قتلوا والدته وطفله ثم أعدموه بالرصاص.. من هو يحيى ديلو ابن عمة الرئيس التشادي الذي أمر باغتياله؟

عربي بوست
تم النشر: 2024/03/06 الساعة 10:46 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/03/06 الساعة 10:47 بتوقيت غرينتش
المعارض التشادي الذي تم قتله يحيى ديلو/ موقع إكس

"بقتل ديلو يتجلّى الضعف، فما الحاجة إلى اتخاذ إجراءات متطرفة ضده؟" بهذا الاستهلال طرح رولاند مارشال، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في فرنسا، سؤالاً يسلط الضوء على ضعف النظام العسكري التشادي وعجزه عن التعامل بشكل عادل ومنصف مع يحيى ديلو ويتساءل عن الفائدة الحقيقية وراء ردة الفعل.

من هو يحيى ديلو؟

يحيى ديلوجرو بتشي هو مهندس اتصالات وسياسي تشادي، ولد في 18 ديسمبر/كانون الأول 1974، وينتمي إلى قبيلة الزغاوة، ويعتبر ابن عمة الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، تلقى تعليمه في جامعة أوتاوا الكندية، وهو رئيس الحزب الاشتراكي بلا حدود في تشاد (PSF)، وكان مندوباً مقيماً للجنة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا (CEMAC) في تشاد من يونيو 2018 حتى 11 مايو 2020. وهو مرشح في الانتخابات الرئاسية التشادية لعام 2021 تحت راية حزب "الاشتراكي بلا حدود".

يحيى ديلو
محمد إدريس ديبي

مسيرته السياسية

في عام 2005 قبل دخوله إلى الحياة السياسية، قاد يحيى ديلو جبهة ثورية في دارفور تُعرف باسم "منصة التغيير والوحدة والديمقراطية التغيير والوحدة والديمقراطية، تختصر باسم S.C.U.D"، والتي كانت تضم جنوداً تشاديين من عرقية الزغاوة منشقين عن الجيش الحكومي. كان هدفهم الرئيسي إنهاء نظام إدريس ديبي، بعد ذلك، شغل يحيى ديلو مناصب وزارية في تشاد، بما في ذلك منصب وزير المناجم والطاقة، كما كان مستشاراً للرئيس الراحل إدريس ديبي.

صدامه مع الحكومة

خلال فترة أزمة وباء كورونا، أثار ديلو الجدل بعد اتهامه لمؤسسة "القلب الكبير Grand Cœur"، التابعة للسيدة الأولى هندا ديبي إتنو، زوجة الرئيس السابق إدريس ديبي، بالتدخل في الشؤون الحكومية والاستيلاء على صلاحيات بعض الوزارات في قطاعات الصحة والتعليم. تم اتهامه أيضاً بالتشهير واستخدام السيارات الدبلوماسية التابعة للجنة الاقتصادية والنقدية لدول وسط أفريقيا بطرق غير مشروعة، وعلى الرغم من ذلك، أكد ديلو أنه قد أعاد السيارات للجنة عقب انتهاء ولايته، رداً على هذه الاتهامات.

في ليلة 27 فبراير 2020، حاولت قوات النخبة الخاصة التابعة لرئاسة الجمهورية اعتقال ديلو في منزله حيث كان محاصراً. خلال هذه المحاولة، قتلت والدته وطفله وأصيبت خمسة أشخاص آخرين بجروح خطيرة بينهم شقيقته الكبرى.

لدى يحيى ديلو تاريخ متقلب بين التمرد المسلح والعمل في الخدمة العمومية في عهد الرئيس إدريس ديبي إتنو. 

رد فعل الحكومة على قضيته المعروفة باسم " قضية ديلو" كان موضع انتقاد من قبل المعارضة والمجتمع الدولي. وأدى هذا الحادث إلى تعليق حملة الانتخابات الرئاسية في تشاد، حيث انسحب ثلاثة من المرشحين بمن فيهم رئيس الوزراء السابق صالح كبزابو من السباق الانتخابي احتجاجاً على استخدام القوة العسكرية في السباق الرئاسي.

لا تزال قضية ديلو لها تداعيات سياسية واجتماعية في تشاد. لقد سلط الضوء على التوترات بين الحكومة والمعارضة، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان وسيادة القانون.

لم يكن خافياً نفوذ ديلو في أروقة المؤسسة العسكرية. فقد تمكن أقرباؤه، الذين يشغلون مناصب بارزة في الجيش والأمن، من تهريبه إلى الكاميرون ومن ثم إلى أوروبا في نفس الليلة المتأزمة بالأحداث.

