد في أوكرانيا فإن العقوبات ضد موسكو ستضرب دولاً مثل ألمانيا أو إيطاليا أو بولندا، حتى لو قررت روسيا عدم استخدام صادرات الغاز كأداة لتعزيز القوة الجيوسياسية.

وبالنظر إلى توسع قطر في قدراتها الضخمة بالفعل في مجال الغاز الطبيعي المسال في السنوات القادمة، يمكن أن تصبح الدولة الصغيرة من حيث المساحة مورد طاقة أكثر موثوقية لأوروبا، مع عدد أقل من القيود المرفقة.

ويوفر الغاز الطبيعي المسال درجات من المرونة، حيث يتم نقله بواسطة الناقلات، عكس الغاز الطبيعي الذي يتم نقله عبر خطوط الأنابيب.

ومن المرجح أن يزداد الطلب الأوروبي على واردات الغاز الطبيعي، الذي ينظر له على أنه وقود انتقالي قابل للتطبيق وله بصمة كربونية أقل من النفط أو الفحم، ما يساعد الأوروبيين على خفض انبعاثاتهم الضارة في طريقهم لتحقيق أهدافهم المناخية قصيرة المدى.

وفي الوقت نفسه، فإن حقول الغاز المحلية في هولندا والنرويج آخذة في التسوية أو الانخفاض، ما يعني أنه سيتعين إضافة المزيد من الغاز إلى المزيج خارجياً.

وأكثر من 30% من الغاز المستورد من الاتحاد الأوروبي يأتي بالفعل من روسيا، حيث تستورد ألمانيا، العميل الأكثر اعتماداً لموسكو، 40% من غازها من هناك، وهي حصة يمكن أن تزداد بالتزامن مع خطة ألمانيا لجلب خط أنابيب غاز بروم المثير للجدل نورد ستريم 2.

وبغض النظر عن الطاقة، تخلق هذه التبعيات معضلات جيوسياسية في أوروبا، وتختبر تماسك نهج القارة تجاه الانتهاكات الروسية المستمرة للقانون الدولي في أوكرانيا، وانتهاكات حقوق الإنسان ضد النشطاء في روسيا، والعمليات الإعلامية واسعة النطاق ضد المجتمع المدني الأوروبي.

الغاز كورقة قوة.. بين روسيا وقطر

وأصبحت الطاقة أداة أخرى لموسكو لتلعب بها بقوة لتقويض العمل الجماعي في أوروبا، حيث يبدو أن ألمانيا على وجه الخصوص تنحرف عن نهج موحد عبر الأطلسي.

وفي الوقت نفسه، نظراً لأن دولاً مثل ألمانيا على خط الأنابيب الروسي بالتنقيط، قامت دول أخرى -مثل المملكة المتحدة وإسبانيا- بتنويع مزيج الطاقة لديها من خلال الاعتماد بشكل متزايد على الغاز الطبيعي المسال المستورد من قطر أو أمريكا الشمالية.

وبينما أصبح سوق الغاز الطبيعي المسال أكثر تنافسية، مع دخول المزيد من الموردين، تظل إمارة قطر الصغيرة القوة العالمية الرائدة في قطاع الغاز الطبيعي المسال. وكشفت قطر العام الماضي عن خطط للحفاظ على مركزها الأول في الصناعة من خلال توسيع طاقتها الإنتاجية، بنحو 60% بحلول عام 2027.

وتهدف الدوحة، التي يبلغ إنتاجها الحالي 77 مليون طن سنوياً، إلى الوصول إلى 126 مليون طن سنوياً في السنوات الخمس المقبلة. وهذا من شأنه أن يترك نحو 75 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال بدون عقود، ليتم بيعها لعملاء جدد أو حاليين، ما يعزز قوة رافعة الطاقة في قطر.

ولوضع هذا في السياق، فإن 75 مليون طن تعادل ما يقرب من 100 مليار متر مكعب (bcm) من الغاز، وهو أمر مثير للإعجاب عند الأخذ في الاعتبار أن السعة الجماعية للغاز الطبيعي المسال في أوروبا تبلغ حالياً في مكان ما حوالي 240 مليار متر مكعب سنوياً.

وبخلاف روسيا، لم تستخدم قطر ذراع الطاقة لديها في سياسات القوة الصلبة، بل على العكس من ذلك استثمرت قطر في عقود طويلة الأجل موثوقة، ما يوفر إمكانية التنبؤ والاستدامة بعيداً عن تقلب أسعار السوق.

وليست هذه المرة الأولى لقطر في القيام بهذا الدور، فقد زودت الدوحة اليابان بأربعة ملايين طن إضافية من الغاز الطبيعي المسال في أعقاب كارثة تسونامي التي دمرت العديد من المفاعلات النووية في عام 2011. وفي أواخر عام 2021 أعادت قطر توجيه أربع ناقلات للغاز الطبيعي المسال إلى بريطانيا، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لتخفيف تأثير أزمة الطاقة الناجمة عن التعافي الاقتصادي العالمي بعد كوفيد 19.

ومن هنا نجد أنه بالنسبة لقطر تعتبر رافعة الطاقة وسيلة للقوة الناعمة، وكدولة صغيرة في بيئة غير مستقرة تحاول قطر خلق ترابط يوفر لها الأمن في نهاية المطاف. وبالتالي على عكس روسيا، فهي غير مهتمة باستغلال التبعيات من جانب واحد في سياسات القوة الصارمة.

وخلال الحصار المفروض على الدوحة من قبل السعودية والإمارات وجيران آخرين بين عامي 2017 و2021 ظلت قطر ملتزمة بالحفاظ على خط أنابيب دولفين قيد التشغيل، وتزويد أبوظبي ودبي بإمدادات الغاز الحيوية.

ومع دخول أوروبا الآن في خضم أزمة طاقة أدت إلى ارتفاع أسعار الغاز خمسة أضعاف على أساس سنوي، فقد حان الوقت للشركاء الأوروبيين لتوسيع البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في القارة، كخطوة أولى نحو التخفيف من إدمان خطوط الأنابيب.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ألطاف موتي
باحث اقتصادي باكستاني
عضو اللجنة الدائمة للمسؤولية الاجتماعية للشركات، واتحاد غرف التجارة والصناعة الباكستانية كراتشي، باكستان. باحث سياسي واقتصادي، ومستشار الهيئات التجارية الحكومية وغير الحكومية، ورئيس شبكة التعليم في باكستان.
تحميل المزيد