بعد عقد من الصراع السياسي والتراشق الإعلامي.. ما الذي دفع مصر وتركيا للمصالحة؟

عربي بوست
تم النشر: 2024/02/19 الساعة 12:51 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/02/19 الساعة 12:54 بتوقيت غرينتش
السيسي يستقبل أردوغان في القاهرة/الأناضول

اشتدت القطيعة بين مصر وتركيا إلى أن حلّت المصالحة بضغطٍ أوجدته الظروف المتغيّرة. في منتصف عام 2013، اتخذت أنقرة موقفاً حازماً ضد الأحداث في القاهرة، حيث أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رفضه لأي مصالحة مع الأطراف التي تولت السلطة عبر انقلاب، مؤكداً بذلك عمق الخلافات بين البلدين. استخدام الجانب التركي لاسم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الخطاب السياسي كان يعكس حالة من النقد الشديد. ومع ذلك، أصبح هذا الأمر جزءاً من الماضي ولا يُعتبر ذا أهمية اليوم.

إبان سنوات الخلاف، المعضلة الأساسية لم تكمن في وجود تقاطع فكري سياسي بين أردوغان ونظيره المصري فحسب، بل المعضلة جيوسياسية عميقة. أنقرة كانت تسعى لتدشين نفوذ على شكل قوس هلالي في حوضي المتوسط والأحمر يبدأ من ليبيا مروراً بمصر والسودان، وصولاً إلى الصومال ومحيطها. الهدف من النفوذ المذكور التحول إلى دول إقليمية لها قدرة على تحقيق تأثير ملموس في كثير من معادلات الإقليم، وبالتالي تغدو من ناحية وظيفية وهرمية وفي إطار ميزان القوى والنفوذ الإقليمي لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوز دوره، سواء من قبل دول الإقليم أم الدول الكبرى. لكن عصفت رياح ثورة مضادة، وواجهت هذه الطموحات تحديات جراء الدعم السعودي والإماراتي للحكومات المضادة لتوجهات أنقرة، ما أدى إلى صدمة كبيرة لتركيا لم تتمكن من تجاوزها بسهولة، حيث استغرقت نحو 10 سنوات لإعادة تنظيم استراتيجيتها وتعافيها من هذه الصدمة.

واليوم، لكل مقام مقال، ودوام الحال من المحال. بغض النظر عن التبريرات البراغماتية، المكيافيلية، أو الواقعية التي قد تقدمها نظريات العلاقات الدولية لتصالح الطرفين وطيهما لصفحة الخلاف، تحمل الزيارة المشتركة للرئيسين أردوغان والسيسي لضريح الإمام الشافعي، التي أمر صلاح الدين الأيوبي بإنشائها، رمزية عميقة تشير إلى نقطتين أساسيتين:

تذكير بدور صلاح الدين الأيوبي في إنهاء الخلافات المذهبية وصراعات النفوذ بين المسلمين، موحداً وجامعاً كلمتهم تحت راية التكامل والتعاون المشترك، وفق معادلة رابح-رابح التي تفضلها تركيا في سياستها الخارجية.

إرسال رسالة من تركيا مفادها أنه حان الوقت للمضي قدماً وطي صفحة سنوات القطيعة دون الحاجة إلى استذكارها، خاصة أن العلاقات بين أنقرة والقاهرة كانت قد بلغت ذروتها في عام 2012، قبل شهور من الانقلاب، عندما اتفق الطرفان على أن تتولى أنقرة مهمة ترميم ضريح الإمام الشافعي، لكن تلك الخطط تعطلت بسبب الأحداث التي أعقبت ذلك حتى يومنا الحالي.

مصر وتركيا
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع نظيره المصري خلال زيارة مسجد وضريح "الإمام الشافعي"، على هامش زيارة أردوغان الرسمية إلى القاهرة/ وكالة الأناضول

توقيت الزيارة لا يقل أهمية عن الرمزية المغلفة لها، إذ تأتي الزيارة في ظل عدوان سافر مستمر على غزة، واحتدام مستعر لأزمة النفوذ السياسي في السودان، لكن قبل التطرق إلى محاور الزيارة، يبرز التكتيك أو العرف الذي يبدو أن الجانب التركي كان حريصاً على تأسيسه من خلال استباق الزيارة إلى أبوظبي. حيث كان الهدف من هذه الزيارة قبل القدوم إلى القاهرة تأكيد الرغبة التركية في فصل الملفات ومواصلة التعاون في المجالات المشتركة، مثل مد الخط البري بين تركيا والإمارات عبر إيران، وكذلك تعزيز التعاون الاستثماري المشترك، بما يجنب هذه الملفات أية تأثيرات سلبية.

ويبدو أن تكتيك فصل الملفات جنح إليه الجانب التركي بعد ملاحظته ضرورة التحرك النشط في حوض البحر الأحمر؛ في السودان والصومال تحديداً، عقب اتساع مستوى المناورة الإثيوبية وإحراز قوات الدعم السريع تمدداً ملموساً في السودان. 

عن الملف السوداني بالنسبة لأنقرة؛ يُلاحظ أنها وقفت على الحياد حيال الأزمة منذ اندلاعها، متبعةً استراتيجية "الانتظار والمراقبة" لعل الوساطة السعودية أو الأفريقية تؤتي أكلها، وبعد إخفاق الوساطة السعودية تلمست أنقرة التنسيق مع الجانب الإماراتي، لكن ذلك لم يفلح في إنبات رؤية مشتركة بين الطرفين.

