أمشي تحت القصف وبقايا الدماء والحبل السري تتأرجح معي.. قصة ولادتي المعجزة في غزة

عربي بوست
تم النشر: 2024/07/26 الساعة 10:11 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/07/26 الساعة 10:17 بتوقيت غرينتش
صورة تعبيرية/shutterstock

قبل ستة أشهر وتحديداً في الرابع عشر من شهر يناير من ذات العام "عام الحرب والخوف والجوع والنزوح والتشرد والقتل والفقد والدمار .. تزامن مع اليوم الـ100 لعداد الحرب القاسية

كنتُ على موعد لأن أضع مولودتي الجديدة بعيداً عن بيتي المدمر وعن كل أشكال الحياة بما فيها الأمان بينما كنت أعتقد واهمةً أني سأضعها بعد انتهاء الحرب!

شهر المخاض وصلته بعدما نزحتُ أحد عشر مرة على الأقل .. قفزت من النوافذ مرةً هروباً من طلقات "الكواد"، ومرةً تسلقتُ مبنى مدمّراً بعدما حاصرتنا دبابات العدو للهروب منها، وأخرى قطعت مسافة 4 ساعات نزوحاً من الغرب شرقاً بعدما باغتتنا آلياته اللعينة.

لا بأس

ها أنا أخوض تجربة ميلادها دون أن أهزَّ جذع أي نخلة لأركن تحتها آمنة .. كانت ليلة باردة جداً وماطرة كذلك، ملبدة بالطائرات الحربية، مضاءة بضربات الصواريخ المتفجرة في سماء مدينتي التي لا تشبه إلاّ مدن الأشباح المرعبة

بدأ المخاض تمام الساعة العاشرة ليلاً وسط الشارع وبدأ ميلادها في نفس ذات الوقت بعد الدقيقة الخامسة تماماً، في لحظات كنتُ أناجي الله أن ينظر إلينا بعين رحمته ولطفه وأن يحرسنا بعينه التي لا تنام.

بدا ميلادها بالمعجزة بعدما رد عليّ صدى صوتي في أرجاء الحارة الفارغة من أهلها نحو محافظات الجنوب، أطلقت مولودتي "نِعمة" صرخة الحياة بين يدي أبيها الذي نجح في قص الحبل السُري وإطلاق سراحها لتبدأ رحلتها مع الحياة دون غرفة مخصصة لاستقبالها ولا حتى سرير صُمِّم خصيصاً لها، وبألبسة جهزتها لنا إحدى "الشهيدات" من بقايا معرض ملابس مدمر!

هذه اللحظة وحدها كانت موتاً مساوياً للحياة بعدما كان الجميع من حولي يذكرونني بأن أدعو الله أن يزيح عنا ستار الغمة وكنت أردد، "وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون"

لم ينتهِ الأمر بعد ..

رغم الخطر وقت الليل، دبّر لي زوجي سيارة لنقلي إلى مستشفى "الصحابة"، ركبتُ بداخلها وسبقني برفقة أخي نحو المستشفى جرياً على أقدامهما لاستقبالي هناك.

سبقني وأعدّ لي مكاناً مناسباً لاستقبالي ومولودتي لكني تأخرت .. نعم فـ السيارة التي أقلّتني ومولودتي المغطاة بقطعة قماش قد فرغت من "جرة الغاز" بعد قطعها لبضع أمتار فقط.

قررتُ أن أكمل الطريق مشياً بأسرع وقت ممكن لكني لا أعرف الطرق هنا وبالأصح لا توجد طرق أصلاً لسلكها.. كل الدروب مظلمة ..ولا أرى سوى تلالٍ معتمة من الدمار.

كان ابن خالتي يتقدمني في الطريق ممسكاً بكشاف صغير ويصرخ بأعلى صوته "من اليمين"، وما أن ينحني من دربٍ آخر حتى يعود وينادي "هيني قدامكم ادخلوا شمال" ..

