قتلوه رداً على إهانة ترمب للمملكة.. يبدو أن خاشقجي لم يكن هو المستهدف من العملية في حد ذاته
الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018

قتلوه رداً على إهانة ترمب للمملكة.. يبدو أن خاشقجي لم يكن هو المستهدف من العملية في حد ذاته

 

في الحقيقة، لم تكن هي المرة الأولى (ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال) التي يلجأ فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإهانة ملك السعودية، لكننا أمة مصابة بداء النسيان. فأثناء زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للولايات الأميركية المتحدة، قال له في اتصال هاتفي مع الملك: «أنتم من غيرنا لا تستطيعون البقاء على عروشكم يومين، نحن الذين نحميكم». وقد نشرت جريدة الواشنطن بوست فحوى تلك المكالمة في حينها، لكنها المرة الأولى التي يقول هذا المضمون ذاته في مؤتمر عام للحزب الجمهوري، على مسمع ومرأى العالم كله، أي أنه يهين السعودية ويعرّي ملكها علناً وليس في الغرف المغلقة، التي من المؤكد أنه يدور بداخلها ما هو أفدح وأقبح!

 

ترمب في نظري رجل صادق مع نفسه، ملتصق بذاته، يتعامل بمنطق التجارة وبلغة الأرقام والحسابات، وليس بلغة السياسة والدبلوماسية التي لم يتعلمها ولا يفهم فيها شيئاً، فهو «بيزنس مان»، وهو نبت من بيئة الكاوبوي (رعاة البقر) وروحه ملتصقة بها، لم يتخل عنها ولا انفصل منها، بل ظل أميناً عليها وفياً لها، وأصبحت من مكونات شخصيته الأساسية. وقد رأيناه في حملاته الانتخابية يعد الشعب الأميركي بأموال دول الخليج، ويتوعد حكامها الذين يشبههم بالبقر بأنه سيحلبهم ثم يذبحهم! وها هو يفي بوعده وينفذ وعيده، ومن سخرية القدر أن حكام الخليج، ورغم سماعهم هذا التهديد مراراً، فإنهم كانوا أشد المتحمسين والمؤيدين له، بل إن دولة كالإمارات صرفت عشرات المليارات من الدولارات لفوزه على هيلاري كلينتون (الداعمة للإخوان المسلمين حسب قولهم. وستظل فوبيا الإخوان المسلمين تطاردهم وتعمي بصيرتهم إلى أن يطيحوا عروشهم بأيدهم).

 

لم يكتفِ ترمب بالنصف تريليون دولار الذي أخذه من السعودية في زيارته الميمونة لها العام الماضي، بل أراد المزيد من الحليب هذا العام.. الجزية السنوية لحمايتهم؛ كما كررها في 3 خطابات متتالية في أقل من أسبوع، قائلاً في خطابه في ولاية مسيسبي: «نحن نحمي السعودية، إنهم أغنياء، وأنا أحب الملك سلمان لكني قلت: له أيها الملك، نحن نحميك. ربما لا تتمكن من البقاء لأسبوعين من دوننا، وعليك أن تدفع لجيشنا».

وقبله بيومين فقط، قال في ولاية فرجينيا إنه أبلغ الملك سلمان بأنه «ربما لن يكون قادراً على الاحتفاظ بطائراته؛ لأن السعودية ستتعرض للهجوم، ولكن معنا أنتم في أمان تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب أن نحصل عليه».

أما في خطابه الأخير في ولاية مينوسيتا، فقال: «لديهم مليارات الدولارات، وسوف يدفعون، وقلت للملك سلمان: نحن نحميكم ولا بد أن تدفعوا الأموال لأميركا مقابل حمايتكم. قال: لم يطلب أحد منا شيئاً، قلت له: أنا أطلب».

والحقيقة على الرغم من لغة الصفاقة البعيدة تماماً عن الدبلوماسية المتبعة بين رؤساء الدول، وأسلوب المهانة الذي يحمل في ثناياه تهديداً واضحاً، فإن ترمب كان صادقاً أيضاً فيما قاله! نعم أميركا هي التي تحمي عرش آل سعود، وهذا اتفاق قديم قد تم في اللقاء السري بين الرئيس الأميركي فرانكين روزلفت والملك عبدالعزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، على متن طراد «يو إس إس كوينسي»، في الرابع عشر من شباط/فبراير عام 1945، ولهذا سُمّي «اتفاق كوينسي»، وأهم ما جاء فيه هو توفير الولايات المتحدة الأميركية الحماية اللامشروطة لعائلة آل سعود الحاكمة، مقابل ضمان السعودية لإمدادات الطاقة التي تستحقها الولايات المتحدة الأميركية، وكان من المقرر أن يدوم هذا الاتفاق 60 عاماً، وتم تجديد محتوى الاتفاق لنفس المدة في عام 2005، من قِبل الرئيس جورج دبليو بوش.