نظراً لعدم حدوث تطور يربأ بالنفوذ التركي عن الانحسار لصالح نفوذ الجهات الأخرى، تحديداً أبوظبي وأديس أبابا، تحرك الجانب التركي ربما يعكس مؤشرات بأنه ماضٍ في التعاون مع القاهرة بما يشمل إتمام صفقة بيع عددٍ من مسيرات بيرقدار إلى القاهرة، على أن يكون هناك احتمال لمنح بعض هذه المسيرات إلى الجيش السوداني. 

يُستشف احتمال منح بعض هذه المسيرات للجيش السوداني من زيارة عبد الفتاح البرهان لأنقرة في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وطلبه في حينها مسيرات تركية بحسب ما نُشر من تسريبات صحفية ومؤسسية. الرفض كان سيد الموقف في الرد التركي، ويكاد ذلك الرفض يكون قد نبع من الرغبة التركية حينذاك من عدم الوقوع في حالة استقطاب إقليمي ليس مع أبوظبي فقط بل مع موسكو أيضاً.

 لكن يبدو أن أنقرة وجدت أنه لا بد من رفع مستوى المناورة مع القاهرة في الملف السوداني، باعتبار أن ذلك بدأ يؤثر في حجم نفوذها الإقليمي في حوض البحر الأحمر ككل، فنزول أديس أبابا للميدان يعني من المرجح نشوء تحالف أو تعاون إماراتي-إثيوبي-إسرائيلي مدعوم من قبل بعض الدول الغربية. في ضوء ذلك وجب بالنسبة لأنقرة التدخل الوقائي في الملف السوداني، والواضح أن باب التدخل سيكون غير مباشر عبر البوابة المصرية لتجنب الاستقطاب مع أي طرف كما سلف الذكر. 

في معرض هذه النقطة، تجدر الإشارة إلى أن القاهرة شرعت في تحركٍ فعليٍ يرنو لتحقيق تنويع في مساراتها الدبلوماسية بغية مواجهة النفوذ الإثيوبي المتنامي في حوض البحر الأحمر. التنويع المذكور تجلّى بتوثيق التعاون مع مقديشو وإريتريا والصين ذات النفوذ الشاسع في موانئ العالم، واليوم يشمل تركيا ذات النفوذ المباشر بقاعدتها العسكرية في الصومال، إذا لا يُستبعد وقوع تعاون مصري تركي في برامج التدريب للقوات الصومالية لتحقيق توازن قوى مُحاط بتطور مؤسساتي للأجهزة الصومالية يمكنها من حسر النفوذ الإماراتي وتوسيع نطاق مناوراتها الدبلوماسية والعسكرية ضد التحرك الإثيوبي مع الإقليم الانفصالي صومالي لاند. 

في إطار الزيارة، جاء المحور الثاني للتركيز على التطورات في غزة والعدوان الإسرائيلي المستمر عليها. سبق زيارة الرئيس أردوغان التقاء رئيس مخابراته بوفدٍ من حماس. من هذا اللقاء، إلى جانب التصريحات التركية، يُستقى أن الجانب التركي يسعى في الوقت الحالي للعب دور "الميسر" لمسار المفاوضات أملاً في أن يخفف ذلك وطأة الأزمة الإنسانية على سكان غزة المحاصرين. أما الحديث عن دخول تركيا لقطاع غزة بصفة الوصاية فأولويته مؤجلة، وقبوله من قبل مصر مستبعد. 

أما عن الملف الليبي فهو لا ينفصل عن مسار تقاطع علاقات الطرفين، وبما أن التعاون سيحصل بين الطرفين في الملف السوداني وحوض البحر الأحمر؛ فقد يشمل ذلك تدعيم كليهما لمسألة إجراء الانتخابات الليبية مع تأجيل لمناقشة المسائل التقنية فيما يخص الملف المذكور؛ وبالأخص مسألة الوجود التركي في ليبيا. 

أخيراً لا يمكن تجفيف سطور هذا المقال دون الإشارة إلى أن التعاون الاقتصادي سيسطع شعاعه بين الطرفين بعد هذه الزيارة، حيث يستند كل طرف على الميزات النسبية التي يتميز بها. من جانبها، تشكل مصر نقطة عبور استراتيجية للبضائع التركية نحو دول الخليج، بفضل موقعها الجغرافي، وهو تعاون تم تسليط الضوء عليه من خلال اتفاق الخط الملاحي "رورو" الموقع في عام 2012، والذي انتهى في عام 2015. من المتوقع أن يسعى الطرفان لإعادة تفعيل هذا الخط، بما يعود بالنفع على مصر من خلال استغلال الموقع الجغرافي التركي المجاور لأوروبا في نقل الطاقة والسلع الأخرى.

هذا النهج يشير إلى أن الأولويات الاقتصادية ستلعب دوراً كبيراً في تحديد مسار العلاقات المستقبلية بين البلدين، مع إمكانية لتحقيق منافع مشتركة تعود بالخير على اقتصاديات كلا الدولتين.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

جلال سلمي
كاتب فلسطيني متخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
كاتب فلسطيني متخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
تحميل المزيد