الجمعة, 22 يونيو 2018

فليحيَ العدلُ فينا وليسقط الانتفاء

ونحن في رحاب شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي تتوق إليه الأنفس والقلوب، ونترقب كل عام باللهفة والاشتياق قدومه؛ لتُمحى ببركته وطاعاته، والصفاء العامرة به أيامه آثارُ التذاؤب والتناحر والسواد المحيط بنا من كل جانب على مدار أشهر العام.

يحمل شهر رمضان من كل عام دعوةً للتصالح مع النفس، والوقوف على حقيقة ما تقترفه من ذنوب وشرور وأفعال لا طائل من ورائها إلا سوء المآل، نجتهد للتخلص من السيئ في سلوكنا، ونستبدله قدر المستطاع بالصواب!

أعلم أن نفوسنا تحمل من المآسي والألم ما يجعل من التصالح والمصارحة أمراً عسيراً، وذلك على إثر ما تتعرض له شعوبنا من قهر، أدَّعي في ذكر التاريخ له بأنه لا شبيه له، ولا وجه مثله على مرِّ العصور، مِحَن وسجون وقتل وخذلان وشماتة وتشفّ وفساد وانهيار أخلاقي ما زال ينهش فيما تبقَّى من أخلاق، قاب قوسين أو أدنى من أن تنعدم  في مجتمعاتنا  للأسف.

فالمواجهة صعبة للتغلب على الحواجز النفسية التي خلَّفتها تجارب الأعوام الماضية، وما تحمله من جحيم يكتوي به داخلنا، وصولاً إلى نتائج منصفة أخذت من التجرد والموضوعية طريقاً، خصوصاً عندما يكون الحديث عن مسألة تتعلق بمن كانوا جزءاً، ولو بالكلمة، في محنتنا.

يضاعف من صعوبة الفصل بين ما تميل إليه النفس انتقاماً أو كرهاً، وما تقتضيه أدبيات التقييم واتخاذ المواقف من تحكيم العقل وإعلاء المبادئ، تلك المعضلة التي كبرت معنا، وأسهمت فيما نحن فيه من خراب، بحيث أصبح معيار الحكم والتقييم بما تهواه القلوب، والتعبير عن الرأي سباب ولِعان واحتقار للتيارات الفكرية المخالفة، وربما تطال هذه النظرة مجتمعاً بأكمله مِن صاحب الرأي، والحرية، هي تلك الممارسات التي لا قيد فيها ولا حد حرية، بمفهوم الأنانية، وارتكاب جرائم نفسية ومعنوية، وربما مادية بحق مجتمع، دون الالتفات إلى أبسط قواعد الحرية القائلة بأن حق الفرد يتوقف عند حدود الآخرين! وكأن الآخرين مهما وصل تعدادهم عشرات كانوا أو ملايين غير موجودين، ولا حق لهم في الحفاظ على حريتهم، أو احترام قيم اتَّحدوا عليها، والواقع مليء بالأمثلة الحية.

بين الحين والآخر يتعرض مواطنون مصريون من غير أبناء التيار الإسلامي لعمليات قبض تعسفي وتنكيل، فمنهم من لم يمنعه الخلاف عن قول الحق ورفض الظلم، ولكنهم كانوا من بين داعمي 30 يونيو/حزيران، ومنهم من هتف للظَّلمة  وابتهج بما اقترفته أيادي السلطة من جرائم قتل وتعذيب وحرق وتنكيل بالمختلفين معهم فكرياً.

 وسرعان ما تلوح في الأفق آراء متعارضة تصل في جانب من جوانبها إلى التضاد، فهناك من يستقبل أخباراً كهذه بالفرحة المعلنة على حسابه الشخصي في شبكات التواصل الاجتماعي، ويستحضر مواقف لذلك الشخص المقبوض عليه، تنطوي على شماتة وتحريض وسب وقذف لأشخاص من تيارات فكرية أخرى، وهناك من يؤيد هذه المواقف بنظرة شرعية، لو أن المقبوض عليه مثلاً اشتراكي أو شيوعي أو علماني فيوصف -استحق أم لا-  بعدو الله، ومنكر دينه، وما إلى ذلك من التصنيفات المخرجة من الملة، بحقٍّ أو بجَور.