وكما كان ترمب صادقاً في موضوع الحماية التي تعهدت بها أميركا، إلا أنه كان كاذباً في المقابل الذي التزمت به السعودية طيلة تلك العقود السابقة، فقد كانت سخية العطاء، وليس كما قال لم يكن على المستوى المطلوب، كما أنها تحكمت في سعر النفط العالمي من خلال «أوبك» بما يوافق أو يُرضي أميركا، وانصاعت لأوامر السيد الأميركي، والآن يهاجم ترمب أوبك ويقول في كلمته بالجمعية العامة للأمم المتحدة: إن «أعضاء أوبك ينهبون باقي العالم نحن ندافع عن كثير من الدول دون مقابل، وبعد ذلك يستغلوننا ويرفعون أسعار النفط، ويجب أن يتوقفوا عن رفع الأسعار».

 

ولكن يبدو أن السيد ترمب يريد أن يعدل اتفاق «كوينسي»؛ بأن تحصل الولايات المتحدة الأميركية على عائد الثروة النفطية السعودية كاملاً نظير حماية السعودية!

ومن المثير في الأمر أن السعودية لم ترد على إهانة ترمب لها كدولة مستقلة ذات سيادة، ولا على إهانة ملكها، بأي بيان رسمي صادر من الديوان الملكي يتبعه موقف سياسي حازم أو إجراء دبلوماسي صارم تجاه الولايات المتحدة، ولكن بعد أسبوع قال ولي العهد محمد بن سلمان في معرض حديثه لوكالة بلومبرغ الأميركية: «أحب العمل مع ترمب ونحن نتقبل النقد من الصديق». ردٌّ مخزٍ لا يقلّ مهانة وخزي عن كلام ترمب عنهم، فرد محمد بن سلمان يؤكده ويدلّ على هشاشة الدولة السعودية ويدعم التبعية للولايات المتحدة!

 

لكن يبدو أن الصبي المغرور، الطامح للعرش، الذي يحكم المملكة بالفعل، تفتق ذهنه لطريقة جديدة يرد بها على ترمب ويرد له الصاع صاعين لينتقم منه ويستعيد كرامته، فاختطف الكاتب الصحافي السعودي الذي يكتب في «واشنطن بوست» الأميركية «جمال خاشقجي» في تركيا بعد عمل كمين له، وتم استدراجه للقنصلية السعودية في إسطنبول!

 

دخل جمال خاشقجي القنصلية ولم يخرج منها، وبعد مرور 4 أيام من اختطافه تبادل فيها الجانبان، السعودي والتركي، الروايات والادعاءات عن وجود خاشقجي داخل السفارة من عدمه، فالجانب السعودي يؤكد خروجه، بينما الجانب التركي يؤكد أنه لم يخرج منها وأنه لا يزال داخل مبنى القنصلية، وظللنا على هذا المنوال إلى أن أعلنت وكالة الأنباء «رويترز» مساء السبت نبأ مقتله داخل السفارة، وتوالت الأخبار غير الرسمية، حيث لم تصدر السلطات التركية أي بيان رسمي عن مقتله حتى اللحظة، بينما تسرّب المصادر الأمنية التركية تصريحات عن مقتله داخل القنصلية السعودية لوكالات الأنباء، وتضيف العديد من المصادر الصحافية، أنه قد تم تعذيبه قبل قتله والتمثيل بجثته وتقطيعها إلى أجزاء بعد ذلك!

 

منتهى الوحشية والإجرام، فهذا شغل عصابات إجرامية وقطاع طرق، وليس فعل دول يحكمها دستور وتعامل مواطنيها بالقانون، ولكنه ليس غريباً ولا جديداً على آل سعود، فهي حرفة أجدادهم من ذي قبل، لقد أنشأوا مملكتهم فوق جثث وأنقاض القبائل التي غزوها ظلماً وعدواناً.

 

كما أنها ليست المرة الأولى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة التي يتم فيها اختطاف شخصيات معارضة سعودية من المنفى وترحيلهم إلى السعودية، ليغيب أثرهم من بعد ذلك ولا يعلم أحد مصيرهم. فلهم تاريخ مخزٍ وباع طويل في هذا المجال، فقد سبق أن اختطف المعارض العنيد «ناصر السعيد»، صاحب كتاب «تاريخ آل سعود» من بيروت عام 1979، بمساعدة أحد أصدقائه الفلسطينيين من منظمة التحرير، ولا أحد يعلم مصيره للآن!

 

ولم تقتصر عمليات الاختطاف على المعارضين من أفراد الشعب فحسب، بل طالت أفراداً من العائلة المالكة، نذكر منها الأمير سلطان بن تركي بن عبدالعزيز من جنيف عام 2003، والأمير تركي بن بندر آل سعود من فرنسا عام 2015، والأمير سعود بن سيف النصر بن سعود بن عبدالعزيز عام 2015، وبعدها الأمير عبدالعزيز بن فهد آل سعود عام 2017. وفي شهر أيار/مايو من هذا العام 2018، اختطف الأمير نواف طلال الرشيد من مطار الكويت ولا يزال مصيرهم مجهولاً، وهناك الآلاف ممن يقبعون في غياهب السجون من خيرة علماء الأمة، من رجال دين وفكر وعلم واقتصاد وأساتذة جامعة، ونشطاء حقوقيين، من كلا الجنسين، ومصيرهم مجهول أيضاً.

