لطالما كان الفن مرآة تعكس أعماق الإنسانية، يترجم الأفكار والمشاعر إلى أشكال وألوان وأصوات، بما يحمله من قدرة سحرية على التعبير عن المبادئ وتسليط الضوء على المشاكل الاجتماعية والسياسية والإنسانية، يلعب دوراً لا غنى عنه في فهم العالم وتغييره.
يمكن أن نعتبر الفنان رحالة العصر الحديث، يعكس بعينين ثاقبتين الواقع المحيط به. أذكر في إحدى الأمسيات الهادئة، حينما كنت طفلاً، جلست أتأمل لوحة رسمتها جدتي. كانت تلك اللوحة تمثل مشهدًا ريفيًا بسيطًا، ببيوت خشبية وأشجار زيتون باسقة. لم يكن الجمال في تفاصيل اللوحة فحسب، بل في المشاعر التي أثارتها في نفسي. شعرت بتلك اللحظة أن الفن ليس مجرد ألوان على قماش، بل هو نافذة تطل على الخارج لكن من يد جدتي، التي أخذتني بعيدًا.
أجد هذا الشعور، فيما عبر عن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في الفن، إذ كان يرى امتلاك الفن هو ما يمنعنا من أن نموت من الحقيقة. إذ يرى أن الفن ليس فقط مرآة تعكس الواقع بل هو أيضاً أداة لتحمله وتجميله، ليقدم رؤية للعالم كما يمكن أن يكون، وليس فقط كما هو.
فالقوة الهادئة التي تستطيع أن تثير العواصف تتجلى في كل عمل فني يهدف إلى تغيير المجتمع. عندما زرت معرضًا لأول مرة، شعرت بتلك القوة. كان الرسامين يستخدمون فنهم كسلاح لمواجهة الظلم الاجتماعي والفساد الأخلاقي. وكأن لوحاتهم تتحدث بصوت عالٍ، تصدم وتستفز وتلهم. وكان كن الفن لديهم ليس مجرد جمال بل كان دعوة للتفكير والعمل. كنت أشعر وكأن كل لوحة تحكي قصة، وكل قصة تحمل رسالة قوية، تطالبنا بالنظر أعمق، بالتفكير أكثر، وبالعمل نحو التغيير.
مرآة للأخلاق
يقول الروائي، ليو تولستوي في كتابه "ما هو الفن؟": أن الفن الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا مرآة للأخلاق. أتذكر عندما قرأت الكتاب لأول مرة، شعرت بالغاية من الفن. ففي رأي الفن ليس فقط للتسلية أو للمتعة الحسية، بل هو وسيلة لنقل الرسائل الأخلاقية التي تسهم في تطوير المجتمع وتحسين الإنسان. كان تولستوي يرى في الفن قوة عظيمة لتشكيل الضمير الجماعي، وكنت أرى ذلك بوضوح في الأعمال الفنية التي تعكس القيم الإنسانية العميقة.
من هنا يأتي، السؤال الذي يطرح نفسه:: "هل يجب أن يحترق الفن من أجل العالم؟" هذه الفكرة تتجلى في الشاعر الرومانسي بيرسي بيش شيلي الذي قال: "الشعراء هم المشرعون غير المعترف بهم في العالم". الفنانون يحملون على عاتقهم مسؤولية كبيرة، فهم الموجهون، والمحرضون على التفكير والنقد. أتذكر عندما كنت أعمل على مشروع فني يتعلق بقضية اجتماعية، شعرت بضغط هائل. كانت تلك التجربة تعليمية بشكل لا يوصف، تعلمت من خلالها أن الفن هو رسالة، وأن الفنان هو حامل لتلك الرسالة، مهما كانت التحديات.