صمود قوي

بعد مقتل الرئيس ديبي الأب، استعاد يحيى ديلو نشاطه السياسي في العاصمة وبعض الولايات، ونال ثقة شريحة واسعة من الشباب. قام أيضاً بتشكيل تحالف مع ائتلاف المعارضة المعروف باسم "وقت تما"، ولكنه لم يدم طويلاً بسبب اعتراضه على تقلبات الائتلاف، وأسس جبهة سياسية موازية تحت مسمى "فيدرالية المعارضة ذات المصداقية" تضم العديد من الأحزاب والجمعيات المدنية.

شارك بفاعلية في أحداث 20 أكتوبر الدموية، وبعد ذلك قامت السلطات بتعليق نشاط حزبه، جنباً إلى جنب مع تعليق نشاط ثلاثة أحزاب أخرى بما في ذلك حزب الترانسفورماتير التابع لرئيس الوزراء الحالي سيكسيه ماسرا.

إبان هذه الأحداث، تراجع نشاط حزب ديلو إلى حد ما، بعد أن نجح جهاز الأمن في التأثير على أعضاء بارزين في مكتب الحزب وجعلهم يعلنون استقالاتهم مقابل الخدمة في الجهاز ومبالغ مالية. ومع ذلك، كان ديلو يحتفظ بمكانة كبيرة في الساحة السياسية. قبل بضعة أشهر، واجه مشاكل مع مدير مكتب الرئيس بشأن قطعة أرض تعود ملكيتها لديلو والتي منحتها الدولة في عهد الرئيس الراحل إدريس ديبي، ويحاول إدريس يوسف بوي استعادتها ليدرجها ضمن أملاكه ويرفض الحكم القضائي.

لدي ديلو توجه ضد الوجود الفرنسي، فقد دعا عدة مرات إلى المقاومة الشعبية ضدَّ القوات العسكرية الفرنسية في تشاد. كما لعب حزبه دوراً مهمّاً في حملة مقاطعة الاستفتاء الدستوري. 

منافس ديبي جينيور

أثارت الاضطرابات السياسية والأمنية الأخيرة في جمهورية تشاد مخاوف بشأن استقرار البلاد ومستقبلها. أسفرت الأحداث المأساوية التي وقعت في 27 و28 فبراير 2024، بين قوات الأمن وأنصار الحزب الاشتراكي بلا حدود، عن سقوط إصابات متعددة، بمن في ذلك زعيم الحزب، يحيى ديلو، والعديد من أفراد عائلته.

تعود أسباب هذه الاضطرابات إلى التوترات السياسية العميقة والانقسامات الاجتماعية في تشاد. تتزامن هذه الأحداث مع موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في 6 مايو المقبل، حيث أعلن يحيى ديلو نيته الترشح للانتخابات، واتهامه المحكمة العليا بالتدخل في شؤون حزبه بشرعنة تنصيب القيادي السابق دينامو درام على رأس الحزب دون وجه حق أدى ذلك الى مزيد من التصعيد، وهو ما يفسر على الأرجح سبب تصفيته.

في 13 فبراير، أعلن الرئيس الانتقالي محمد إدريس ديبي عن محاولة اغتيال رئيس المحكمة العليا سمير آدم نور. ومع ذلك، تبين لاحقاً أن رئيس المحكمة لم يكن متواجداً أثناء الهجوم على مكتبه من قبل مجهولين. وهو ما اعتبره البعض تمثيلية لاستهداف قيادات الحزب الاشتراكي ومنعهم من الترشح للانتخابات، وقد تم تحويل نتائج التحقيق في الحادثة إلى الوكالة الوطنية للأمن، ووجهت الاتهامات إلى شخصية بارزة في الحزب الاشتراكي، وهو أبكر ترابي، السكرتير المالي للحزب. وتم القبض على ترابي في نهاية المطاف ليلة 27 فبراير.

رد فعل يحيى ديلو على اعتقال السكرتير المالي لحزبه كان عنيفاً، حيث ذهب إلى المستشفى، ولكنه لم يتمكن من رؤيته حيث منعته الأجهزة الأمنية، واصل طريقه إلى المحكمة لاستلام سيارة ترابي قبل أن ينتقل الى مقر الوكالة الوطنية للأمن مطالباً بإطلاق سراح ترابي الذي نقل بالفعل الى مقر المباحث، وقد تطورت المواجهات بين أنصاره وقوات الأمن؛ ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وهو ما اعتبرته الحكومة هجوماً على مؤسسات الدولة.