 

كان الإعلان عن اغتيال الصحافي جمال خاشقجي بمثابة الصدمة التي هزت الضمير الإنساني العالمي، فكيف يحدث هذا لإنسان مسالم، وصحافي لا يملك غير فكره وقلمه الذي يسخره لخدمة القضايا الإنسانية، والحرية والعدالة والكرامة، لذلك كان خاشقجي من أشد المناصرين لثورات الربيع العربي، وكان يرى أنها ستنهض من جديد، وأن هناك موجة ثورية قادمة في الأفق، فقد كتب: «الربيع العربي لم يدمر بل أولئك الذين حاربوه وتآمروا ضده هم المدمرون، وإلا لكنتم معشر الشباب تستمتعون الآن بنسائم الربيع، الحرية والتسامح والوظائف والرعاية».

 

كان خاشقجي يؤمن بأن الديمقراطية هي الحل في البلدان العربية، خاصة تلك التي تشهد حروباً أهلية مثل اليمن وليبيا وسوريا.

 

وكان غير راضٍ عما يجري في بلاده في تلك الفترة على يد وليّ عهدها، ويخشى من سياساته الجديدة ومشاريعه النزوية غير المدروسة على المملكة ما يُعرضها للإفلاس، وضاق ذرعاً بالاعتقالات المستمرة لأبناء بلده، فكتب: «إذا كان بإمكان الأمير أن يدفع مليار دولار ليشتري حريته، فكم يتوجب على سجين الرأي أن يدفع؟». لقد دفع حياته ثمناً لحرية لم تأتِ بعد، وربما تغيب طويلاً إلى أن يرى السعوديون نورها!

 

وعلى الرغم من مطالبته الدائمة بالإصلاح لتكدّس مفاصل الدولة، فهو لم يكن معارضاً شرساً، ولم يكن ناشطاً سياسياً، ولكنه كان في قلب النظام وموالياً له، وما يريد إلا الإصلاح، ويقدم النصح لمن يتقبل النقد من ترمب ولا يتقبل النصيحة من ابن بلده الذي أخذته الحمية والغيرة على بلده؛ فور سماعه إهانة ترمب للسعودية ولملكها، فكتب: «ترمب يقول إنه «يحمينا» وأن علينا أن «ندفع» لتستمر هذه الحماية.. يحمينا مِن مَن؟ أو يحمي مَن؟ أعتقد أن أكبر خطر يواجه دول الخليج ونفطها هو رئيس مثل ترمب لا يرى فينا غير آبار نفط». وكتب في موقع آخر: «لسنا في حاجة لحمايتك، فالسعودية تستطيع أن تحمي نفسها بقدراتها الذاتية وبامتدادها الإسلامي، شريطة أن تعيد تحالفاتها الاستراتيجية ومعرفة العدو من الصديق».

 

لقد كان خاشقجي يحمل هموم وقضايا أمته، وكانت القضية الفلسطينية أهم ما تشغله، وكان يرى أنه لا بد من عودة روح النضال للأمة كي تتحرر فلسطين، فكتب في آخر تغريداته بعد حضوره مؤتمر مؤسس «ميدل إيست مونيتور» عن «فلسطين ما بعد أوسلو» في لندن، قبل سفره إلى تركيا بيوم واحد من ذلك اليوم المشؤوم: «أغادر لندن وفلسطين في البال، حضرت مؤتمراً وتعرفت على باحثين وناشطين مؤمنين بعدالة قضيتها من أطراف الأرض، رغم قوة اللوبي الإسرائيلي الذي حاصر أي تعاطف معها، إلا أن صوتها لا يزال عالياً هنا. في عالمنا يحاولون تغييب فلسطين لكسر الغضب فينا، لكنها حاضرة في ضمير كل مواطن وإن صمت».

 

لم يكن يعلم أنه لن يغادر لندن فحسب، بل سيغادر الحياة أيضاً، لقد قال كلمته ومضى، وشعار صفحته في حساب تويتر يحمل هذه العبارة: «قل كلمتك وامش». ولقد دفع حياته ثمناً لهذه الكلمة، فداءً للثورة وللإنسانية وللعدل وللحرية وللحق. سلام عليك حياً وميتاً أيها الشهيد الذي نحسبك من عداد شهداء فلسطين، حيث كانت آخر كلماتك قبل الرحيل..

عربي 21

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
وسط هذه الأحداث البشعة التي دمّرت أعصابنا.. كيف يجب التعامل مع الأمر؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
قتلوه رداً على إهانة ترمب للمملكة.. يبدو أن خاشقجي لم يكن هو المستهدف من العملية في حد ذاته