فيما يتجه الرأي الثاني إلى قواعد التجرد والموضوعية، بالنظر إلى أسباب القبض، عما إذا كانت عن جرائم قام بها بالفعل، أم كانت بدوافع سياسية تعسفية عقاباً له على معارضته للسلطة، في وطن أصبح عاصمة التعسف في القبض والقتل والكراهية والتشويه والتمزيق في النسيج المجتمعي على يد السلطة، ويقابله على يد الشعب تعسف في استخدام ما تبقَّى من حقوق في الفكر والتعبير والرأي، وذلك في المساحات التي تجمعهم! مساحات كبيرة أُريدَ لها أن تندثر تارة بيد السلطة، وتارات أخرى بأيدينا.

 فقواعد الحقوق والحريات والدفاع عنها لا يُعمل بها بالانتقاء، بحيث يستفيد منها من هو معنا، وتُعطَّل عند الحديث عن المختلفين، نكاية وإرضاءً لمشاعر الغضب نتيجة انحيازهم السابق لمعسكر 30 يونيو، كما أن خضوع عدد منهم لمؤثرات الاختلاف الفكري، وانحيازهم في الدفاع عن الحقوق والحريات للمنتمين لنفس تيارهم، وانتقائيتهم لا يمكن أن يُقبل كمبرر للانحراف عن القواعد الجامعة عند أصحاب القضايا العادلة والتضحيات!

وعلى كل شخص التعامل بأخلاقه وقيمه دون النظر إلى الأشخاص وتوجهاتهم ومواقفهم، مهما وصلت في التضاد عنان السماء، فإن وقع عليه ظلم نرفضه، ونقف ضد الظالم، ونُنحي أي خلاف أو هوى يدفعنا إلى فساد العمل، والأخذ بما أخذناه عليهم من انتقاء، فنُصبح مستقطبين، اخترنا الخروج من دائرة التجرد والموضوعية إلى ضيق الحواجز والانتقائية.

أما عن وجهة نظر الشريعة الإسلامية فلا أعتقد أنه يوجد من بين قواعدها ما يتيح أو يبيح قبول أو تأييد ظلم إنسان ومعاقبته على ما لم يقترفه من جرم وإن كان كافراً، أو ينتمي لتيار فكري يرفض الشريعة الإسلامية وأحكامها في مساحات العمل السياسي، وهنا أيضاً وجب سؤال رجال الدين ممن جهروا بالفرحة مع كل حالة قبض تعسفي على أحد النشطاء المنتمين لمدارس فكرية مختلفة، وبعد أن عجزت تماماً عن أن أجد في مصادر الشريعة الإسلامية ما يبيح قبول الظلم، ومعاقبة أي شخص كائناً من كان على جرم لم يقترفه!

أسأل كل من يتخذ من قواعد الولاء والبراء حجة لاتخاذ هذا الموقف مع عدد من أبناء الشعب المصري المختلفين فكرياً! وبفرض صحة إعمال هذه القواعد فهل قواعد الولاء والبراء تدعو إلى الانتقائية وقبول الظلم؟

وما حدود العمل بقواعد الولاء والبراء، وعلاقتها بمسائل العدل والجور والظلم؟

وهل هذا التبرؤ يعني التجرؤ على أحد أسماء الله (العدل)، الذي لا يؤخذ بالعاطفة، فهو أصل ومبدأ ومنهاج وغاية وأساس من أسس الدين الذي أقر منظومة العدالة لكل الناس وحمايتهم من الظلم؟

ولنتذكر معاً قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). صدق الله العظيم.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
فليحيَ العدلُ فينا وليسقط الانتفاء