أما عن أمي فقد كانت تنادي بأعلى صوتها "سيارة يا أهل الخير معنا والدة ومولودة" .. وكنت أرد عليها "والله إني قادرة أمشي الحمدلله ما تخافي" بينما يتأرجح معي شيء من بقايا حبل الحياة طوال الطريق مع انسياب دماء الميلاد

يشتد المطر وتنزل رحمات الله علينا دون ريب … ويهرول ابن خالتي بصغيرتي بعدما خبأها داخل معطفه الشتوي ويطرد من طريقه قطعان كلاب الليل الجائعة ليفتح لنا طريق المرور

أخيراً صرخ بأعلى صوته "قربنا نوصل" .. ومع ذلك كان فاعل الخير أسبق بالوصول.. صاحب "مكرو باص" لاحقنا من بعيد ليوصلنا إلى المستشفى .. ركبتُ وظللت أشكر سعيه حتى أنزلت خطواتي أمام المستشفى بعدما وصلت صغيرتي قبلي بثوانٍ.

استقبلتني على الباب طبيبة قالوا لها أني أنجبتُ صغيرتي وأنا في الطريق.. سألتنا (أنا وأختي التي اشتد بكاؤها خوفاً عليّ) "مين الوالدة فيكم؟"

أجبتُها بكل هدوء وابتسامةٍ واسعة عميقة "أنا الحمدلله"، "طيب وانتي ليش منفخة من العياط" سألت أختي، أجبتها أيضاً أنا "أختي خايفة عليّ وأنا طول الطريق بحكيلها إني بخير الحمدلله"، ابتسمت الطبيبة وأكملت لي رحلة الميلاد العجيبة لانتزاع الخلاصة من جوفي.

احتفظت الطبيبة بما حصل حتى الصباح، وما أن ودعتها سألتني بقولها "بدي أعرف سر ابتسامتك وانتي جاية من طريق مخيفة والدنيا مرعبة ومش عارفة مصير بنتك"، استعدت ذات الابتسامة وأخبرتها "لأني شفت رحمة ربنا بعنيا ومسكتها بإيدي، رحمة ربنا تُرى بالعين المجردة يا دكتورة الحمدلله.."

أما عن أعجب ما رُزقت لحظتها، فابنة خالتي التي لم تقطعني من فيض دعواتها وخوفها عليّ بعدما وقع قصف قريب مِنّا، كانت قد خبأت بعض حبات البرتقال المقطوفة من شجرة أرض مجاورة بعد مراقبتها لها جيداً، حبات البرتقال المنوية عصرها لأكثر من عشرين شخصاً آثرت صاحبتهم على جعل هذه الحبات عصيراً ثميناً نادراً لأجلي، كانت المرة الأولى والأخيرة على الإطلاق التي أشرب فيها عصيراً طبيعياً!

أنجبتُ صغيرتي في مرحلة العدم، جوع يفتك بالأطفال، كان ربع رغيف صغير نصيب يومنا الطويل، ومع ذلك خبأ لي زوجي في حقيبة الميلاد "علبة حلاوة صغيرة"، رغم انعدامها من كل الأسواق، كنت أفتش عنها كل مرة لأتأكد من وجودها حقاً، وحتى ذلك اليوم سحبت أنفاسي من عمقها وبدأت بأول ملعقة وكلي دهشة من رزقي المخبأ.

داخل ذات المستشفى (ليس لها نصيب من اسمها) نصفُ قاطنيها نازحون والنصف الآخر نساء أوجعهن مخاض الميلاد، فتشت أختي باحثة عن مشروب ساخن أياً كان نوعه (شاي، قهوة، نسكافيه) ليحظى جسد زوجي وأخي بشيء من الدفء، بعدما اغتسلوا بمياه المطر، لم تنجح محاولاتها في إيجاد مشروب لكنها وجدت فاعل خير قد سبقها إليهما وأشربهما كأساً ساخناً من الشاي، فعادت لها ابتسامتها الراضية وكلها انتصار.

وحتى تدوين هذه الذكرى لن أكتفي من حمد الله كثيراً أن وهبني الله من رحماته ما لا تعد ولا تحصى ودون حد له، الحمد لله.

ابنتي نعمة التي ولدت في حرب غزة


مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

آلاء النمر
صحفية من شمال غزة
صحفية من شمال غزة
تحميل المزيد