لجأ يحيى ديلو ومجموعة من أفراد عائلته إلى مقر الحزب؛ ما أدى إلى محاصرتهم من قبل الشرطة وقوات الدرك. تزايدت المخاوف بشأن سلامة ديلو ومن معه؛ ما دفع أفراد أسرته للتوافد إلى مقر الحزب لمناصرة ديلو. في تحول دراماتيكي للأحداث، أمرت الحكومة قوات التدخل السريع المنشأة حديثاً، بقيادة الجنرال عثمان ديكي، بحسم الوضع. حاصرت القوات مقر الحزب الاشتراكي بالمدرعات وشنت هجوماً؛ ما أدى إلى إصابة ديلو وعدد من أفراد أسرته والعديد من القتلى والجرحى من الذين كانوا يرافقونه في مكتبه وحملوا الجثث والمصابين في سياراتهم ونقلوهم الى القصر الرئاسي لعرضه أمام الجنرال ديبي ليطمئن على نهاية تمرد ديلو. وفقاً لمصدر مقرب، تشير التقديرات الرسمية الصادرة عن الحكومة الى أن عدد القتلى من جانب القوات الأمنية أربعة أفراد ومن جهة الاشتراكي ثلاثة أفراد، وهو ما يرفضه الطرف الآخر ديلو، ويفيد أحد أفراد عائلة ديلو لـ"عربي بوست" بأن عدد الوفيات في صفوفهم أربع وفيات وثمانية مصابين وأكثر من عشرين شخصاً يقبعون خلف القضبان. وبخلاف ما أعلن عنه، ظهر أبكر ترابي على التلفزيون وهو يتلقى العناية الطبية في المشفى واطمأن على أهله. وللعودة إلى ظروف تصفية ديلو يؤكد مصدر مقرب أن ديلو أصيب بالفعل أثناء القصف المدفعي لمقر حزبه ولكنه لم يمت متأثراً بجروحه ويشير الى أنهم أعدموه رمياً بالرصاص وأعادوا جثته بعد التأكد من وفاته. 

تأتي هذه الأحداث في سياق عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي الذي يعاني منه تشاد. يُعتبر الحزب الاشتراكي بلا حدود، والذي يتزعمه يحيى ديلو، صوتاً هاماً في البلاد، وقد تزايد القلق بشأن القمع السياسي والتهميش الاجتماعي لأعضاء الحزب ومؤيديه.

واجهت الحكومة التشادية تحدياً كبيراً في إدارة هذه الأحداث المأساوية واحتوائها. إثر هذه الأحداث قُطعت شبكة الإنترنت وأُغلقت المدارس وفرضت إجراءات أمنية مشددة، ودعا الرئيس ديبي إلى اجتماع أمني طارئ وأمر قوات الدفاع والأمن بإجراء تفتيش شامل وممنهج وواسع النطاق، علاوة على ذلك ألقي القبض على صالح ديبي (صالي) العم غير الشقيق للرئيس محمد ديبي، بسبب دعمه للخصم يحيى ديلو ووضع منزله تحت تصرف الحزب الاشتراكي. ولم تكتف السلطات عند هذا الحد، فقد تم هدم مقر الحزب الاشتراكي الذي يعتبر مسرحاً للجريمة وتحول الى ركام، وبالتالي، فإنه من السابق لأوانه الحديث عن تحقيق دولي مستقل. 

لا تزال الحالة في تشاد غير مستقرة، والجهود المبذولة لاستعادة الهدوء ومعالجة القضايا السياسية لا تبدو كافية، وحالة من الارتباك والترقب تسود العاصمة، عمليات نزع السلاح مستمرة، والاعتقالات الليلية متواصلة في العاصمة أنجمينا.

على الصعيد الدولي، يراقب المجتمع الدولي والإقليمي الوضع في تشاد عن كثب. حيث دانت العديد من المنظمات الإقليمية وشبه الاقليمية بما في ذلك الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا والاتحاد الأوروبي وهيومن رايتس ووتش استخدام القوة المميتة ضد المدنيين وشددت على التسوية السلمية للنزاعات.

من جهتها، دعت منظمة هيومن رايتس الاتحاد الأفريقي إلى تولي زمام المبادرة وفتح تحقيق دولي مستقل في الظروف المحيطة بوفاة المعارض يحيى ديلو، ورداً على هذا الطلب أكدت الحكومة التشادية استعدادها لتوضيح الظروف التي أدت الى مقتل ديلو. 

في المجمل، تسلّط هذه الأحداث العنيفة التي تشهدها تشاد الضوء على التوترات السياسية المستمرة في البلاد. فمقتل رئيس الحزب الاشتراكي يمثل ضربة قاسية للمعارضة والديمقراطية بشكل عام.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
محمد طاهر زين
صحفي وباحث تشادي
صحفي وباحث تشادي
تحميل المزيد