أرى الفن كأستاذ عظيم يعلمنا كيف ننظر إلى العالم بعيون جديدة، هكذا يمكن أن نصف الفن. عندما كنت طالبًا في كلية الفنون، تعلمت أن الفن ليس فقط تقنية، بل هو فلسفة ورؤية للحياة. كان أساتذتي يشجعوننا على التفكير النقدي، على البحث، وعلى استخدام الفن كوسيلة للتعبير عن القضايا التي تهمنا. أتذكر إحدى الورش الفنية التي شاركت فيها، حيث قمنا بدراسة أعمال فنانين من ثقافات مختلفة. كان ذلك بمثابة رحلة عبر الزمن والجغرافيا، تعلمت منها أن الفن يمكن أن يكون جسرًا بين الشعوب والثقافات. إذ يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية هو إحدى القدرات الرائعة للفن. أتذكر مشروعًا فنيًا مشتركًا بين فنانين من دول مختلفة. رغم اختلافاتنا اللغوية والثقافية، كنا نتواصل بعمق من خلال فننا. كانت تلك التجربة تذكيرًا بأن الفن يمكن أن يكون وسيلة قوية للتفاهم والتقارب بين الناس. كان كل عمل فني يحمل جزءًا من هوية صاحبه، وكان ذلك يفتح باب الحوار والتفاهم.
الهوية الشخصية
التعبير عن الذات وعن الهوية يأتي بأشكال مختلفة من خلال الفن. عندما أرسم، أشعر أنني أشارك جزءًا من نفسي، جزءًا قد لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات. أتذكر مرة وقفت أمام لوحة تجريدية في متحف للفن الحديث. كانت تلك اللوحة تعبر عن مشاعر متناقضة، شعرت وكأنها تتحدث إليّ، تروي قصتي. كانت تلك اللحظة تذكيرًا بأن الفن يمكن أن يعكس أعماقنا ويكشف جوانب جديدة من هويتنا.
التعبير السياسي
أداة قوية للتعبير السياسي، هكذا يمكن أن نصف الفن الذي يستخدم لنقد المجتمع والسياسة. من الرسومات الجدارية إلى الأفلام الوثائقية، يستخدم الفنانون أعمالهم للتعبير عن آرائهم السياسية وللنقد الاجتماعي. أتذكر مشاركتي في مظاهرة فنية في الجامعة لدعم حقوق الإنسان، كانت الألوان والرموز والشعارات تملأ الشوارع، تحكي قصة نضال وتطالب بالتغيير. لم يكن الفن هنا مجرد وسيلة للتعبير، بل كان أيضًا أداة للنضال.
العلاج النفسي
لقد وجدت في الفن قدرة علاجية كبيرة. يمكن أن يكون وسيلة للتعبير عن الألم والشعور بالحزن، وأيضًا وسيلة للشفاء والتعافي. كنت أعمل مع مجموعة من الأفراد الذين استخدموا الفن كوسيلة للتعامل مع الصدمات النفسية. كان من المدهش أن نرى كيف يمكن للفن أن يساعد الناس على التواصل مع مشاعرهم والتعبير عن الأمور التي يصعب الحديث عنها. كان الفن هنا بمثابة دواء للروح، وسيلة للشفاء والتعافي. بالإضافة إلى أنه، مساحة للحرية والإبداع، هذا ما يوفره الفن للإنسان. التعبير عن الأفكار والمشاعر دون قيود هو جوهر الإبداع الفني، وهو ما يجعل الفن قويًا ومؤثرًا.
ببساطة، أرى الفن كوسيلة قوية للإلهام والتغيير. سواء كان ذلك من خلال التعبير عن الجمال أو تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والسياسية، فإن للفن دورًا حيويًا في تشكيل وعي الإنسان وإحداث التغيير في العالم. من خلال الفن، يمكننا أن نتجاوز حدودنا الشخصية ونكتشف عوالم جديدة، ونعبر عن أعمق أفكارنا ومشاعرنا. إن رحلة الفن مستمرة، تأخذنا من الاكتشاف إلى النمو، لتصبح وسيلة لا غنى عنها لفهم العالم وإحداث التغيير فيه.
أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]
مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.